لقد سئم المواطن العربي أحاديث حكامه وتبريراتهم الازدواجية، فتارة يحرصون على حضور المؤتمرات مع العدو، وتارة يتهربون من الجلوس مع بعضهم بعضا، وتارة يتحججون بالواقعية السياسية والبعد عن الشعارات، ثم يتنكرون لتلك الواقعية ويتمسكون بالشعارات.

Ad

«إن انعقاد المؤتمر في ذاته نجاح كبير» «لا يمكن حل المشكلات إلا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات» «إن شرف المشاركة والمحاولة أعلى قيمة من تحقيق النجاح»... إلخ.

جمل شائعة وتعبيرات ومفردات محفوظة مكررة يرددها الحكام والرؤساء العرب بين فترة وأخرى وتتلقفها جوقة الكتاب المحيطين بهم، لإعادتها وتكرارها بصورها المختلفة وأساليبها المتنوعة، ويبدأ ضاربو الدفوف وحملة المباخر في الرقص حولها والإصرار عليها أملا في إقناع المواطن العربي بها.

والعجيب أن نفس الحاكم يتخذ موقفا مخالفا لما يقول ونفس الكاتب يتخذ موقفا منافيا لما يردد تبعا لهوى الحاكم الشخصي (كي لا نقول إن هناك تعليمات خارجية) وعلى سبيل المثال عندما كانت آلة العدوان الإسرائيلي تدك غزة وتقتل وتشرد المئات من الفلسطينيين كانت الوفود الإسرائيلية تتنقل بين القاهرة وعمان كما تشاء، ومبرر العاصمتين أن المفاوضات ضرورية من أجل القضية ولا يمكن المقاطعة لأنها دليل عجز وضعف، وأخذ كتاب السلطة في السخرية ممن ينادي بوقف المفاوضات مع العدو ومقاطعته ويتهمونه بالسطحية والجهل ورغم ذلك أخذت العاصمتان موقفا مختلفا تماما في مؤتمر القمة العربية الأخير بالنسبة لقضية لبنان، وأصرتا على المقاطعة للضغط على الدولة المسؤولة (من وجهة نظرهم) في استمرار الأزمة اللبنانية ولا أدري هل أزمة لبنان أكبر من القضية الفلسطينية؟! أم أن سورية مسؤولة عن الأزمة اللبنانية أكثر من مسؤولية إسرائيل عن القضية الفلسطينية؟! أم أن المطلوب أن تعقد القمم العربية في إسرائيل كي يوافق الحكام العرب على حضورها؟!

عندما فشلت مؤتمرات مكافحة الإرهاب التي عقدت في شرم الشيخ خرج علينا بعضهم ليؤكد أن مجرد عقد المؤتمر يعتبر نجاحا كبيرا لا مثيل له، ورفضوا تطبيق نفس المبدأ على مؤتمر القمة الأخير مدعين أنه أفشل مؤتمر للقمة على الإطلاق، فالقمة من دونهم لا تساوي شيئا ولا قيمة لها.

لقد سئم المواطن العربي أحاديث حكامه وتبريراتهم الازدواجية فتارة يحرصون على حضور المؤتمرات مع العدو وتارة يتهربون من الجلوس مع بعضهم بعضا، وتارة يتحججون بالواقعية السياسية والبعد عن الشعارات، ثم يتنكرون لتلك الواقعية ويتمسكون بالشعارات.

إن تلك المؤتمرات أصبحت أشبه بالموالد الشعبية التي يقيمها المصريون في كل مكان، وتعتبر هذه الموالد سوقا لكل شيء ويحرص المصريون على ارتيادها والشراء منها، ورغم ضيق ذات اليد يحرص الرجل على العودة إلى بيته حاملا لأطفاله على أقل تقدير كيسا من الحمص، والذي يعتبر دليلا دامغا على حضوره المولد، وتكون الصدمة كبيرة للأطفال إذا عاد الوالد من دون كيس الحمص، فصارت «رجع من المولد بلا حمص» مثلا للتعبير عن العجز والفشل والخيبة، واليوم وبعد مؤتمر القمة الأخير وبأسلوب البرنامج الإذاعي: قل «رجع من القمة بلا عِمّة *» ولا تقل «رجع من المولد بلا حمص».

* العِمّة: غطاء للرأس يرتديه شيوخ الأزهر الأجلاء في مصر