تم العبث بصورة مكشوفة ومستمرة في البنيان الديموقراطي الكويتي مرات ومرات، ولكن ذلك العبث كان ينتج عنه دائما خسارة للبلاد والعباد، بما في ذلك أولئك الذين ظنوا أن ذلك العبث سيؤدي إلى استقرار البلاد استنادا إلى، وفق رأيهم، أن دستور 1962 لم يكن إلا خطأ تاريخيا واجب التصحيح.

Ad

وخلافا لما يتردد بأن ذلك العبث كان قد بدأ بتزوير الانتخابات البرلمانية عام 1967 فإن «زمن الردة» أو «الخروج من زمن البراءة» كان قد بدأ عام 1966 بحل المجلس البلدي، الذي كان مؤشرا لانطلاق «مركب الردة» بأقصى سرعة، وقد تم بعد حل المجلس البلدي إنفاق الـ 200 مليون دينار من دون رقيب أو حسيب، بل بين غمضة عين وانتباهتها.

ومنذ التزوير ظلت البلاد تعيش بين مد وجزر، فجاء بيان يونيو 1970، ثم حل غير دستوري عام 1976، والبدء بمحاولة تنقيح الدستور، ثم فشلها ثم الدعوة الى انتخابات برلمانية عام 1981، ولكن في ظل تفصيل الدوائر الانتخابية تفصيلا على «مقاس»، التنقيح جاؤوا «بترزي» لبناني لتفصيله، كما يشاع، وتقديم مشروع تنقيح الدستور للمجلس ثم سحبه، ثم حل غير دستوري آخر عام 1986، والذي كان أكثر قسوة من حيث معطياته وأدواته إذ تم، للمرة الأولى، فرض الرقابة المسبقة على الصحافة، ومن ثم ظهور «ديوانيات الاثنين» بدءا من 1989وانتهاء بالغزو العراقي، الذي حدث في ظل غياب مجلس الأمة وبقية القصة معروفة.

ومع ذلك تظل قضية الحل غير الدستوري وتنقيح الدستور من طرف واحد تبعث ضعف إدارته للدولة منفردا من دون مرجعية مطروحة حتى هذه اللحظة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا يعود النظام إلى الدستور مرة أخرى؟ وما هي القوى المغناطيسية الجاذبة للعودة إلى الدستور؟ ولماذا لم ولا تندفع السلطة وتلغي الدستور وتشطبه وتعيده بـ «حُلة» جديدة تتوافق مع رؤاها ومنطلقاتها؟ فمنطق موازين القوى، الذي هو العنصر الحاكم في صناعة القرار السياسي يقول إن ميزان القوة منحاز بالكامل لمصلحة «الحكم» والحكومة فهي تملك، منذ 1975، %100 من الثروة النفطية، وتحتكر القوة المسلحة وتوظف لديها ما يزيد عن %94 من قوة العمل الوطنية، وتملك ما يزيد عن الـ %98 من أرض البلاد.

لا يبدو، والحال كهذه، ان هناك حاجة أصلا للعودة الى الشعب أو التشاور معه بأي شيء. فالقوة مركزة ومحتكرة ومنحازة بصورة لا تنكرها العين... لماذا لم يحدث في الكويت مثل ما حدث في البحرين على سبيل المثال؟!

كان للبحرين بُعيد استقلالها دستور مشابه للدستور الكويتي، لم تتحمل الأسرة الحاكمة هناك التعايش معه لأكثر من سنة ونصف السنة، فحلت المجلس وعلقت الدستور منذ 1975، وعادت «مملكة البحرين» عام 2000 بـ «حلة» دستورية جديدة لا علاقة لها بما مضى.

لماذا في كل مرة تكشر أنياب الحل غير الدستوري، لا تكتمل مسيرة الارتداد تلك بصورة نهائية وتنكفئ الكويت ديموقراطيا؟!

لماذا لا تحقق تلك المحاولات منتهاها؟ فما نلبث إلا أن نعود مرة أخرى إلى حضن الدستور، ولكنها على طريقة استراحة المحارب. وللحديث بقية.