استعرض بنك الكويت الوطني في تقريره الاقتصادي الأخير أحدث التطورات التي شهدها الاقتصاد الإماراتي والعوامل التي ساهمت في تعزيز أدائه، بحيث أضحى من ضمن اقتصادات الخليج الأكثر حيوية ونشاطاً، فحالة الازدهار الاقتصادي التي تعيشها دولة الإمارات العربية المتحدة قد دخلت عامها الخامس، ومهدت الطريق لتبوؤ الإمارات مكانة لائقة كنموذج يحتذى به في التنمية الاقتصادية على امتداد دول الخليج العربي كافة.

Ad

اعتبر تقرير الكويت الوطني اقتصاد الامارات الاكثر نشاطا وحيوية في اقتصاد الخليج وبين التقرير، الذي صدر امس، انه بين عامي 2002 و2006، سجل الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية نمواً سنوياً بلغ متوسطه 22%، مما أدى إلى تنامي حجم الاقتصاد بأكثر من الضعف ليصل إلى 164 مليار دولار مع نهاية عام 2006. وقد انعكس هذا الأداء المتميز على مستوى معيشة المواطنين، حيث شهد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ارتفاعاً بشكل ملحوظ ليصل إلى 38,934 دولاراً مع نهاية عام 2006، مما وضع الإمارات في المرتبة الثانية خليجياً في درجة الثراء وفقاً لهذا المعيار.

وكما هي الحال في اقتصادات الخليج الأخرى، فإن فورة أسعار النفط وارتفاع معدل الإنتاج قد لعبا دوراً ريادياً في تعزيز النمو الاقتصادي، ومع ذلك وعلى خلاف الدول المجاورة، فإن القطاع غير النفطي في دولة الإمارات قد لعب أيضاً دوراً جوهرياً، وأسهم بما يقارب نصف النمو الذي سجله الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2002، كما بلغ متوسط النمو في هذا الناتج وفقاً لمعيار القيمة المضافة بالأسعار الحقيقية الذي يستثني الأثر المباشر لارتفاع أسعار النفط نحو 9.8% سنوياً، والذي يعد من أعلى نسب النمو في المنطقة، ليجعل من وتيرة التنمية في الإمارات تحاكي مستواها السائد في الصين، وفي الواقع، فإن الاقتصاد الإماراتي قد يكون وصل إلى مرحلة تشبع حرجة بحيث تصبح فيها العائدات النفطية وسيلة لمساندة التنمية الاقتصادية بدلاً من المحرك الرئيسي لها.

تضاعف حجم الاقتصاد في 2012

وتشير تقديرات «الوطني» إلى ديمومة الأداء الاقتصادي المتميز في المدى المنظور، وإلى تضاعف حجم الاقتصاد الإماراتي مرة أخرى بحلول عام 2012 في ظل مشاريع الاستثمار الضخمة التي ستسهم في تقليص معوقات النشاط الإنتاجي في الاقتصاد، وفي احتواء جانب من الضغوط التضخمية التي تنامت خلال العامين الماضيين، فالتضخم مقاساً بالتغير في الرقم القياسي لأسعار المستهلك قد تسارع من 2.9% في عام 2002 إلى 9.3% في عام 2006، وخاصة نتيجة الضغوطات التي تسود قطاع العقارات، حيث ان زيادة المعروض من الوحدات السكنية في دبي وأبوظبي لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد. وفي ضوء الارتباط الحصري لسعر صرف الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي، فقد أسهم أيضاً تراجع سعر صرف الدرهم مقابل العملات الرئيسية من غير الدولار في تفاقم الضغوط التضخمية، ناهيك عن ارتفاع كلفة مواد البناء والتوسع الملحوظ في المجاميع النقدية، فعرض النقد قد نمى بنسبة 34% و23% في عامي 2005 و2006 على التوالي متجاوزاً بذلك لمعدل نمو القطاع غير النفطي خلال الفترة ذاتها، وكان التسارع في معدل نمو القروض قد لعب دوراً رئيسياً في توسع السيولة المحلية، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن معدل التضخم في الإمارات في عام 2007 سيتراخى قليلاً ليصل إلى 8%. ومع ذلك، فهنالك قناعة على نطاق واسع تشير إلى أن أرقام التضخم الرسمية للإمارات لا تعكس مستواها الفعلي الذي من المحتمل أن يكون قد وصل إلى 20%.

نشاط المشاريع

وبتزامنها مع نقص المواد الإنشائية والمهندسين من ذوي الكفاءة، فان تعاظم التكلفة الظاهرة للعيان قد شكلت حجر عثرة في نشاط المشاريع في عام 2006، وأصبحت تقف وراء تمديد الجدول الزمني لتنفيذ المشاريع. وبشكل إجمالي، تشير التقديرات إلى نحو 500 مليار دولار سيتم إنفاقها على امتداد السنوات الخمس القادمة على ما يزيد على 400 مشروع جديد، إلى جانب ما قدره 110 مليارات دولار لتمويل ما يقارب من 300 مشروع قيد التنفيذ، ويتوقع لهذه المشاريع ان يكون لها انعكاسات إيجابية ملحوظة على مجمل الاقتصاد الإماراتي في ضوء تركزها في القطاعات غير المتاجر بها مع الخارج كالقطاع العقاري الذي بالعادة له محتوى استيرادي متدن. وعليه، يتوقع «الوطني» ان يواصل الاستثمار دوره الحيوي في النمو الاقتصادي. وبالمقابل، فإن الأهمية النسبية لصافي الصادرات قد تتراجع.

تقدم سريع في القطاع غير النفطي

وعلى الرغم من التقدم السريع في القطاع غير النفطي، يبقى قطاع النفط والغاز بؤرة الاقتصاد الإماراتي، حيث تمتلك دولة الإمارات نحو خمس الاحتياطيات العالمية المحققة من النفط الخام، منها 94% في إمارة أبوظبي. وحالياً، تبلغ الطاقة الإنتاجية من النفط الخام نحو 3 ملايين برميل يومياً، ومن الغاز حوالي 4.6 مليارات قدم مكعبة يومياً، وتعتزم دولة الإمارات رفع طاقتها الإنتاجية من النفط والغاز خلال السنوات الخمس القادمة إلى 4 ملايين برميل و6.5 مليارات قدم مكعبة يومياً على التوالي، إلا أن هذه الخطط لم تؤثر في جهود الدولة نحو تحقيق تنوع اقتصادي أكبر الذي تتضح معالمه في التغيرات الهائلة التي يمكن ملاحظتها على أرض الواقع على امتداد الدولة، علماً بأن التقدم الذي حقق في هذا المجال هو نتيجة استراتيجية تتبعها الحكومة منذ تأسيس الاتحاد في عام 1971، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن كل حكومات الإمارات السبع قد أسهمت في مسيرة التحول هذه.

تنوع مصادر الدخل

وأشار «الوطني» إلى أن توسع مصادر الدخل الحكومي قد برز كأحد أوجه سياسة التنوع الاقتصادي، إذ اضافة إلى الإيرادات النفطية التي ولدت في الآونة الأخيرة فوائض قياسية في ميزانية الدولة، بدأت عوائد الاستثمار توفر رافداً مهماً آخر، وذلك كون دولة الإمارات قد قامت على مدى السنين بتوظيف جزء من عوائد الوفرة النفطية من خلال الأذرع الاستثمارية المملوكة للحكومة، والتي تعتبر سلطة استثمار أبوظبي أكبرها، فوفقاً لتقرير مؤسسة ماكينزي العالمية الصادر في عام 2007، فقد بلغت قيمة الموجودات التي تديرها سلطة استثمار أبوظبي في عام 2006 ما بين 500 و900 مليار دولار، وهذه الموجودات توفر للحكومة دخلاً كبيراً لا يتم إدراجه ضمن بنود إيرادات الميزانية، كما تم توجيه جزء من مصادر الدخل إلى الاقتصاد المحلي من خلال برامج الإنفاق الحكومي سواء أكان على مستوى الدولة أم على مستوى كل إمارة بحد ذاتها، هذا إلى جانب تأسيس مؤسسات عامة جديدة يذكر منها مبادلة، ونخيل، وإعمار، وطاقة.

نشاط القطاع الخاص

كما كان هنالك أيضاً جهود مبذولة لتعزيز نشاط القطاع الخاص من خلال عمليات الخصخصة واتفاقيات الشراكة. كذلك الحال، فقد اشتملت إستراتيجية الحكومة على حزمة متكاملة من الإجراءات تمحور أهمها حول تأسيس مناطق حرة، وإزالة المعوقات التي تعترض حرية التجارة والملكية الأجنبية، إلى جانب توفير بيئة أعمال تخلو نسبيا من العوائق. وعليه، فإن مساهمة القطاع الخاص في مجمل الناتج المحلي غير النفطي قد ارتفعت من 58% في عام 2000 إلى 63% في عام 2004 قبل أن تتراجع بشكل طفيف إلى 61% في عام 2006. وفي هذه الأثناء، فقد تجاوز نصيب استثمارات القطاع الخاص متضمنا الأجنبية منها ما يزيد على نصف أنشطة المشاريع منذ عام 2003، فوفقاً لتقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (اليونكتاد)، فقد ارتفع رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دولة الإمارات إلى 37 مليار دولار في عام 2006، وذلك مقابل مليار دولار لعام 2000، إلى جانب تبؤو الإمارات للمرتبة 23 على المستوى العالمي في أهلية جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. وعلى الصعيد نفسه، فإن برنامج الخصخصة قد كان له انعكاسات إيجابية على أسواق المال المحلية، وذلك في أعقاب إدراج المؤسسات المخصخصة في هذه الأسواق للتداول. ومع ذلك، يمكن بالمحصلة القول بأن العلاقة ما بين القطاعين الحكومي والخاص قد أصبحت متداخلة، وخاصة أن بعض المؤسسات التي تديرها الحكومة أو بعض عامليها لهم مساهمة واضحة في العديد من المشاريع التنموية.