يسع المرء ملاحظة ان كلام الأغاني في العالم العربي انعكاس للواقع الاجتماعي وربما السياسي. لكل مرحلة كلماتها وفنانوها وشعراؤها وطبالوها. إزاء ذلك لا يجب الحكم على زمن الفضائيات بأنه «يثمر» ما يسمى «الكلمات الرديئة» او «الطقطوقة»، فللموضوع تداعياته ومساره الطويل وحكايته المعبرة سواء في العصر الذهبي او في «الزمن الرث»، فمحمد القصبجي (الأصيل) مثلاً جارى في زمانه تياراً سادت فيه «الأغاني الشديدة الإسفاف والركاكة» التي كانت تتغنى بها «العوالم» وكانت تدر عليه المال الكثير ولحّن من كلمات محمد يونس القاضي وغناء «سلطانة الطرب» منيرة المهدية أغاني «ركيكة» منها «بعد العشا يحلى الهزار... انس اللي فات وتعال بات ليلة التلات» و «الله زمان يا دلعي ما شفنا ليلة زي دي»، و«سلفني بوسة من خدك». ليس علينا ان نهاجم هذه الكلمات لمجرد انها مباشرة وتحمل ايحاءات، بل يجب التأمل في خلفياتها.

Ad

من اسباب انتشار هذا اللون الغنائي شركات الاسطوانات التي ارادت في أغانيها مساعدة المستعمرين في إلهاء الناس عن مشاكلهم وعن التفكير في أحوال البلد كما تزعم الكاتبة رتيبة الحفني. فقد تفوقت الطقطوقة على ألوان الغناء الأخرى بعاميتها وسهولة ادائها. وكان لظهور الفونوغراف أثر كبير في انتشارها إذ ان الأسطوانات تتطلب الاغاني الخفيفة التي لا تزيد على خمس دقائق. أيضاً لا ينبغي إضغاء لغة الاتهام على الأغاني مهما كانت كلماتها وايحاءتها، فالقضية تبدأ في طريقة تقديمها وليس في كلماتها، فمنصور الرحباني كتب أغنية لكارول سماحة تقول كلماتها «تعا نحب بعضنا بس هالليلة وما تسألني شو اسمي/ ولا اسألك شو اسمك/ هي ليلة بتمر/ ليلة سعادة». كيف يصنف النقاد هذه الأغنية؟ هل هي ركيكة أم تحمل معاني جمالية؟

قيس وليلى

اسئلة كثيرة تطرح عن واقع كلمات الاغاني في العالم العربي؟ هل يمكننا فصل ظاهرة احمد عدوية عن الزمن الذي راجت فيه؟ أليست أغاني مغني الميكروباص شعبان عبد الرحيم مستمدة من الواقع المصري (الميكروباص) في التسعينات من القرن الماضي؟ وكذا كلمات أم كلثوم وتعاليها على ارتباط بالزمن الناصري وحلم القومية العربية؟ واذا اخذنا أغاني الحب العربي (نموذجاً) فهي تعبر عن الواقع برمته، تشبه قصص حبهم، خاصة قيس وليلى التي تحدث الكثير من الكتاب والباحثين عن وهمها واختراعها من الرواة، وهي وان كانت حقيقية تغلب عليها مخاطبة الحبيب الغائب والغريب واللاموجود واللامحسوس. الأرجح ان أغاني الحب العربية لا تنفصل عن قصة قيس وليلى وجميل بثينة، والحب الذي خُلّد وبقي في الثقافة والغناء العربيين هو ذاك الذي تكون نهاياته تعيسة وحزينة ومأسوية وفاشلة ومرتبطة بالحب العذري. هذا «الحب» ألهم خيال بعض الأدباء والشعراء والمغنين والمغنيات العرب. انه شعور دائم بالفقدان واللوعة والوحشة والخيانة، ينشد اقطابه طريق العلاقة بين اثنين اكثر من العلاقة نفسها. يمجدون العذاب اكثر من السعادة والنار أكثر من السلام والموت اكثر من الحياة. لنتأمل أغاني ام كلثوم التي ارتبطت بأوقات الليل والسهر، تناجي الحبيب الغائب ابداً، الهلامي في كل الاحوال. سماع أغانيها يشبه في وجه من وجوهه سماع خطب «القادة الحالمين»، مع فرق انها صاحبة صوت يصعب وجود مثيلٍ له. تنشد أم كلثوم الحبيب الغائب، على عكس المغنية العالمية بيلي هوليداي التي تقول في أغانيها انها كانت تعمل في ملهى وتريد «صداقة» ثلاثة رجال في آن. يعبر الغناء الكلثومي عن واقع الحب العربي القائم على التخيلات، بينما تتجاوز أغاني هوليداي كل التعقيدات. تعلن بصريح العبارة ما في داخلها وما تطمح اليه وما كانته من قبل.

أم كلثوم «رائدة» اغاني الحب والمحبين في العالم العربي. ربما تكون أقل من عرف الحب. هي «صوت الحب» وليست من عاش الحب، او هي صوت البحث عن الحب لا الحب الفعلي، تقابل بين تفاني الحبيب المشخص في الأغنية والغناء ونكران الشريك الغائب. هكذا الحب الكلثومي اقرب الى المناخ الديني. انه التجويد الروحي لا الديني. وفي الضفة الآخرى كان هناك التجويد الثوري عند الشيخ امام، التجويد المتقشف القائم على النقد والسخرية والصعلكة لكن في المضمر يلتقي «الحب الكلثومي» مع «الحلم الثوري» العربي في الفقدان واللوعة والوحشة.

الحلم الفيروزي

يبدو ان فيروز كانت الأكثر تنوعا في اختيار اغانيها، وأشعار الرحابنة الاكثر تعبيرية بين الأغاني العربية، فإن كانت «حُلمية» لكنها تنحو إلى أن تكون واقعية قليلاً، وتصبح محض واقعية مع أغاني نجلها زياد. لعقود بقيت فيروز تغني الحب الحلمي لا الواقعي، تنشدنا بزخم رومانسي، ولكن مع تجربة زياد صرنا أمام تجربة اخرى تنتمي الى الواقع أكثر من الحلم تعبر عن الحب المديني لا الريفي، او هي قناع من أقنعة «الفكرة اللبنانية» القائمة على الثقافة والثنائيات بين كونية الثقافة والعبارة وروحية الضيعة والجبل. ففي الزمن البعيد غنت فيروز «دقيت طلّ الورد ع الشباك» و»يا ريت انت وانا بالبيت»، لكننا نسمعها تقول في اغنية «لا والله»: «كيف طل الورد بشباكي مع انو ما دقيت» و«بس كل واحد ببيت». كانت أغاني الحب الأولى عند فيروز تعبيرية، وهي مع زياد واقعية تقول للحبيب» بتمرق علي تمرق ما بتمرق ما بتمرق مش فارقة معاي». للحب الفيروزي اشكال اخرى، نجد فيه ملامح بنت الضيعة التي تحلم وتتجول في البساتين او تقف على السطوح او عند رأس النبع او تحت الحور العتيق. تعيش فيروز عزلة الملكات والقديسات.

يبقى الغالب في الأغنية العربية صيحة العذاب الدائمة، صيحة لا تنتهي. نسمع اغاني فريد الاطرش الغرامية التي تضج بالوحشة وافلامه التي كثيراً ما تنتهي نهاية سلبية. او اغاني عبد الحليم السقيم يناجي الحبيبة بصيغة المذكر وهذا من علامات الثقافة العربية. ذات مرة غنى حبيبته بصيغة المؤنث فقال لها: «لا تكذبي اني رايتكما معا». كانت في مناداته تهمة بالخيانة. رغم ذلك كان قناع التمرد بالنسبة إلى المراهقين العرب. قلب معايير الأغنية العربية جعلها اكثر حراكاً وحماسة ورقصاً واكثر من القبلات في افلامه. تمرد عبد الحليم وكان يغني «نار يا حبيبي نار حبك نار» ما دفع احد رسامي الكاريكاتور إلى رسم الحبيب مشتعلا والاطفائية تسارع في اخماد ناره. وعلى هامش النار الغنائية رفع «القوميون العرب» ذات يوم شعاراً أكثر سخونة: «وحدة تحرر ثار دم حديدنا»، الامر الذي جعل احد القادة اللبنانيين يقول لهم «شو هي شاورما». وتطور الشعار القومي بعد 1967 فأصبح «ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة». هذا الشعار رفعته مصر الناصرية في أعقاب هزيمة يونيو (حزيران) المنكرة التي ترتب عليها احتلال إسرائيل لكل فلسطين وفوقها احتلال سيناء بأكملها وهضبة الجولان السورية.

النار

النار لا تزال حاضرة ودائمة في أغاني الاجيال الجديدة من المغنين العرب من أغنية «النار النار» الى «ناري نارين» و«قلبي قاعد على نار» و«جرب نار الغيرة» و«لا تلعب بالنار تحرق صبيعك» و«ناري ناري، ناري من جمالو»، «عل الجمر بمشي حفا»، «ولعت كثير، خلصت الكبريتة». وقبل الجميع كانت ام كلثوم تجود بصوت عال «نار دخان رماد». أغانٍ كثيرة تحتاج الى افواج الاطفائية.

انا هيفا

الصدمة العربية الجديدة كانت مع هيفا وهبي. القضية ليس في كلمات أغانيها بل في هيفا نفسها. طالما وصف جمالها بالخارق فمهما تكن الكلمات لا يكون النظر إلاّ الى جمالها. لا احد ينسى إن غنت من كلمات الياس الرحباني، وما ينبغي التنبه اليه في أغاني «مغنيات الجسد» هو صعود موجة الـ«أنا» في كلمات الأغاني، على عكس موجة الـ «هو» في الأغاني العربية التقليدية الكلثومية والحليمية. باتت كل مغنية جسدية تؤدي كلمات لاسمها كأن في ذلك تحدياً للآخرين او كأنها تقول «انا وبس». هيفا تغني «انا هيفا انا، من غيري أنا»، وترقص تحت المطر. نشاهدها في اعلان المشروبات الغازية مع لاعب كرة القدم الفرنسي تييري هنري تقول: «انا هيييفا»، فيقول المواطن العادي «انا عطشان». وفي اغنية اخرى تقول «بدي عيش» (الرحبانية)، كأنها تصرخ في وجه من يراقبها. تقول انها تريد حريتها. دانا (حلبي) تغني «انا دانا انا دندن»، تتابع «بص عليّ تأكل ملبن». تابعت دانا مشوار الأنا المتورمة. تقول في اغنيتها الجديدة «مين دا اللي ما يعرف دودو»، بالطبع الجميع يعرفها. المغنية السورية ميسا التي تريد ان تكون مثل تلميذات المدارس فتغني وتتابع «انا ميسو». دومينيك بعدما كانت تؤدي «فرفورة انا» وقد غطست في بحيرة جبلية بثياب البحر تقول في أغنيتها الجديدة «ايوه دا انا». ولا ننسى نانا (اسمها الحقيقي نجوى قعقع) التي تغني: «كلن بدن نانا والنانا حيرانة». عدا عن فجور الأنا هناك فجور الكلمة الواحدة مثل اغاني «العب»، «بص»، «هس»، «واوا» ....

الحزن العربي

ازداد وقع أغنية النحيب مع هاني شاكر الذي اسرف في ذرف الدموع اكثر مما تذرفه الأم الثكلى. انه مطرب «العيطة» ( بالمعنى المصري). لا ينبع حزنه الغرامي من ذاته، حزنه أشبه بتمزيق الاحشاء، لكنه مع ذلك بقي مغني الرومانسية للمراهقين والمراهقات. غناؤه ايضا صنف من اصناف اللوعة والفقدان، يصرخ «سبتيني ليه». يستنبط المستمع من أغانيه أن «الحبيبة» غائبة دائما وخائنة ابداً او أن العلاقات الغرامية في فشل حتمي. في الضفة الأخرى يغني كاظم الساهر حزنه من ذاته وقلبه وجيناته. أهم ما يعرف عنه انه رغم الرفاهية المحيطة به، لم يفارقه الحزن، لكنه حزن مشحون بالرومانسية بالنسبة إلى النساء، وقد علل ذلك بأنه نشأ على سماع المواويل والموشحات والمقامات وغيرها مما يحمل الشجن، فوفّر له مخزوناً كبيراً ونوعاً من «الأسى» الذي انعكس على اعماله. حتى عندما قرر ان ينحو باتجاه الفرح وجد نفسه وقد مضى نحو مناطق من الحزن الشفيف من دون ان يدري.

حزن الساهر قريب إلى الحزن «العبد حليمي» (نسبة الى عبد الحليم حافظ) لأن الموسيقى العراقية تمنح الأولوية للكلمات. وعليه فإن الطابع الأساسي للموسيقى العراقية هو الطابع الغنائي. ما فعله كاظم انه أعطى الموسيقى حيّزاً زاوج فيه بين النغم العراقي الأصيل والإيقاع العصري السريع، ومنح الكلمة مكانةً من طريق غنائه كلمات الشاعر نزار قباني. ثمة مغنون كثر نسمع صوتهم اكثر من سماع كلمات اغانيهم. انه الاحساس الذي نحتاج إليه في لحظات الوحشة.