«أقف أمام الخيارات الموضوعة أمامي وأنا حائر لا أعرف ماذا أختار. أنظر إلى هذا وأتأمل في ذاك. يسألني أصدقائي أحياناً إن كنت أودّ تناول العشاء في مطعم أو أفضّل حضور فيلم في إحد دور السينما. لكنني أتجنب الجواب وأترك لهم الخيار لأنني لا أعرف ماذا أريد».
يقول معظمنا: «إذا أرغمت على الاختيار أشعر أنني أتعذب وبأن عقلي منقسم تتجاذبه اختيارات مختلفة. أحب الحياة وأرغب في اكتشاف كل ما يدور حولي. وهذا ما يجعلني لا أعرف ماذا أختار. مثلاً، قررت الصيف الفائت الانضمام إلى نادٍ رياضي. ولأنني لم أقّرر ماذا اختار من أنواع الرياضة تسجّلت في أربعة نوادٍ مختلفة. والنتيجة؟ لم أذهب إلى أيٍّ منها لأنني لم أستطع الاختيار بينها».تأنٍّ وعشوائيةبهذه الكلمات البسيطة والمختصرة يعبّر الكثيرون عن مشاكلهم الكثيرة في الحياة: التردد في اتخاذ القرارات. نُضطر يوميّاً إلى اتخاذ مئات القرارات، بعضها ندرسه ونتأمل فيه بتأنٍ وبعضها الآخر يأتي عفويّاً وعشوائيّاً من دون أي تفكير مسبق. طبعاً، التمهّل والتروي أمران طبيعيان حين نقف أمام قرار مصيري في الحياة. لكنّ البعض يتردد حتى في أبسط القرارات: « ماذا نشرب؟ القهوة أم الشاي؟ ماذا نتناول؟ الجبن أم الكعك؟» وتمتد هذه الحالة لتطال كل القرارت. تذكر إحدى السيدات: «أعاني مشكلة التردّد الدائم، مما حوّل حياتي إلى جحيم. لا يقتصر ترددي على المسائل اليومية كالثوب الذي سأرتديه أو الطعام الذي سأتناوله، بل يتعداه إلى القرارات المهمة. ومع أنني أمضي وقتاً طويلاً وأنا أزن السلبيات والإيجابيات، لا أتوصل في النهاية إلى أي قرار». ولكن ما سبب هذه الحالة؟يوضح علم النفس سبب هذه الحالة بالعجز عن اتخاذ القرارات بسبب الخوف من الالتزام. فالتردد يعني رفض الخيارات الأخرى والالتزام بخيار واحد. والأشخاص الذين يعجزون عن اتخاذ القرارت يعجزون هذا الواقع. يُفضلون العيش في الخيال عوض اتخاذ خطوات ضرورية وحاسمة، أي اتخاذ القرار. كما أنه غالباً ما يعيش المرء الذي يعجز عن اتخاذ القرار معضلة، لأن القرار في نظره يعني التخلي عن أحد الخيارَين. يعاني هذا الشخص صراعاً داخليّاً تتجاذبه فيه الخيارات المختلفة التي يعتبرها كلها من بالأهمية ذاتها. ويعتبر بعض الأطباء التردد نوعاً من الدفاع عن النفس. المتردّدون بحسب الأطباء يخافون من مواجهة الواقع، إذ تنقصهم الثقة بالنفس». فضلاً عن ذلك، يعتبر بعض الأطباء النفسيين أن لهذه الحالة علاقة بالتربية المنزلية الصارمة التي لا تعطي الولد حق الاختيار وتسلبه إرادته. فالإنسان منذ صغره يتدرّب تدريجياً على اختيار ما ينفعه وما يريده. وقد تنتقل حالة التردد هذه إلى الأولاد، من آبائهم، فيخال الأولاد في البداية أن التردد هو أمر حسن. كما يمكن أن تظهر حالة التردد عند الأشخاص الأذكياء الذين يميلون إلى الكمال. فهم لا يقتنعون بالاختيار بسهولة بل يطمحون إلى أن تكون أعمالهم دوماً صحيحة وكاملة. وكلما اختاروا أمراً ترددوا فيه بحثاً عن الأفضل. وأحياناً ينتج التردد عن ضعف في الأعصاب بحيث لا تستقر على حال، وهذه حالة تشبه الوسواس، فكلما اختار الفرد أمراً شك فيه وقلق بشأنه وتردد.بين خيارينتكثر الاقتراحات لحل مشكلة التردد. يقترح بعض أطباء النفس وضع حجر فوق آخر كلما نجح الشخص المتردد في اتخاذ قرار، والخروج للاحتفال مع الأصدقاء عندما تصل الحجارة إلى عدد معيّن. وينصح البعض بكتابة الخيارات على قطعة من الورق، ثم وضعها في وعاء وسحب ورقة ورق واحدة. إلا أنّه يبقى على المرء أن يقوم هو بكل الجهد. وتبدأ الخطوة الأولى عندما يعي أنه يعاني هذه المشكلة. فالبعض يمضي حياته كلها من دون أن يدرك أن به خطباً ما. لذلك، إن كان صديقك يعاني هذه المشكلة، فلا تتردد في إخباره بذلك.يرتبط العجز عن اتخاذ القرارات بالخوف من الالتزام. قد لا يكون لهذا التردد عواقب تُذكر في المسائل اليومية، لكنّ عواقبه تصبح وخيمة عند اتخاذ قرارات مصيرية. مَن يتردد في اتخاذ القرارات يكون عادةً شخصاً متشائماً، يترك الحياة تقرّر له مصيره. غالباً ما يؤدي بهم ذلك إلى نهايات مأسوّية. هذا الشخص لا يعي مدى خطورة الحالة التي يعانيها إلا بعد أن يمر بتجارب مريرة تظهر له حقيقة تردده. فضلاً عن ذلك يبقى أسير تردده فتفوته الكثير من الفرص في الحياة. حينئذٍ يندم على إضاعتها من يده. المترددون هم أشخاص سلبيون يتركون الحياة تقررّ لهم مصيرهم. لحل هذه المشكلة، يقترح الأطباء النفسيون العودة إلى أصلها. فهم يعتبرون أن وراء كل خيار نقوم به مجموعة من القيم التي نستند إليها. وعندما نتردد بين خيارين يكون وراء كلّ منهما مجموعة مختلفة من القيم. فإذا حاولنا التوحيد بين هذه القيم نتحرر من الضغط النفسي أو من المعضلة التي تتجاذبنا، ما يتيح لنا اتخاذ القرار بسهولة أكبر.
توابل - علاقات
ماذا نشرب؟ القهوة أم الشاي؟... ماذا نأكل؟ الكعك أم الجبن؟ أسرى الاختيار يعانون... ويندمون
24-07-2007