أصبح مشهداً مألوفاً أن تشاهد أسرة مصرية من أب وأم وعدة أطفال افترشت «ملاءة سرير» فوق أحد كباري القاهرة أو أسفله حيث يسير نهر النيل في طريقه الأبدي نحو الشمال تاركاً وراءه نسمات رطبة تكسر حدة حرارة صيف القاهرة.
انتشرت هذه الظاهرة إلى حدّ تحوّل كل كوبري في القاهرة الى شاطئ للفقراء يمضون على أسفلته ليالي الصيف بعدما تعذر عليهم الذهاب إلى سواحل مصر الشمالية أو الشرقية ومنح الفرصة لأطفالهم للهو برمال الشاطئ. لكنهم اقتنعوا بأن متعة الأبناء المشاهدة فحسب من أعلى أحد الكباري.باب رزقفتحت هذه الظاهرة التي انتشرت خلال أشهر الصيف باب الرزق لعدد كبير من الشباب الذين حولوا بعض الأجزاء من أسطح تلك الكباري إلى مقاهٍ موسمية تنشط صيفاً واقتنى البعض الآخر عربات بيع «التسالي» فبدا مشهد الصف الطويل من السيارات فوق كباري القاهرة أمراً مألوفاً، إذ توقف راكبوها قليلاً في مقهى فوق الكوبري.تتوافد عشرات الأسر المصرية إلى الكباري لتمضية سهرة صيفية ممتعة لا تكلّف إلا عدة جنيهات، يفترشون خلالها ملاءة بسيطة هرباً من حرارة الجو في المنزل، ويجدن فيها تعويضاً عن الذهاب إلى المصيف.فوق كوبري الجامعة جلست أسرة صغيرة بينما يمرح الأطفال حولها. يقول عاشور محمد (موظف) إنه يأخذ أسرته إلى أعلى الكوبري مرتين في الأسبوع ليستمتعوا بنسائم نهر النيل ومشهده الرائع ، فضلاً عن الكلفة المالية المتدنية وقرب المكان من محل إقامته. رغم وجود ناد اجتماعي خاص بالمؤسسة الحكومية التي يعمل فيها ويعد مكاناً أفضل لإحساسه بالأمان حيال أولاده، إلا أن ظروف عمله تحول دون الذهاب إليه. يرى أن أعلى أحد الكباري النيليّة هو المكان الأفضل للاستمتاع مع أفراد أسرته ومشاهدة أشياء جديدة كالمراكب النيلية والبواخر العائمة. وتقول زوجته أنها لا تخرج من المنزل إلا نادراً لذا فإن الوقت الذي تمضيه فوق الكوبري أسعد الأوقات وأحبها إلى نفسها، مشيرة إلى أن هذا الطقس الأسبوعي يتم في رمضان أيضاً، لكن مرة واحدة بدلاً من مرتين، والزيارات العائلية والعبادة وتلاوة القرآن تأخذ معظم الوقت. هدوء وصفاء ذهنيليست قلة الكلفة وحدها سبب توجه الكثير من العائلات إلى أعلى الكوبري. يقول محمد رضوان (مدير عام) إن حبه للهدوء السبب الأساسي في اتجاهه وأسرته إلى تمضية مثل هذه الأمسيات. رغم اشتراكه في أحد النوادي إلا أنه يعتبره مكاناً يجمعه بأصدقائه بعيداً عن المظاهر والرسميات. يضيف أن مثل هذه السهرات الصيفية لا تغني أسرته عن الذهاب إلى أحد المصايف خاصة أن أولاده أضحوا شبّاناً والمصيف ضروري لهم. لم تقتصر سهرات «فوق الكوبري» على أهالي القاهرة وحدها بل امتدت إلى باقي محافظات مصر. يقول محمود من محافظة سوهاج إنه يمضي الإجازات في السفر إلى محافظات مصر القاهرة: والإسكندرية والإسماعيلية، لكنه يعتبر أن إجازته في القاهرة الأفضل والأحب إلى قلبه، يستمتع فيها، خاصة مع أسرته على الكوبري. عندما يكون في سوهاج يحرص على السهر فوق الكباري في أشهر الصيف، خاصة في شهر رمضان الذي يمضيه غالباً في القاهرة حيث يشعر بالهدوء والصفاء النفسي. موقع سياحيلم تقتصر هذه النزهة البسيطة على المصريين وحدهم، بل أضحى شائعاً أن ترى أسراً كاملة من دول عربية يزورون مصر ويجتمعون على أعلى أحد الكباري للاستمتاع بهواء النيل المخفف من حدة حرارة الجو. يقول عبدالله، رب أسرة كويتية إلتقينا بها على كوبري الجامعة، إن مصر بلد سياحي جميل ومن أفضل الأماكن التي يحبّ تمضية وقته فيها مع أسرته على الكوبري بسبب اعتدال الطقس وجمال المشهد. يضيف عبدالله أن ارتفاع تكاليف المصيف من الأسباب التي تجعله يتجه إلى هذا المكان. لا يكاد ينفق شيئاً فوق الكوبري مقارنة بما ينبغي إنفاقه في المصيف. يستمتع بوقته بأقل كلفة.عمل موسمي ممتععلى امتداد كوبري الجيزة، أو كوبري عباس كما يسميه العامة، ينتشر بائعو التسالي من لَب وسوداني وترمس وحمص الشام وبطاطا وذرة مشوية وهو عمل موسمي لا يتوافر لبعضهم إلا في أشهر الصيف.يقول خلف (بائع بطاطا) إنه يعمل على كوبري عباس يومياً صيفاً وشتاءً. لا عمل آخر له أو مكان آخر غير الكوبري. يستمتع بعمله فجميع زبائنه من العائلات. والعمل في أشهر الصيف أكثر من فصل الشتاء إذ تمنع برودة الطقس الناس من أن يقصدوا الكوبري فضلاً عن انشغال الأسر بأولادها في عامهم الدراسي. يقول خلف أن أيام رمضان أحلى بكثير من الأيام العادية رغم قلة العمل، إلا أنه يستمتع ببيع شراب التمر هندي والعرقسوس قبل الإفطار وبيع البطاطا بعد الإفطار.يوافقه رمضان (بائع شاي وحمص الشام) الرأي في استمتاعه بالعمل في شهر رمضان مع أن العمل يقلّ لانشغال الناس بالعبادة والزيارات العائلية. من أشهر زبائنه الفنانة منة شلبي التي تأتي دائماً مع أسرتها وتجلس في السيارة لتشرب حمص الشام ولا تفضل الخروج منها بسبب تزاحم المعجبين. كذلك الفنان محمد رياض الذي يأتي مع أصدقائه للاستمتاع بالسهرات الصيفية، لكن أهم زبائنه على الإطلاق الفنان عادل إمام. أما حسن (بائع البراويز) فيقول إن شهر رمضان فرصة لزيادة دخله، خاصة أنه يبيع البراويز المحتوية على الآيات القرآنية والأدعية وأسماء الله الحسنى، ما يزيد الإقبال على شرائها في الشهر الكريم.
توابل
جسور القاهرة تحوّلت إلى مصايف ومقاهٍ للفقراء
30-09-2007