تروي الكاتبة المصرية رتيبة الحفني في كتابها «محمد القصبجي الموسيقي العاشق» (صادر عن دار الشروق) إنّه قبل اختراع المايكرفون كان المطرب يقف أمام مئات أو ألوف المستمعين في المسارح مغنياً، فإذا تمتع بكثرة المقامات وقوة الصوت امتلك أسماع جمهوره وأطربهم. أما إذا كان صوته متواضعاً خنوعاً، محدود المسافات، أخفق في الوصول الى جمهوره.على هذا الأساس، شكل اختراع المايكفرون «ثورة» ليس في مجال الغناء فحسب بل في السياسة والتواصل الجماهيري، من هتلر الى ستالين، ومن موسليني الى الخميني، ومن تظاهرات العمال في العالم الى خطب الشيوخ في المساجد. كلّهم وجدوا في المايكرفون ما يساهم في ترويج ايديولوجيتهم أو مشاريعهم السياسية أو الدينية. كان الصوت مضخماً في المايكرفون أشبه بوسيلة لغسل الدماغ وترويض الحواس الى اللاشعور أو فقدان الشعور، حتى ان هتلر كان يعمد إلى إلقاء خطبه في الليل لأنّها تؤثر بالجماهير أكثر بحسب ما ينقل عنه، أو كان يكذب وفق مبدأ وزير دعايته غوبلز وفي النهاية يجد من يصدقه.
مبسم الشيشةبحسب رتيبة الحفني كان ظهور المايكرفون حدثا اليماً في حياة بعض المطربين والمطربات، ومصادفة سعيدة في حياة البعض الآخر، فمنيرة المهدية صاحبة أعلى وأوسع صوت في عهدها، عاشت حياة المسارح قبل ظهور المايكرفون. كانت تغني في الافراح والليالي فيدوي صوتها حتى لا يجد مستمعوها في اقصى الصفوف مشقة تلقّي هذا الصوت والاستماع اليه. وكانت بحتها المشهورة، تكسح المسارح اكتساحا، كأنها تبنعث من آلة لا من حنجرة بشرية. عاشت منيرة نحو ثلاثين عاماً قبل رحيلها، حاقدة على المايكرفون الذي اعتبرت أنّه سرق منها سلطنة الطرب. وكانت شبهته بـ «مبسم الشيشة» الذي يضعه المطرب في فمه، فتنزل عليه نجدة من السماء، ويجد نفسه من أكبر المطربين. عاشت منيرة المهدية صراعاً مع أم كلثوم بسبب قوة الصوت أسفر في النهاية عن صمود أم كلثوم وانحسار منيرة اذ اعترفت هذه الاخيرة بسلطان أم كلثوم القاهر ووجدت نفسها في إحدى حفلات «كوكب الشرق» وهي تبكي، وكان ذلك البكاء الصادق هو الاعتراف الاول والاخير لمطربة دالت دولتها.أم كلثوم ايضا اعترضت على المايكرفون، ومما يروى عنها في بداية ظهورها في المجال الفني: ان احدى محطات الاذاعة الاهلية_ حوالى 1932 وضعت امامها على مسرح الازبكية مايكرفونا فغضبت وطرحت بهذه الآلة الدخيلة بعيدا عن المسرح، فصوتها قادر على بلوغ المستمعين من دون أي مكبر صوت. وفي حفلاتها كان المايكرفون يفصل عنها نصف متر، وهي المغنية الوحيدة التي جمعت بين القوة والعاطفة والحساسية في صوتها، ومن أهم مميزاتها التعبير بالجسم واليدين وبالإيماء والعبوس والضحكات. كانت كالجبل على المسرح، صوتها كالطاغية يجعل الأخرين في سفر الأحلام. اما القصبجي ولان صوته لم يكن قويا فلم يستطع ان يكون مطربا في زمن ما قبل المايكرفون. هندسة الصوتتحاك قصص كثيرة عن المايكرفون، سواء في السياسة أو في الغناء أو في الدين، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية وثورة الاتصالات وتصاعد الايديولوجيات والأحلام الكبيرة وظهور الأصوات الغنائية من عبد الحليم حافظ إلى الفيس بريسلي، اذ لم يعد الصوت هو الاساس بل الأداء، واصبحت التكنولوجيا وهندسة الصوت تساعدان على ايصال الأغنيات في نكهة مختلفة، لا تعتمد على عبق الطرب وهالته بل على التعابير الجسمانية والإحساس والتحرر.والمعروف ان دنيا الطرب في الماضي لم تكن تعرف الا بالاصوات القوية الجهيرة الحادة من الرجال والنساء. فلم يكن مسموحا لأي مطرب احتراف الغناء الا بعد أداء اختبار فني أمام لجنة فنية يترأسها كبير فناني عصره، وكان يعرف بـ”شيخ الطائفة”. وكان المطرب بعد أدائه لإختبار يؤهل ويمنح حزاماً (شبيه حزام الكارتيه). وكانت الدولة تساند قرار اللجنة بعدم السماح لأي مطرب غير حائز هذا الحزام أن يمارس احترافه. بلاي باكفي زمننا الراهن، زمن الفضائيات، لم تعد المغنية تحتاج صوتاً أو مكبر صوت، طالما أنّ الجسد يغني مرفقاً ببعض الضجيج من هنا وهناك. معظم أهل الفن في هذا الزمن، يعتمدون على نحو قاطع على إمكانات الاستوديوات والجسد و”البلاي بك”، وبعضهم يغني ولا ينقصه غير إبتلاع "المايك”. في الزمن الراهن ايضا، يتمّ الاختبار، ليس على الصوت، بل على الأجساد العابرة للألباب التي، من دون شك، "تطرب” ملايين العيون.باختصار، كان الأديب الانكليزي تشسترسن يقول: «إن انسان القرن العشرين اخترع المايكرفون من دون أن يعرف ماذا يقول فيه».الأرجح أن هذه المقولة تنطبق على معظم الاختراعات التواصلية.
توابل - ثقافات
المايكرفون سرق سلطنة الطرب كان حدثا أليماً في حياة بعض المطربين
06-06-2007