طالب خبراء اقتصاديون بالعمل على تطوير الصناعات البديلة ودعم الإنتاج المحلي في القطاع الزراعي في ظل تراجع معدلات إنتاج النفط وتأثيره السلبي على واردات خزينة الدولة.

Ad

بين انخفاض إنتاج النفط وارتفاع إنتاج الغاز، شهدت سورية ارتفاعاً في معدل النمو فيها بلغ %7، لكن ذلك لم ينعكس إيجاباً على المواطن العادي في ظل استمرار الارتفاع الجنوني في الأسعار ابتداءً من المأكل وصولا إلى المسكن، في ظل نفي رسمي بوجود فقراء في البلاد. وأعلنت سورية أخيرا أن «نسبة النمو لديها قاربت الـ%7 خلال العام الحالي»، مشيرة إلى أن هذه النسبة «مقررة للنمو مع نهاية الخطة الخمسية العاشرة (2010 - 2011)». وكانت سورية أعلنت هذه الخطة في عام 2005 - 2006 لتطلق بعده تسمية «اقتصاد السوق الاجتماعي»، في استخدام ملطف مقارنة بمصطلح «اقتصاد السوق»، علما بأن البلاد تنتهج الاقتصاد الاشتراكي المركزي.

أكد مصدر رسمي أن «الإنتاج النفطي تراجع من 600 ألف برميل في عام 1995 إلى 385 ألف برميل في عام 2005»، مشيراً إلى أن «الإنتاج في طريقه إلى مزيد من التراجع».

تهريب المشتقات البترولية

وتوقع أن «يصل استيراد النفط ومشتقاته إلى 2.5 مليار دولار العام المقبل». وكان وزير النفط سفيان علاو أكد أن «سورية ستصدر في العام القادم 6 ملايين طن من النفط الخام وستستورد 8 ملايين طن من المشتقات النفطية ما سيؤدي إلى دفع فاتورة أعلى وأكبر». وعلى وقع التهريب المستمر للمشتقات النفطية المدعومة الأسعار في سورية إلى دول الجوار، لا سيما لبنان والأردن وتركيا،أعلنت الحكومة السورية «رفع أسعار المشتقات تدريجياً وعلى مدى خمس سنوات للوصول إلى الأسعار العالمية الواقعية لهذه المواد، وبما يمكّن من مواجهة عجز الميزانية»، إذ تبلغ فاتورة الدعم 350 مليار ليرة سورية، أي ما يعادل نحو سبعة مليارات دولار أميركي.

خبراء يقرعون أجراس الخطر

ويقرع خبراء ناقوس الخطر لجهة إمكانية نضوب النفط السوري، الذي يشكل المورد الأول للخزينة خلال السنوات القليلة المقبلة، بينما تسعى البلاد جاهدة إلى تطوير صناعات أخرى تشكل بديلاً محتملاً عن النفط كالقطن والمحاصيل الاستراتيجية الزراعية لا سيما القمح والسياحة، وبلغ إنتاج سورية هذا العام مليون طن في مجالي القطن والقمح، وتعتبر الدولة الوحيدة المصدرة لهما في المنطقة، وعقدت هذا العام صفقات لتصديرهما إلى كل من مصر والأردن. وأشارت صحيفة «الثورة» الرسمية إلى أن سورية «تحقق الاكتفاء الغذائي الذاتي من المحاصيل الاستراتيجية، وهي في عام 2020 سيبقى لديها فائض للتصدير من القمح والبقول والخضار والفواكه والبيض بينما ستزداد الحاجة الى استيراد مواد كالسكر والأرز الزيوت النباتية والأعلاف».

ومقارنة مع تراجع الإنتاج النفطي، فقد شهد إنتاج الغاز ارتفاعا حيث وصل، وفق تصريحات رسمية، إلى 20 مليون متر مكعب يومياً هذا العام مقارنة بمليوني متر مكعب يومياً في عام 1995. وعلى خلاف النفط، تمتلك سورية مخزونا استراتيجيا ضخما من الغاز يبلغ 680 مليار متر مكعب. ورغم صدور الكثير من القوانين التي تساعد على الانفتاح الاقتصادي والاستثماري فإن معاناة المواطن السوري استمرت هذا العام أيضاً، في ظل ارتفاع فاتورة نفقات الاحتياجات اليومية لا سيما المواد الغذائية، بعدما أدى تحرير الأسعار، وفقا لتوجهات اقتصاد السوق وغياب الرقابة التموينية السابقة، إلى ارتفاع غير مسبوق في الأسعار. وقال الخبير الاقتصادي عدنان عبد الرزاق ليونايتد برس إنترناشيونال إن «ارتفاع أسعار المواد الغذائية في السنوات الثلاث الماضية تراوح بين 20 و100 في المئة، كما ارتفعت أسعار العقارات والإيجارات خلال الفترة ذاتها إلى %250». وعزا عبد الرزاق هذا الزيادة إلى سببين «الأول التفاوت الكبير بين الأسعار والدخول والثاني بسبب هجرة العراقيين غير المسبوقة إلى سوري».

فك العزلة بعلاقات مع دول الجوار

وفي مواجهة العزلة التي تحاول الولايات المتحدة الأميركية خصوصا والغرب عموما، فرضها على سورية، سعت دمشق الى التوجه اقتصادياً أكثر فأكثر باتجاه الدول الإقليمية الصديقة، فعززت علاقاتها الاقتصادية المتطورة أصلا مع كل من إيران وتركيا. وقام الرئيس بشار الأسد بزيارة مهمة إلى تركيا وقع الجانبان خلالها مذكرة تفاهم تشمل مختلف النواحي الاقتصادية والسياسية والطاقة والأمن والمياه، بينما واصلت الاستثمارات التركية تدفقها إلى سورية، التي وضعت، أيضاً، خطة تعاون مع إيران تمتد على مدى 10 سنوات تبحث في تطوير هذا التعاون إلى 10 مليارات دولار أميركي، إضافة إلى إنشاء صندوق تمويل مشترك برأسمال 200 مليون دولار لتمويل المشاريع الاستثمارية. وبدأت أخيرا شركتان سورية وإيرانية بإنتاج السيارات، بالاستعانة بالخبرات الإيرانية، في خطوة سورية هي الأولى المعلنة للتوجه نحو الصناعة الثقيلة. وفي الإطار نفسه، واصلت سورية توجهها الى التقارب مع روسيا ودول الشرق الأقصى كالصين، في حين بحثت مع ماليزيا إمكانية تنقل مواطني البلدين بدون تأشيرة. وفي مؤشرات مشجعة تواصل التقارب العراقي- السوري على خلفية مزيد من التفاهم الأمني والسياسي فوعد العراق سورية بإعادة تعاونه معها، وفقا لما كان قائماً قبل سقوط النظام السابق. وسارعت سورية، التي تأمل في الحصول على حصتها من الكعكة العراقية ولاسيما في مجال إعادة اعمار العراق والتحول إلى اقتصاد خدمي له، إلى إقامة أول منطقة حرة من نوعها على الحدود الشمالية الشرقية في منطقة اليعربية المجاورة للعراق. ورحب وزير المالية العراقي بيان جبر بالعمالة السورية في العراق، الأمر الذي يعتبره المراقبون «بالغ الأهمية»، إذ إن هذه العمالة التي تضررت بعد خروج الجيش السوري من لبنان وتدهور العلاقات بين الجانبين بعد اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري يمكن أن تتوجه إلى العراق كبديل عن لبنان.

يشار إلى أن بعض الإحصاءات قدرت تلك العمالة بنحو مليون عامل، في وقت نفت فيه سورية ذلك مؤكدة أن حجم عمالتها في لبنان لم يكن يتجاوز الـ300 ألف عامل. ووسط بوادر ليونة في العلاقات الاقتصادية بين دمشق والاتحاد الأوروبي، أعلن الأخير على لسان أكثر من مسؤول فيه ضرورة مواصلة المحادثات مع سورية في مسألة الشراكة الأوروبية المتوسطية.

آثار المقاطعة الأميركية

إلا أن ذلك لم يتم حتى الآن، وواصلت الولايات المتحدة فرض عزلة اقتصادية على سورية، وسط استخفاف المسؤولين السوريين بالأمر لأنه لا يوجد علاقات تجارية واقتصادية مهمة بين البلدين. وكانت الولايات المتحدة أعلنت عام 2004 «قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان» الذي يفرض عقوبات سياسية ودبلوماسية واقتصادية على البلاد، كما فرضت العام الفائت حظرا على المصرف التجاري السوري بتهمة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. وفي هذا السياق، أكد دريد درغام حاكم المصرف أن الحظر لم يسفر سوى عن «مقاطعة 20 شركة مصرفية عبر العالم للمصرف»، وأن «المقاطعة تمت لأسباب سياسية محضة»، نافياً تورط المصرف بأي نشاط غير مشروع.

وأصدرت السلطات عدداً من التشريعات والقوانين التي تسهم وتسرع في عملية الإصلاح الاقتصادي وتشجيع الاستثمار. ووفقا لمصادر رسمية فقد بلغ عدد المشاريع الصناعية لهذا العام 294 مشروعا و28 مشروعا في مجال النقل و66 مشروعا في المجال الزراعي. وتواصل سورية مسيرتها باتجاه «اقتصاد السوق الاجتماعي» وسط نفي أوساطها الرسمية أي وجود لتوجه نحو خصخصة القطاع العام أو تشريد العمال فيه، مؤكدة أن الشراكات التي تمت بين القطاعين العام والخاص وفي مجالات سيادية كالنفط والنقل هي مجرد شركات لإنعاش القطاع العام الخاسر وليس باتجاه تخصيصه.

(دمشق- يو بي آي)