تقول المؤلفة المبدعة: «ما عدت أقدّم اليوم أية أجوبة. بتُّ أكتفي بطرح الأسئلة. لو أصغيت إلى كل ما يُقال عني لقبعت في المنزل وتوقفت عن الرسم وهذا ما لا يمكنني القبول به».

Ad

لا يمانع المسؤولون في حكومة بلدها الأم إن توقفت ساترابي عن العمل. فمنذ فترة ليست ببعيدة أدان وزير الثقافة علانيةً فيلم ساترابي الأول «برسبوليس» الذي يتناول فترة بلوغها النضج ويروي قصة طفولتها في إيران المفعمة حياةً وجمالاً ومرحاً حتى حلول مأساة تبدل نظام الحكم.

نقد ايجابي

بدأ عرض الفيلم في الولايات المتحدة يوم عيد الميلاد وأمطره النقاد مديحاً وسلّطت وسائل الإعلام الأضواء عليه مرحبةً. وفاز «برسيبوليس» بجائزة خاصة من لجنة التحكيم في مهرجان «كان» للأفلام عام 2007. أما فرنسا، حيث تعيش ساترابي، وحيث بدأت مسيرتها المهنية، فأدرجت «برسبوليس» في حفلة توزيع الأوسكار الثمانين المقبلة ليتبارى عن فئة أفضل فيلم باللغة الأجنبية.

لا شك في أنّ كل هذه الخطوات تمهد الطريق أمام ساترابي لتعزيز صورتها كصوتٍ فارسي متمرّد على التقاليد، فقد تصفح الأكاديميون والصحافة ومعجبوها الصغار النسخة المطبوعة من «برسبوليس» للاطلاع على الثقافة الإيرانية.

بيع من الكتاب، الذي صدر في العام 2003 بالإضافة إلى أجزائه الأخرى أكثر من مليون نسخة حول العالم وانهمرت الدعوات على ساترابي لإلقاء المحاضرات من بينها محاضرة في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. وفق بانثيون، الناشر الذي تتعامل معه، تُستخدم هذه الملحمة الشخصية المصوّرة كنصٍ أكاديميّ في أكثر من 200 حرمٍ جامعي، منها الأكاديمية العسكرية الأميركية في وست بوينت.

تعلّق ساترابي على الموضوع قائلة: «إذا فكرت في المسألة، أجد أنها غريبة. مع ذلك، أشعر بفخرٍ كبير، لأنّ طلاب الجامعات هم في مرحلة تتكوّن خلالها آراؤهم وتكون أفكارهم منفتحة أمام الاحتمالات كلّها وباستطاعة شخصٍ ما أن يخبرهم الحقيقة ويساعدهم على التغيير. ولا يكون هذا الامر متوافراً في مراحل لاحقة من العمر».

فيلسوفة نشيطة

تُعد ساترابي فنانة «فيلسوفة» مفعمة بالنشاط، فهي تقاوم البريد الإلكتروني والمواقع الشخصية والإلكترونية على الشبكة وتقول في ذلك: «إذا أمضيت يومي كلّه أمام شاشة الكمبيوتر متى يتسنى لي الوقت لأمرح وأدخن وأنام؟».

إلتقت ساترابي بفنسنت بارونو، شريكها في كتابة الفيلم وإخراجه، في معرضٍ فرنسي للقصص المصورة تحت الأرض. أعجبت ساترابي بأسلوب بارونو الساخر، وعندما حظيت بفرصة إخراج فيلم مقتبس من كتابها، كان قد انتقل إلى عالم الموسيقى، ولكن ذلك لم يحل دون اتصالها به ليتعاونا معاً على انجاح المهمة.

«في غضون ثلاثة أعوام لم نتجادل يوماً» تعلّق بابتسامةٍ هادئة.

أُنتج الفيلم، الذي صُوِّرت معظم مشاهده بالأبيض والأسود والرمادي ، في فرنسا الامر الذي  سهّل على المخرجَين الاستعانة بمهارات الفنانين والتحكّم بفعالية الحركة والأسلوب.

كان هدف ساترابي وصف غنى الحياة الإيرانية بمختلف أطيافها، فنقلت كيفية تفاعلها مع التغييرات التي أصابت نظام بلدها وتفاعلها مع والديها وموقف الناس في طهران وكيف تبدّل هذا الموقف عقب اندلاع حرب مع العراق.

وحرصت ساترابي على الإشارة إلى أنها استخلصت قصةً من حياتها ولم تروِ قصة حياتها. لذلك يبدو التسلسل الزمني للأحداث مختلفاً عن الواقع لأسبابٍ تتعلق بالسرد. كما عمدت إلى تغيير الأسماء والوجوه وبعض الظروف. وتقول موضحة: «المهم في نظري هو التعبير عما يعكسه الواقع. البحث عن الحقيقة أهم بكثير من البحث عن الواقع».

آرت سبيغلمان

كذلك تعتبر ساترابي أن التشابه الواضح بين عملها وعمل آرت سبيغلمان، الذي رفع كتابه «ماوس» طموحات كتّاب الروايات المصورة وتوقعاتهم، أمراً مثيراً للاهتمام. فقد تأثرت كثيراً بروايته عن المحرقة النازية وشجاعته في التكلم عن أحداث واقعية من حياته العائلية كانت من دون شك محرجة ومؤلمة. مثله، رسمت ساترابي الأحداث بأسلوب بسيط، لكنهابوضوحها هذا لم تغفل المآسي والجراح والآلام.

عن سبيغلمان تقول ساترابي: «تحدثت إليه ذات مرة، فدعاني الى عدم الوثوق بأشخاصٍ  يصوّرون أنفسهم بحلةٍ أفضل مما هم عليه في الواقع، أعتقد أنه محق».

انطلاقاً من هذه الفكرة بالذات لا تحاول ساترابي أن تلمع صورتها ولا تعتبر أنّها مثال بارز لصراع المرأة ضد ثقافة يهيمن عليها الرجل. وحول هذه المسألة تقول: «لست من المدافعات عن حقوق المرأة. ما أحاربه هو الغباء. هل من نساءٍ غبيات؟ ما أكثرهن! هل من رجالٍ أغبياء؟ ما أكثرهم أيضاً! أكره الأشخاص الاغبياء في حضارة تبجّل الرجل، لكن لنكن صريحين مَن في هذه الحضارة يعلّم الأولاد تلك القيم؟ الأم. مَن يعلم البنات أنهنّ مختلفات وأقل مرتبةً من الرجل؟ الأم طبعاً».

لا يكتفي الفيلم بإظهار أسرار حياة مرجان وتمردها، في بحثها عن أشرطة لفرقتي الآبا وأيرن المحظورة، بل يكشف كذلك أعمق أفكارها بشأن الخلل المؤسف الذي يظهر في عائلتها فيما يُسجن الأقارب لأسبابٍ سياسية ويفرض النظام المتشدد قيوداً جديدة عكّرت فرح فتاتهم وروحها. لا شك في أن والديها، اللذين ما زالا يقيمان في إيران، استاءا حين رأيا مآسي عائلتهما تُعرض على شاشة التلفاز.

وعن ردة فعل والديها تقول ساترابي: «يتكتم والديّ على هذه المسألة، فهما لا يقصدان الجيران ويخبرانهم بما فعلته ابنتهما. إنّهما خجولان وقليلا الكلام».

تبدو ساترابي في روايتها لما عانته عائلتها من أحداث مفاجئة ومآسٍ وسوء استخدام للسطة مثيرة للاهتمام. حتى في أحاديثها، تجدها تستخدم قصصًا قصيرة عن عائلتها لتعكس حقائق إنسانية على المسرح السياسي. تخبرنا مثلاً قصة عن أحد أقاربها الذي كان يحب ستالين حباً كبيراً تروي عنه قائلة: «ما زلت أذكر أني سألته بعد سقوط جدار برلين: ألم ترَ ما حدث؟ كيف بوسعك أن تحب ستالين بعد الآن؟» فأجابني: «آمنت به طوال حياتي، وأنا اليوم في الثمانين من عمري، إذا أردتني أن أرفض ستالين، كأنك تطلبين مني إعادة النظر في حياتي كلها، وهذا هراء، لا يمكنني تحمّله».

تتوقف لتعلّق بعد برهة: «كان صادقاً على الأقل!».