تأليف: فريد هاليداي

الناشر: دار الساقي

Ad

يقدم كتاب «الصراع السياسي في شبه الجزيرة العربية»، للكاتب الإنكليزي فريد هاليداي الصادر عن دار الساقي في طبعته الأولى، تحليلاً لشبه الجزيرة العربية وإيران ضمن السياق العالمي للاستراتيجية الغربية ما بعد الاستعمار والاقتصاد السياسي للنفط ويعتبر أن كتابه الذي نُشر في بريطانيا في العام 1974 تحت عنوان «الجزيرة العربية من دون سلاطين» مكتوب لزمنه وعن زمنه وهو أُعد وكُتب مطلع السبعينات من القرن الماضي ونُشر في بريطانيا عام 1974 وفي الولايات المتحدة الأميركية عام 1975 ونُقل بعد ذلك إلى لغات عدة. كذلك يرى المؤلف أن الكتاب جمع بين التقرير والتحليل التاريخي أو تضمن انطباعات عن تاريخ دول شبه الجزيرة وإيران عن طريق نقاش شمل حركات ثورية وحركات معارضة. يوجز الكتاب زيارتين حدثتا عامي 1970 و1973 إلى منطقة الثوار في ظفار في عمان، الخاضعة آنذاك لسيطرة «الجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي المحتل».

حسب الكاتب، لا يحتاج الحديث عن الإطار العام لتلك الفترة إلا إلى خلاصة مختصرة: على الصعيد العالمي، كان ثمة احتضار نهائي للامبراطوريات الأوروبية وصعود للحركة الثورية في الهند- الصينية وصراع بين روسيا والصين على النفوذ في العالم الثالث. على الصعيد الإقليمي، كان ثمة تعزيز لجبهة حديثة البزوغ مؤيدة للغرب برئاسة السعودية وإيران رافقتها أزمة الحركة القومية العربية عقب نكسة 1967 وصعود الحركات الثورية في فلسطين وفي جنوب الجزيرة العربية، كذلك بدأت الاضطرابات الأحدث في جنوب الجزيرة العربية مع الثورة اليمنية عام 1962 وأفضت إلى نشوء حركة عصابات بين عامي 1963 و1967 وإلى نشوب حرب عصابات في إقليم ظفار عام 1965. يؤكد الكاتب أن كتابه لم يشارك في مقاربة الثورة اليسارية في تلك الحقبة فحسب، بل في نبرتها ولغتها أيضاً وبهذا المعنى يتحول إلى وثيقة تتناول زمانها. أما في ما يخص مجموعة مسائل لا سيما القومية و{التخلف»، آثر الكتاب الابتعاد عن وجهات نظر اليسار السائدة، لكنه مع ذلك توقف على المقاربة الماركسية نهاية الستينات وبداية السبعينات من القرن العشرين وهو عكس جزءاً من التضليل البلاغي لوجهة النظر هذه.

الجزيرة العربية

سعى الكاتب إلى الربط بين المواضيع العالمية والإقليمية وتحليل للجزيرة العربية والخليج الفارسي ومن ثم لشبه الجزيرة العربية وإيران ضمن نطاق عالمي هو نطاق الغرب الإمبريالي والاستراتيجية العسكرية في مرحلة ما بعد الاستعمار من جهة واقتصاد النفط السياسي من جهة ثانية، فلم يحاول تخطي وجهات النظر الأحادية المتعلقة بالسبب الكامن وراء سياسات الدول الفردية آنذاك فحسب والتي عُزيت في الدول العربية المنتجة للنفط إلى أنظمة الأقليات القبلية وإلى الملكية المعسكرة في إيران إنما عمد إلى البحث عن نبذ المجاملات الغرائبية والأسطورية في شأن الشيوخ والصحاري والأماكن المقدسة والجمال، التي اكتنفت طويلا التحليل المرتبط بشبه الجزيرة العربية وساهم التغيير الذي جلبه المردود النفطي في مضاعفتها بطريقته الخاصة. كذلك يعبر عنوان الكتاب عن نيته مناهضة المسار الأسطوري وعن رغبته في الحديث عن المجتمع العربي في سياق الاستثمار والتطور الرأسمالي وفي إطار النخب المحلية الباحثة عن تعزيز مواقعها في السوق العالمية. ففي تلك المجتمعات لم يكن شيخ الجزيرة العربية هو الحاكم وإنما كان سارق موارد النفط.

يتوقف الكاتب عند نقطتي اختلاف بين الكتاب وبين كتابات أخرى في إطار تحليله للبعد العالمي. ركز النقد اللاحق للأسطورة الإمبريالية خلال تحليله «الاستشراق» على الثقافي والرمزي وتوقف عند التشكيك العميق وضمن التحليل الاجتماعي على التحول ما بعد الحداثي والثقافي وتحديداً على فكرة اعتبار هذه المقاربة منطلق نقد الكتابات الامبريالية التي تناولت المنطقة. يعزو هاليداي هذا التقدير إلى أنور عبد المالك ومكسيم رودنسون، إذ لم تكن السوق العالمية تُحلل وفق نظرية التبعية بل كانت تُعد قوة تخلف وإفقار فحسب.

وحدة أشمل

ويشدد هاليداي على أن «الجزيرة العربية من دون سلاطين» أراد تعيين سياسات دول معينة، عربية وفارسية، في إطار وحدة إقليمية أشمل، فكان على الحركات المتطرفة في جنوب الجزيرة العربية مواجهة عداوة الدول الإقليمية المحافظة والمسيطرة، أي السعودية، التي التحقت بها إيران التي تفوقها جزماً نهاية الستينات، في حين عكس بزوغ اليسار المتطرف في شطري اليمن وفي عمان آنذاك مسار نزع الأسطورة عن المجتمع العربي. كذلك يسعى الكتاب إلى تخطي حاجز التجانس الوطني أو الإتني بغية التأمل في نمو الصراعات الاجتماعية والسياسية في هذه الدول وإظهار كيف أن سياسات هذه الدول الداخلية وخصوصاً في جنوب الجزيرة العربية عكست الأثر القادر والمؤجل للقوى التي كونت الشرق الأوسط والعالم الثالث في القرون الماضية.

حركات متطرفة

لم تهدف القصص المفضلة التي تناولت المقاومة والحركات المتطرفة في اليمن وعمان ودول الخليج وإيران إلى الإتيان ببرهان على التضامن فحسب، بل أيضا إلى الدلالة على الدرجة التي بلغها الصراع الاجتماعي كقوة تغيير في تلك الدول.

ويعتبر هاليداي أن ارتقاء طموحات بغداد إلى القيادة الإقليمية ومن ثم محاولتها عام 1990 فرض الوحدة العربية عن طريق الدبابات في الكويت، افضى إلى تبدل خريطة السياسات الاقليمية. نظرت بغداد بارتياب إلى ثورات جنوبي الجزيرة العربية التي غاب عنها العامل المؤيد للبعث العراقي، فسهلت تسويتها مع عمان عام 1975 التي تلاها السلام مع الشاه، خسارة كل العصابات المسلحة، في حين قاد عداؤها لموسكو إلى نزاع مفتوح مع جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين عامي 1978 و1980.

طهران

في غضون ذلك حصلت ثورة 1978-1979 وانبثاق الجمهورية الاسلامية في إيران التي تاق نظامها في بداية السبعينات من القرن الماضي إلى السيطرة الاقليمية نتيجة إثارته أفكار الشوفينية الفارسية، فأحدث نظام «الأخندي» في طهران قطيعة جذرية مع السياسات السابقة في المنطقة.

ويتحدث الكاتب عن عصابات ظفار فيفيد بأنها تمركزت في الجبال ولم تكن حتى عام 1970 تأثرت بالدين الإسلامي واللغة العربية، لكن على الرغم من ذلك حاولت أن تجلب إلى سكان الكهوف أفكاراً تقدمية حديثة لا سيما تلك المرتبطة بالنساء.

يرفض هاليداي مقولة أن أصحاب الملايين «العرب» «يبتزون» الدول المسكينة المستهلكة للنفط ويعتبر الموقف مضللا من نقطتين، أولاً حين يتحدث عن «العرب» و{الشيوخ» يتجاهل حقيقة وجود انقسامات اجتماعية حادة داخل هذه الدول، فهناك شيوخ وملوك في الجزيرة العربية وهناك عمال وبدو وفلاحون أيضاً، وأفادت الطبقات الحاكمة في بلدان الجزيرة العربية إفادة كبيرة من عائدات النفط المذهلة وأصبح حكام هذه الدول أقوى من أي فترة سابقة في تاريخ الجزيرة وأقدر على كبت الجماهير وإجهاض كل معارضة.

يلاحظ هاليداي تشويهاً آخر في الصورة التقليدية للوضع، بينما تتجاهل هذه الصورة الانقسامات الحقيقية داخل المجتمع العربي تبالغ في تصوير الخلافات بين حكام دول النفط والدول الرأسمالية الرئيسة، فالطبقات الحاكمة في الشرق الأوسط مدينة بقوتها الحالية، لدعم الغرب الرأسمالي، وازدادت قوتها اليوم فأصبحت في موقع يمكِّنها من المطالبة بسعر أعلى وبسيطرة أكبر على النفط في بلادها. يعتبر هذا المطلب «ابتزازاً» من حيث أن التجارة الرأسمالية تقوم على الابتزاز، إذ أنها تهدف إلى تسويق المنتجات بأعلى سعر ممكن، فالحكام الأثرياء في الجزيرة وإيران عازمون حتماً على زيادة أرباحهم وليست لديهم أدنى نية في إضعاف الرأسمالية العالمية ككل، وهم منافسون وليسوا أعداء للمصالح المهيمنة حالياً على الولايات المتحدة وأوروبا واليابان والتي تخفي وراء النزاع حول شروط الشركة المصالح المشتركة للفرقاء المعنيين.

اليمن

ويولي الكتاب الحركات الثورية في شمال اليمن وجنوبها وفي عمان اهتماماً خاصاً وهي أكثر أقطار الجزيرة العربية اكتظاظاً بالسكان، لكنها لم تشهد أي استغلال واسع النطاق للنفط. في الأقطار البعيدة عن مراكز النفط تبرز بشدة التناقضات الاجتماعية للمجتمع العربي في الجزيرة العربية، في بعضها اختير بديل للتنمية الرأسمالية وفي البعض الآخر قامت نزاعات مسلحة لا يعرف العالم عنها سوى القليل. في اليمن بدأت الحرب الأهلية وانتهت من دون أن يعلم بها أحد على نطاق واسع، واختفت كلمة «عدن» من المسرح العالمي بعد انسحاب بريطانيا عام 1967 وفرضت رقابة البيت الأبيض الحظر على أنباء الحرب في عمان.

شوفينية

يعتبر المؤلف أن الحروب المستعرة في الجزيرة العربية منذ عام 1962 هي الوجه الخفي لأزمة الطاقة وهذه العلاقة بين الثورة والنفط هي التي تحدد أهمية هذا الكتاب، فالتضامن العالمي يشتمل دائماً على عنصر سياسي وهو مساعدة من يحتاج المساعدة، لكن التضامن العالمي يقوم على أساس المشاركة المادية في المصالح التي توحد الفقراء في مختلف البلدان، كذلك ان لحكام هذه البلدان مصالح مشتركة مستترة خلف تنافسهم في ما بينهم، والتقليد الشوفيني في التحدث عن «العرب» و»عنا» إنما هو طريقة إيديولوجية في خلق انقسام وهمي من أجل انقسام حقيقي والانقسام الحقيقي هو في داخلنا «نحن» وداخل «العرب» بين المتسلطين والفقراء.

أما الموضوع الأخير الذي تناوله الكتاب فارتبط مباشرة بتكوين نظم الدول والطبقات المسيطرة والنخب والمجموعات الاجتماعية المتصلة مباشرة بالنظام الرأسمالي الدولي والتي عززت في الوقت عينه شتى الركائز التي تقوم عليها البنى الداخلية وعلى أفضل ما يكون، بغية الاستيلاء على المداخيل النفطية وتوزيعها بعد ذاك، وقد تطلبت المقاربة الاجتماعية السياسية للدول العربية تحليلاً مماثلاًً.

يؤكد الكاتب أن الكتاب لا يمثل الموقف الرسمي لأي حركة، فليس هناك طرف يوافق على كل الآراء التي وردت فيه، وهو وصف قام به مراقب خارجي لمسيرة ثورية حاول أن ينقلها ويتفهمها.

تذوّق

شهدت الجزيرة العربية تحولاً لافتاً للنظر خلال العقدين الخامس والسادس من هذا القرن. فقد انتقلت الجزيرة من منطقة شديدة التخلف اقتصادياً وذات أهمية ثانوية بالنسبة للرأسمالية العالمية الى مسرح للتنمية المكثفة واكتسبت أهمية استراتيجية قصوى بالنسبة للرأسمالية العالمية. فبينما نمّت الطبقات الحاكمة استقلاليتها الذاتية تحولت الحركة المناوئة للاستعمار في الجزيرة الى حركة وطنية، صعّدت النضال ضد الاستعمار الى مستوى لم تكن تعرفه المنطقة من قبل. وكان حكام الدول المنتجة للنفط، والذين هم في نزاع محدود (تناقض ثانوي) مع الاستعمار بسبب إسرائيل وأرباح النفط، عازمين على احتلال مكانة أكبر لدى الرأسمالية العالمية في الوقت الذي كانت فيه الحركة المناوئة للاستعمار تهدف الى هدم هذا النظام ككل.

تؤكد هذه المجموعة من التغيرات صحة إحدى مقولات التحليل الماركسي للتطور اللامتوازي والمشترك. فالرسمالية توحد العالم في سوق واحد ونظام واحد للسيطرة السياسية، ومع ذلك تبقى أجزاء هذا النظام العالمي متمايزة. وغالباً ما يجري تأكيد الفروقات بين هذه الأجزاء من خلال ضمها في نظام واحد. وهذه اللامساواة تشكل أضعف حلقة في النظام الرأسمالي ككل، وخاصة في الدول المتخلفة، حيث يؤدي تأثير الرأسمالية السلبي الى خلق تناقضات حادة جداً، لأن التطورات التي تتم في قطاعات أخرى لم تكتمل بعد. وكان هذا أساس التحليل اللينيني لإمكانية نجاح الثورة في روسيا المتخلفة، وهو أيضاً أساس أي تحليل آخر لانتشار الثورة الاشتراكية في البلدان المستعمرة الأخرى حيث تم تعطيل التطور الرأسمالي: في الصين وفيتنام ويوغسلافيا وألبانيا وكوبا. ولم يعد أمراً شاذاً ظهور وانتصار أشكال متطورة من النضال السياسي والعقائدي في دول فقيرة ومتخلفة. ولا يكمن السبب في اتباع هذه الدول للخط الثوري الاشتراكي لكونها دولاً متخلفة فقط، وإنما لكونها متخلفة وجزءاً من التطور اللامتوازي للسوق العالمي في آن واحد.