تروي إيزابيل الليندي في روايتها الجديدة «إنيس.. حبيبة روحي» الصادرة عن دار المدى، ترجمة صالح علماني، قصة فتح الأسبان لأميركا الجنوبية في بدايات أعوام 1500 م خصوصاً البيرو وتشيلي وأعمال القتل والإبادة التي حصلت بحق أصحاب الأرض من هنود أميركا الجنوبية، يدفعهم إلى ذلك الحلم بحيازة ذهب تلك البلاد وتأسيس مستوطنات للإقامة الدائمة عبر تشجيع الهجرة إليها من أسبانيا.

Ad

لا تقوم رواية إيزابيل الليندي على مجرد رواية الأحداث التاريخية في إطار السرد الممل بل تبني شخصيات حقيقية وواقعية وتحكي سيرهم والخلفيات التي أتوا منها وكيف عاشوا حياتهم وكيف أنهوها. كذلك تحكي عن المعارك والحروب التي خاضوها لإقامة مستعمراتهم.

من بين الشخصيات الكثيرة التي تحفل بها رواية «إنيس.. حبيبة روحي» تبرز شخصية إنيس المحورية، فهذه البطلة وبعد أن نتعرف على نشأتها في أسبانيا وزواجها في ريعان شبابها على الرغم من أنف جدها والعائلة بأكملها وادعاءاتهم بأن مواصفاتها الجسمانية والجمالية لا تصلح لكي تكون زوجة، مع ذلك تستطيع جذب انتباه دون جوان أسباني لا يجيد في حياته سوى ممارسة الحب والإيقاع بالفتيات فتؤدي مجموعة ظروف إلى الزواج بها بعدما خطبها لسنوات علمها فيها التعرف على جسدها وأماكن اللذة فيه، في النهاية لا تفوز منه سوى بهذه الخبرة، إذ أنه سرعان ما يقرر السفر إلى الأرض الجديدة المكتشفة في أميركا.

وبعد سنوات من رحيله والعذابات التي لحقت بها بصفتها زوجة مهاجر، وهي عذابات مسؤول عنها المجتمع في القرون الوسطى، تقرر المغادرة إلى أميركا أيضاً ليس للحاق بزوجها في حقيقة الأمر، إنما للتخلص من هذا الغبن اللاحق بها والذي من الممكن أن يمتد حتى وفاتها.

سفر

لهذه الغاية، تعمل للحصول على إذن ملكي بالسفر إلى أميركا بحجة اللحاق بزوجها الذي كان أرسل إليها رسالتين أو أكثر بقليل يعلمها فيها عن أحواله، فتحصل عليه بعد وقت قليل.

أحداث كثيرة تقع لها خلال فترة رحلتها، أولاً في التقصي عن أخبار زوجها التي تقودها إلى البيرو حيث تعلم بوفاته، غداة ذلك تقيم في المدينة وتعيل نفسها من بعض المهن التي اكتسبتها في أسبانيا مثل طهي الفطائر والخياطة ومداواة الجرحى، وثانياً في التعرف إلى الرجل الذي ستقود معه معركة فتح تشيلي بعد محاولة فاشلة قام بها أحد القادة الأسبان وأعدم بعد هزيمته في حرب أهلية جرت في البيرو بين الأسبان أنفسهم.

يسطع دور إنيس ابتداءً من هذه الرحلة وتبدو أنها عنصر فعال في تدبير شؤون القافلة ابتداء من الأشياء الصغيرة وحتى الكبيرة ولا يفوتها إسداء النصح في الملمات لقائد الحملة عشيقها فتتحول إلى عنصر ضروري يحتاج إليه عشيقها لنجاحه في حملته على الرغم من أنه هو القائد والآمر الناهي، إلا أن لإنيس وجهة نظر أخرى مفادها أن الرجال لا يجيدون سوى القتال أما الفنون الأخرى فهي من اختصاص النساء. حتى في الحب هم لا يفقهون شيئاً، إذ علمت عشيقها دروب الحب وتعرجاته وجعلته خبيراً فيها وكذلك الأمر حصل مع زوجها الثاني الذي تزوجته بعدما حكم ممثل ملك أسبانيا في البيرو على الرغم من النجاحات التي أحرزوها في فتح تشيلي.

خطيئة

تعتبر علاقتهما غير الشرعية خطيئة بنظر الدين والأعراف، بذلك تكون أسبانيا وعاداتها التي هربت منها إنيس لحقت بها إلى البلاد الجديدة، إلا أن الخيارات كانت متاحة أكثر أمامها وامتازت بالمرونة. طلب الحاكم منها فسخ علاقتهما على أن تتزوج إنيس من أحدهم وهو الشخص الذي ستؤول إليه مقاليد الحكم في ما بعد في تشيلي.

تصف إيزابيل الليندي في هذه الرواية الإمكانات التي تتمتع بها المرأة والتي لا تقل عن إمكانات الرجل وتفوقها أحياناً، نستطيع لمس هذا التفوق في الأحداث والفصول التي تجري تباعاً في الرواية.

باختصار قدمت لنا الروائية سيرة ذاتية لامرأة ناجحة تستطيع صناعة التاريخ وإن اقتضى الأمر القتل والذبح وحتى اقتيات الحشرات والزواحف والرضوخ لمقتضيات الإبقاء على دورها الفاعل سرياً وعدم ظهوره إلى العلن وانصياعها لشروط اللعبة التي تقتضي أن يكون زوجها في الواجهة وهي في الكواليس.