نميل أحياناً من حيث لا ندري أو ندرك إلى مقارنة أنفسنا بالأشخاص الذين يحيطون بنا وغالباً ما يسود عدم الرضى علاقاتنا بأنفسنا أو بالعالم. نرغب في نيل السعادة المزعومة التي ينعم بها الآخرون.
لأن الكمال أمر مستحيل يجدر بنا إسقاط القناعات ومواجهة مظاهر شخصيتنا والأوجه المتعددة للآخرين فينا فيكون ذلك بمثابة المدخل الأساسي لتحسين علاقاتنا بهم.يميل الإنسان بطبعه إلى البحث عن السعادة التي يصبو إليها لدى الآخرين. يقول محلّلو علم النفس ان عدم الرضى يلوّن بالمرارة علاقتنا بالآخرين ويحجب عن أنظارنا الخصائص التي نتمتع بها.أقنعة كثيرةلفرط ما يمنح الإنسان نفسه صورة لا تعكس الحقيقة ينتهي بوضع قناع يريحه ويختار الملابس التي تضفي عليه الجاذبية والسحر بدلاً من أن تؤمن له السعادة. هذا القناع، بلا زيادة أو نقصان، بمثابة استراتيجية حقيقية تتحكم بالخيارات التي يقوم بها تتعلّق بالمظهر والسلوك والصورة. نرغب في صيانة راحتنا والتأثير ايجاباً في حكم الآخرين علينا، مستفيدين من التأثيرات ومستغلين بعض الأنماط الخيالية للنجاح الاجتماعي وللكمال. يرافق وضع هذا القناع الشعور بالقلق والاستياء. حتى لو استطاع إغواء الآخرين أو تمكّن من خداعهم سيولّد الحرمان لدى هذا الفرد الذي يرتدي لباس الحرية ويفرض عليه قيوداً ينوء تحت ثقلها ويلقي حول عنقه طوقاً حديدياً ينتهي بسجن شخصيته الحقيقية. بالتالي تصبح علاقاتنا بالآخرين مغلوطة إذ نحاول التصرّف من خلال هذا القناع بحيث لا تتطابق الصورة التي نظهر بها أمام الآخرين وترضي كبرياءنا مع طبيعتنا الداخلية. لا نتقبّل أن يفوتنا أمر ما فنرسم ابتسامة على وجوهنا أياً تكن الظروف التي نواجهها. كما نوحي للآخرين بأننا نقيم علاقات حب وصداقة مختلفة عن تلك التي نعيشها في الحقيقة.لتسقط الأقنعةغالباً ما يتحدث محلّلو علم النفس عن الحاجة التي تدفعنا إلى الإختباء وراء القناع. إنه السؤال العميق المتعلق بالوجود والهوية: من أنا؟ إنها الإشكالية المؤلمة المتعلقة بالنفي والإبعاد. يظن الولد انه يستبعد إن لم يلتزم بالقواعد التي يفرضها أهله عليه أو تلك التي يفرضها المحيط . انعدام التناغم الأساسي هذا يجعل الولد ليّن العريكة ومطيعاً. يفضل أن نضطلع بدور تقبله المجموعة بدلاً من الموت جوعاً أو الأسوأ من الخجل. غالباً ما نكون مشتتين بين ما ندركه –الإحساس والشعور- وبين المظهر الذي نعتقد ان من المفضل أن نظهر به أمام الناس بحسب المحيط الذي ننتمي إليه. تتسع الهوة منذ الصغر بين الأحاسيس وبين الحاجة إلى كسب محبة الآخرين فتنشأ النزاعات الداخلية التي يصعب تجاوزها ويشعر الشخص المعني أنه في حاجة إلى وضع قناع. غالباً ما يعكس رفضاً في قبول مشاعره خوفاً من ألا تكون متطابقة والمشاعر السائدة أو على المستوى المطلوب. يمكن أن تتغير طبيعة الإنسان تماماً جرّاء هذا القناع فيصبح عاجزاً عن معرفة نفسه ويشعر بالضياع ما يعيق رغبته في التمتع بالحرية ويفقد هويته الحقيقية ولا يستطيع أن يتبرأ من مسؤوليته في حال الضعف أو الخطأ وإلقاء مسؤولية المشاكل التي يواجهها على الآخرين. رغم ذلك لا يخطو المرء خطوات إلى الأمام على درب الإنسانية إلا حين ينظر إلى نفسه بالعين المجردة . لا كمال لأحد لكن يتميز الإنسان بجرأته على نزع القناع الذي يضعه ليرى نفسه على حقيقتها. حين يصبح أكثر صدقاً وأكثر ابتكاراً وأكثر إنسانية وتصبح الحياة مثيرة للاهتمام. تحقيقاً لهذا الغرض ينبغي أيضاً إهمال الادعاءات والأحكام المسبقة وتقبل بذكاء الحدود والعيوب. غير أن هذه المهمة ليست بالسهلة.إنتزاع الآخر من الداخلفي الواقع تشكّل هذه العيوب جزءاً لا يتجزأ من صورة هذا الغير المطبوعة في داخلنا وهو الجزء القاتم الذي تتجاهله الشخصية القائمة في داخلنا. بغية إظهارها واسترجاع عزة النفس يجب أن نكتشف الصفات التي تميزنا عن سائر الناس وتجعلنا مختلفين. يرى محلّلو علم النفس في هذا المجال وجوب أن ننظر إلى أنفسنا بعين مجرّدة من دون كذب أو محاولة تحسين الواقع. يجب احترام ذاتنا وتقبّل أنفسنا كما نحن بنقاط ضعفنا وقوتنا ما يدل على أن عزة نفسنا قوية. إن فهمنا، مثلاً، أساس نوبات غضبنا أو حزننا أو خوفنا ونجحنا في مقاومة بعضها سنصبح أكثر انفتاحاً وقرباً من الآخرين وإن استطعنا تلطيف انفعالاتنا نستطيع إحراز التقدم وبالتالي نتسلح بواقعية أكبر في علاقته بالآخرين. من يزن مواطن القوة والضعف لديه ويتقبلها بحكمة وتواضع يجد نفسه في موقع مثالي للعيش وسط الآخرين. يصبح لدى هذا الشخص القدرة على التفاوض بحذر وتيقظ لدى الضرورة ويبدي استعداداً لتبديل وجهة نظره لو اقتنع بأنه على خطأ كما يجيد الانسحاب حين يكون وجوده غير مجد والاستفادة من الوضع حين يكون في موقع قوة. لا نزعة نرجسية عبثية لدى المرء إن وجه لنفسه التساؤلات حول صورته لكنها خطوة يجب ان تساعده على معرفة نفسه على نحو أفضل ما يسمح له بتحسين إدارة علاقاته بالآخرين في إطار تكوين علاقات أسلم وأصح. لكن ما من معجزة تستطيع إحداث هذه الثورة الداخلية التي تسمح لشخصيتنا الحقيقية بالظهور. يتمتع أي إنسان بالحرية التامة لسلوك الطريق التي تناسبه تحقيقاً لتلك الغاية. لا يمكن سلوك إلا الدرب التي يشعر فيها المرء بأنه أكثر قدرة على البحث عن ذاته الحقيقية. يمكن أن ننصح في هذا المجال بممارسة نشاط منتظم جسدي أو معنوي إذ يسمح بالتعرف إلى الأشخاص الآخرين وإلى أنفسنا أيضاً. في هذه الحال يكون التبدل جذرياً لدى الشخص المعني فيظهر كما هو ويصبح أكثر قدرة على مواجهة الانتقادات والأوضاع الحرجة. يتسلح بالطاقة الضرورية للابتكار ويولد من جديد. حتى لو منحه ذلك شعوراً بالفرح لن تغيب الصعوبات تماما»، إنما يسمح تقبل الذات أيضاً بالتصدي لها بهدوء أكبر وخفة أكيدة.يجب إذاً في نهاية المطاف أن يسلك الإنسان هذه الدرب لتصبح حياته شبيهة به تماما». رأي علم النفسيقول محلّلون في علم النفس إن أيّ شخص منا يملك جانباً لا يدركه لكنه يتناسب وشخصيته. يشجعون الناس على الانطلاق من أجل اكتشاف هذه الزاوية المخبأة في الشخصية. كما أن فيها جانبا لا ينطبق علينا ولا ندركه بالتأكيد يتمثل بالأوجه المتعددة للآخر المترسخة في داخلنا إلى درجة أننا نسعى دائماً إلى مقارنة أنفسنا بالأشخاص المقربين إلينا وبزملائنا والمحيطين بنا. تنعكس العلاقة التي تربطنا بالآخرين على أنفسنا فنجري تقويماً ذاتياً لكن الفخ المنصوب هنا يكمن في تقويم الذات انطلاقاً مما نعتقد والغرق في مشكلة سوء تقدير ذاتنا. ينبغي إذاً الاحتكام إلى الأحاسيس الملموسة في داخلنا بدلاً من المعتقدات غير المبررة.أما عن مصدر الحاجة إلى سجن أنفسنا في أنماط عيش مركّبة مسبقاً وتحوير الواقع ولعب دور لا يليق بنا يقول المحللون إن مسألة القناع جوهرية إذ تعنينا جميعاً. أثناء بناء هويتنا يمر وقت نجد فيه صعوبة كبيرة في التعبير عن حقيقتنا ووجودنا. إنها حالة الولد مثلاً الذي يقبل أن يؤدي دور الولد الرزين او المشاغب لكي يصبح معروفاً ضمن المجموعة أو في الصف ويطغى عليه الخوف في الأساس من استبعاده ومن عدم اكتساب محبة الآخرين. تستمر هذه الحالة حتى سن الرشد حين يصبح أكثر قوة ثم يقطع عهداً على نفسه بإسقاط القناع إذ لدى أي انسان الرغبة في التحلي بالأصالة وفي الخروج من قالب المظاهر. ما يحثنا على ارتداء هذا القناع هي الحماية الكبيرة التي يؤمنها لنا. من خلال القناع الاجتماعي يعرف المرء أنه بمنأى عن المشاكل حتى لو كان الأمر مؤلماً في الداخل. يمنح الراحة ويسهل العيش. غير أن الانسان الحقيقي خلف القناع يحاول الخروج من هذا السجن والتحررمنه. ينصح بالتأكيد أن يستكشف المرء هذا الوجه المستتر محاولاً التعمق أكثر في معرفة نفسه. يفعل ذلك في الأوقات التي لا يشعر فيها بالراحة ويقبل ان تندثر الصورة المثالية معترفاً أنها لا تتوافق مع تلك التي يود إظهارها أمام الآخرين ما يؤدي إلى تقبل عيوبهم ويضفي على العلاقات طابعاً إنسانياً إذ يسمح برؤية الأمور إنطلاقاً من الذات لا انطلاقاً من مصدر خارجي.
توابل - علاقات
انزعوا أقنعتكم واشعروا بالراحة
08-11-2007