عام، اثنا عشر شهراً تماماً، على ذاك النهار «التموزي» الملتهب، آن استفاق اللبنانيون على هدير طائرات إسرائيلية «تدك» الأرض قنابل عنقودية، مخلّفة خراباً، دماً، أشلاء وويلات.

عام مرّ كالنسيم. كأنه البارحة أو اليوم. كأننا في تموز من الجديد نحيا مشهدية تموز الحرب والدمار والانتظار والخوف والقلق والموت. عام دارت فيه الأرض دورتها كاملة. بين دورة الجغرافيا وفصول التاريخ ها هو لبنان يسقط من جديد في «أتون» نار تستعر تحت الرماد!

Ad

ماذا في التموز- اللبناني الجديد... في الجنوب اللبناني تحديداً؟ ماذا تغيّر؟ ماذا لم يتغير؟ هل استعادت الأرض الجنوبية سلامها والبلدات فيها حياتها؟ ماذا عن الجسور المتهدّمة؟ ماذا عن الإعمار المنشود؟ عن الندوب النفسية التي وشمت حياة مئات الجنوبيين؟ ماذا عن أصحاب القبعات الزرق القابعين جنب الحدود؟ ماذا عن التوجسات الكثيرة من ألغام وأشواك تزرع مجددا في البلدات الحدودية وتلك الطمأنينة الغائصة في النسيان وفي ثبات عميق؟

في الثاني عشر، ذكرى حرب يوليو، مشينا من عمق بيروت الى أعماق الجنوب وأطرافه بحثا عن آفاق حياة في حدث اختلفت تصنيفاته في الداخل بين «مغامرة كبيرة مدمرة» و«انتصار إلهي عظيم».

لم يعد يشعر «أهل البلد» بالمناسبات. القلق العظيم المتربص بهم من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب جعلهم يعيشون «اللحظة». باتت أي لحظة في حياتهم مشرعة على احتمالات تغلب فيها السوداوية وتندر الأحلام!

تبعد بيروت عاصمة لبنان عن حدوده الجنوبية زهاء مئة وعشرة كيلومترات. مسافة، في المفهوم الجغرافي اللبناني، بعيدة نسبيا عن «ست الدنيا» بيروت. وهي، في المفهوم السياسي، منطقة اختبار دولية. تظل، في المفهوم الأمني، منطقة مفتوحة على احتمالات حرب قد تتجدد.

الأوتوستراد الى الجنوب عاد في تموز الجديد سالكاً. الجسور الثابتة المتهدّمة ما زالت تُعلق. وثمة جسور حديدية موقتة تستمرّ «صلة وصل» العابرين من الجنوب اللبناني وإليه. اللوحات التي تحيي «المقاومة» في ذكرى حرب تموز قليلة نسبيا مقارنة مع تلك التي تُذكر باستمرار: سلاح المقاومة باقٍ باقٍ باقٍ. السلاح زينة الرجال. المقاومة سياج الوطن. لبنان قوي بمقاومته...

إذا كان حسم بعض المسائل لدى البعض ممكنا، فمظاهر «عودة الحياة» تستمر باهتة، معلقة، مرجأة. صور «السيد» (أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله) تتنافس عددا وحجما مع صور «الأستاذ» (رئيس المجلس النيابي وحركة امل نبيه بري). وعبارات كثيرة تُذيل صور شخصيات حزبية وسياسية تثير غالبا الدهشة مثل: من ويلنا من بعدك!

كورنيش صيدا البحري قلّ رواده العرب والخليجيّون. الموج «يفقع» قوياً على الصخور القريبة ورائحة البحر تفوح طيبة. مواطنون يمارسون رياضة المشي على الكورنيش البحري والجرافات تعمل قبالتهم، عليها عبارة تتكرر في تفاصيل المدينة مذيلة صور الشهيد رفيق الحريري: بدنا الحقيقة. الرصيف البحري بُلط بألوان متناغمة: رمادي وزهري وأخضر. مطاعم كثيرة تقدم ثمار البحر على أنواعها: مقلية، مشوية، مسلوقة، في انتظار زبائن تأخروا هذا الصيف.

نغوص أكثر في العمق الجنوبي. الليمون يتدلى بكثرة على طول الطريق إلى صور والشمس غائصة في البحر وحبات الرمال متلألئة تحت وهجها بيضاء، فضية، رائعة. مركبات بيضاء ذهابا وإيابا وأعلام زرقاء مرفرفة في الفضاء. قوات الطوارئ الدولية تجول في مركبات بيضاء، مع مفارقة تُسجل: المركبة الواحدة باتت تضم عنصرا واحدا فحسب. قوات الطوارئ الدولية تتخذ احتياطات جديدة إثر الاعتداء الذي تعرضت له القوات الاسبانية في الجنوب وقضى ضحيته ستة عناصر.

استراحة صور فتحت أبوابها، في أيار الماضي، للصيف والبحر والسياحة «لكن الموسم عاد وتقلص بعد التطورات الجنوبية الأخيرة». شاطئ صور الذي شهد في حزيران الماضي زحمة رواد من عناصر قوات الطوارئ وأسرهم سقط من جديد في الملل!

جيش وأعلام زرق

الجيش اللبناني الذي دخل في آب الماضي، بعد ثلاثين عاما من الغياب، الى بلدات الشريط الجنوبي، يقيم مركزا رئيسيا له قبالة مركز قوات الطوارئ. أما هدير الطائرات النفاثة فيصدح في الأفق الجنوبي. آرمة تحدّ أخرى ركزها حزب الله قبالة الحدود الإسرائيلية عليها رسم الباخرة الاسرائيلية التي قصفها شباب الحزب في المياه الإقليمية اللبنانية، مذيلة بعبارة: and more to come. الأعلام الصفر، أعلام حزب الله، عادت ترفرف من جديد بكثرة على الأعمدة وقوات الطوارئ، التي فاق عديدها بعد حرب تموز ثلاثة عشر ألف عنصر، تنظم دوريات ليل نهار، على طول الحدود. عنصر من غانا، يحمل منظارا وهو يقف على دبابة بيضاء قبالة بوابة طربيخا الحدودية. نلقي عليه التحية فيبادلنا مبتسما قائلاً: الأمور جيدة. الوضع جيد. نأمل ألاّ يحدث أي تطور سلبي.

يخشى الجنوبيون تماماً كما اللبنانيون جميعاً من تطورات سلبية. فالإشاعات كثيرة والتحليلات أكثر. وبالتالي ليس مستغربا أبدا في ذكرى حرب تموز الأولى سماع كلام كثير عن حرب أكبر وأعظم زاحفة بثقلها نحو لبنان، من أقصى شماله الى أقصى الجنوب.

إرادة حياة

بصمات الحرب لا تزال ترخي بآثارها على تفاصيل بلدات جنوبية كثيرة، سعى العدوان الإسرائيلي الى محوها من «بكرة أبيها». في عيتا الشعب حكايات حزينة وقصص موت وإرادة حياة. البلدة في ورشة بناء كبيرة، واليافطة المركزة في وسط الساحة الرئيسية تشير الى مساهمة دولة قطر في عملية البناء. شاب يتحدث عن ثلاث دفعات تمنح الى أصحاب الوحدات السكنية. قيمة كل منحة أربعون ألف دولار: عشرة آلاف دفعة أولى، عشرون ألفا دفعة ثانية، وعشرة آلاف دفعة ثالثة أخيرة.

مريم سرور تجلس في دكانها المتواضع في أعلى بلدة عيتا الشعب مسترسلة في استعادة مشاهد لم تنسها في الذكرى الأولى: صمدنا هنا 17 يوماً ثم هربنا الى صيدا. كان بيننا أكثر من 35 طفلا. وكنا لا نصدق مساء أن النور سيطلع علينا مجددا. الحزب (حزب الله) ساعدنا. يوم انتهت الحرب وزع علينا، على كل بيت، عشرة آلاف دولار نقدا بدل المفروشات التي خسرناها...

ماذا تغير بين تموز أفل وتموز حالي لدى أهالي عيتا الشعب؟ تجيب سرور: «لا شيء. لم يتبدل شيء. ما زلنا «حصرمة» في عين إسرائيل. لن نكل أو نمل حتى نحرر فلسطين». لكن ماذا عن الجيش اللبناني الذي عاد بعد غياب طويل؟ ألم يعد الى عيتا الشعب وغيرها الطمأنينة؟ تجيب: «نخاف على الجيش اللبناني لأن لا سلاح مع عناصره، في حين أن عنصرا واحداً من شباب الحزب «بيخوف» كل اسرائيل!»

يثير كلام بعض الجنوبيين استغراب جنوبيين آخرين لطالما انتظروا «فرحة عودة الجيش اللبناني الى دوره الصحيح». كما يعكس كلام آخر يصدر من جنوبيين، محسوبين على حزب الله بالتحديد، مدى حساسية أصحابه من انتشار أكثر من 13 ألف عنصر من القوات الدولية في جنوب الليطاني. محمد بلاغي من بلدة «الرامة» يراقب نساء وفتيات أسرته وهنّ يشككن التبغ في حبال ويعلّقنه ليجفّ.. يقول «نصر حزب الله أعطانا الراحة والأمان. أما قوات الطوارئ فليست إلا جيش زراعي. إنها لا شيء، في حال أردنا انهاءها ننجح خلال أربع ساعات. قوات الطوارئ الدولية هي موساد إسرائيلي!»

يتوقف محمد عن الكلام المباح فتبدأ النساء في سرد قصة زراعة التبغ وحصاده وتعبئته. تقول إحداهن «نشتغل فيه سنة، 12 شهراً، نزرعه بزرة ونحصده شتلة ونعبئه ونشمسه ويحتاج يباسه الى شهر. موسم هذه السنة سيئ جدا لأن الدنيا لم تمطر في الوقت المناسب، في نيسان».

عام على حرب تموز، لكن التفاصيل الجديدة كافة تُذكر بالحرب وتتنبأ، للأسف، بحرب. الشريط الجنوبي لم يستعد بعد حياته، والناس يستمرون غارقين في التجاذب السياسي حتى الثمالة. بيوت كثيرة، في البلدات المترامية على طول الحدود هجرها أصحابها الى أقطار مختلفة في الكون الفسيح ولم يرجعوا اليها حتى الحين، في «بنت جبيل» التي شهدت أشرس المعارك في حرب تموز شاب يتكئ على مقعد تحت قرص الشمس، واضعا قدما فوق قدم، مستاء من الوضع والبلد والماضي والحاضر خائف على المستقبل. يُعرّف عن نفسه: «ربيع محمد بزي شقيق الشهيد هشام بزي». ما بال ربيع قلق؟ ماذا يتذكر من تموز 2006؟ كيف استشهد شقيقه؟ يجيب: «لم ولن أنسى المآسي والقهر والعدوان العشوائي والجرائم. صلينا كثيرا، في عز الحرب، أن نستشهد. مات شقيقي في الثالث عشر من تموز الماضي شهيدا. كان ابن 27 عاما. كنا مثل التوأم. لم يكن يتركني ولا أتركه. أتاه عرض عمل قبل وفاته بخمسة أيام رفضه متمتما في أذني: أسافر واتركك يا «خيي»؟ رحل وتركني».

جرثومة كبيرة

فصول الحرب مؤلمة. مبانٍ سقطت على رؤوس ناسها. عائلات انقرضت. آباء أو أمهات فقدوا فلذات العمر فلم يعد لبقائهم واستمراريتهم، في المنطق الوجداني، من معنى. ماذا بعد؟ ماذا ينتظرهم بعد؟ ثمة مثل: يتعلم الإنسان من تجاربه. ماذا تعلم بزي من تجربة حرب تموز مثلا؟ يجيب: «طالما اسرائيل هي جارتنا مستحيل أن يهدأ بالنا. الصهاينة جرثومة كبيرة...». ماذا عن وجود الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية على الحدود؟ يجيب ابن «بنت جبيل» كما أجابت ابنة «عيتا الشعب» وابن «الرامة»: قوات اليونيفيل «لا تعني لنا شيئا. ماذا فعلوا لنا في الحرب؟ كانوا يشاهدوننا نستشهد في الشوارع من دون أن يحركوا ساكنا. أما الجيش فنفتخر به ونخاف عليه. ماذا يمكنه أن يفعل في وجه اسرائيل؟ هل سيتمكن من مواجهة الصهاينة؟».

ثمة جنوبيون يؤمنون بقدرات الجيش اللبناني الذي ينجز، منذ أكثر من شهرين، حكايات بطولة في نهر البارد، ولا يطمئنون إلا الى «الحزب». في المقابل، في المناطق السنية والمسيحية تحديداً يبرز رأي آخر: «صلينا وصمنا لنرى الجيش بيننا. سنحميه في صدورنا. ولا نريد سلاحا إلا سلاح الجيش اللبناني».

بلدة «بنت جبيل» كما «عيتا الشعب»، تستمران في تموز الجديد، في مشروع البناء. يافطة باسقة رفعت عند مدخلها: «بدأ زمن الانتصارات وولى زمن الانهزامات». مجسّمات كثيرة لمدافع كانت في زمن مضى فاعلة، تعمل، تقصف، تضرب، تُزين مستديرات البلدة، جاعلة الحرب راسخة أبداً في الأذهان.

رجل معمّر، في المقلب الأخير من العمر، (أمين زريق)، يجلس جنب آرمة: «بنت جبيل تشكر الشيخ حمد بن خليفة آل الثاني أمير دولة قطر الذي يعيد بناء البلدة». ما باله؟ لماذا يجلس تحت قرص الشمس؟ يجيب: «فقدت منزلي في تموز الفائت، نزل على الأرض ومنذ أربعة أشهر جرفوه. كلما أسأل عن تعويض يجيبونني: قليل من الصبر وطول البال. يطالبوننا بالصبر ونحن نرى البلدة أطرافاً والقلب مدمراً. كيف نصبر وقلوبنا مفطورة على العمر وجناه؟».

عودة الحياة الى البلدات الجنوبية المتهدّمة تأخر ومجلس الجنوب يقدّر حجم الأضرار على الشكل الآتي: 8632 منزلاً متهدما كلياً في 285 قرية، تقدر قيمة تعويضاتها بـ 895 ملياراً و616 مليونا ليرة، هذا من دون احتساب القرى التي تبنت دولة قطر إعادة إعمارها: بنت جبيل وعيتا الشعب والخيام وعيناتا وتصل كلفة إعادة الاعمار فيها الى زهاء 400 مليار ليرة لبنانية.

الكويت تساهم

دولة الكويت قدمت هي أيضا منحة قيمتها 300 مليون دولار لتنفيذ أعمال البنى التحتية في قرى متهدمة بالكامل، وإعادة بناء نحو 850 منزلا في بلدات سجد وعين عرب ورشاف ويارين ومروحين والزلوطية وأم التوت ووادي الخنسا وحانين. مواطن يتمشى في ساحة حانين روى معاناة تموز الآفل وحلم تموز الحالي: «عانينا الأمرين. ذرفنا الدموع. بكينا دماً وشاهدنا ما يعجز اللسان عن وصفه. كانت أياما سوداء، حالكة، مظلمة. أياما «تنذكر وما تنعاد». في اختصار، بين حانين، البلدة اللبنانية، والكويت ثمة لحمة، توأمة، يتحدث عنها كل من في حانين...

يوليو 2006- يوليو 2007. إنها الذكرى السنوية الأولى على حرب ضروس محت معالم ودمرت أحلاماً. والخلاف، بعدها، مستمر على تحديد معالم المرحلة الجديدة... متى؟ الجنوب، كما لبنان، في مرحلة الاستحقاقات الكبرى، التي يتجاذبها الأبعد من الحدود والأعمق من الذكرى وأكبر من البلد!

الناقورة بوابة الشريط الجنوبي. خلفها، قبل سبعة أعوام، كان الاحتلال الاسرائيلي نافذا. حاجز للجيش اللبناني، اللواء الثاني عشر، قبل الناقورة بقليل. يسأل عناصره عن الهويات: ممنوع دخول الأجانب الى المنطقة المحررة من دون تصريح عسكري. ندخل. الطريق «مقلوبة»، محفرة، مبعثرة وتحويلات السير تكاد لا تنتهي. قافلة من مركبات قوات الطوارئ الدولية تعبر مسرعة، ورجل معمّر يعلق يافطة جديدة: أفواجك أيها الإمام موسى الصدر صنعت هذا النصر. اليافطات تُعلق «على شرف حرب تموز» وعبارات النصر تتكرر « we are victorious «. لوحة بالانكليزية رفعها «حزب الله»، «نكاية بالإسرائيليين»، قبالة شاطئ الناقورة، على كتف ثكنة الكتيبة 61 للجيش اللبناني. البحر يبدو مثل المرآة. شاطئ الناقورة نظيف جدا جدا. لا مجارير تصب فيه ولا مباني مشيدة حوله.

على تخوم هذا الشاطئ يقع المركز الرئيسي لقوات الطوارئ. قبالته ثمة مجموعة محال «تسترزق» من عناصر القوات المتعددة الجنسيات المنتشرة في الأرجاء. فرنسيون، ماليزيون، أتراك، إسبان، ايطاليون، فنلنديون... انتشار عاد يميز صيف الجنوب الجديد. محل يبيع أدوات صيد، يعرض في واجهته أزياء عسكرية وبنادق، يجذب عناصر قوات اليونيفيل الايطاليين. الايطاليون فائقو التهذيب حتى وهم يعتذرون عن الكلام: عذراً تعليمات قيادتنا صارمة: لا كلام ولا صور. «no photos» تعليمات صارمة من قيادات كل جنسيات الطوارئ، «الوضع في الجنوب يستمر خطيرا والحذر واجب».

التذكارات التي يحملها عناصر «القبعات الزرق» معهم مختلفة والبطاقات التي ترمز الى آثار بعلبك وصور وجعيتا وجبيل ونيحا وبيت الدين... أكثرها طلباً. رسوم لأمين عام حزب الله، وأكواب عليها عبارة: «حزب الله هم الغالبون» وقبعات عليها عبارة: «المقاومة سياج الوطن» معروضة أيضا للبيع في محال التذكارات. الأتراك، في صفوف قوات الطوارئ، يتبضعون عادة من صور. «عددنا 272 جنديّاً و24 مدنياً وننزل مرتين في الشهر الى صور» يقول أحدهم.