كان السادات صادقاً مع نفسه وواقعياً، وقرر بصورة لا تقبل أي جدل أو شك أن يحافظ على هذا المجد التاريخي، وألا يعرضه لأي انكسار أو شرخ بسيط، ولم يكن من سبيل للحفاظ على هذا المجد في رأيه سوى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، واعتبار حرب أكتوبر آخر الحروب وضمان صداقة أميركا بأي ثمن، ولن يتحقق هذا كله سوى بالسلام مهما كانت تكلفته. أدوات الاستفهام جميعها تتراقص أمام عين أي إنسان يحاول أن يصل إلى حقيقة هذه الزيارة اللغز، وكي لا تضيع الحقائق وتتوه الأحداث بين الروايات المختلفة سنسرد الأحداث تبعاً لتسلسلها الزمني، ونبدأ من حيث وقفنا في المقال السابق يوم 16/ 10/1973، عند أول خطاب للرئيس السادات بعد حرب أكتوبر في مجلس الشعب المصري. فما حدث في حرب أكتوبر كان نصراً مصرياً وعربياً لم يسبق له مثيل سواء على الجانب العسكري أو السياسي، نصراً يحق للعرب أن يفخروا به على الدوام، وبعد مرور 10 أيام تحدث الرئيس السادات في مجلس الشعب «وكان في قمة زعامته المصرية والعربية وحب الشعب له» حديثاً عن السلام، وأنه يمد يده إلى السلام داعياً أن تكون حرب أكتوبر آخر الحروب. ولم يفهم كثيرون حقيقة هذه الدعوة كما كان يضمرها الرئيس السادات «تماماً كما حدث في خطاب 9/11/1977، يوم أعلن استعداده للذهاب إلى القدس»، ومن فهم دعوة السلام في 16/10، فهمها من منطلق سلام القوي المنتصر الذي من حقه أن يملي شروطه ومن حقه أن يأتيه عدوه المهزوم ذليلاً منكسراً، لا أن يذهب هو إليه بعد 4 سنوات! ولكن كان للرئيس السادات بعدٌ نفسيٌّ وشخصيٌّ آخر، فلقد حقّق في حرب أكتوبر أكثر مما كان يتوقع «انتصاراً عسكرياً مذهلاً وتضامناً سياسياً رائعاً وهزيمة لإسرائيل لم تحدث من قبل». وهنا شعر أن ما حققه لن يستطيع أبداً - كشخص - تكراره، فكان صادقاً مع نفسه وواقعياً، وقرر بصورة لا تقبل أي جدل أو شك أن يحافظ على هذا المجد التاريخي، وألا يعرضه لأي انكسار أو شرخ بسيط، ولم يكن من سبيل للحفاظ على هذا المجد، في رأيه، سوى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل، واعتبار حرب أكتوبر آخر الحروب وضمان صداقة أميركا بأي ثمن، ولن يتحقق هذا كله سوى بالسلام مهما كانت تكلفته، وهذه الخلفية الشخصية هي ما استثمرها كيسنجر جيداً في ما بعد. والآن لنرجع إلى التسلسل الزمني: بعد خطاب السادات في 16/10/1973، أعلن استعداده لقبول وقف إطلاق النار في إطار مبادرة من عدة نقاط تشمل عقد مؤتمر دولي، وبالفعل في ليلة 21-22 أكتوبر أصدر مجلس الأمن قراره الشهير رقم 338 الذي دعا فيه كل الأطراف إلى وقف إطلاق النار، واستغلت إسرائيل هذا القرار فنجحت في عبور قناة السويس بين الجيشين الثاني والثالث، وبدأت في التمركز غرب القناة، وهو ما عرف وقتها «بالثغرة» وحاصرت الجيش الثالث وقطعت خطوط إمداده وتموينه، وحضر كيسنجر إلى القاهرة وتقابل مع السادات لأول مرة في 7/11/1973، وكان مما اتفق عليه مع السادات الموافقة على تسكين القوات في الخطوط التي انتهت عندها المعارك يوم 28/10، والتجاوز عن شرط ضرورة عودة إسرائيل إلى خطوط 22/10، مع البدء فوراً في مفاوضات فض الاشتباك، وهي ما عرفت وقتها بمفاوضات «الكيلو 101»، وكان يرأس وفد مصر في ذلك الوقت المشير الجمسي «وكان حينها رئيسا لغرفة العمليات العسكرية». ثم تقابل كيسنجر مع السادات للمرة الثانية في 13/12/1973 للإعداد لمؤتمر جنيف على أساس القرار 338، الذي بدأ برعاية السكرتير العام للأمم المتحدة «كورت فالدهايم» ورئاسة مشتركة للولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، في صباح يوم الجمعة 21/12/1973، ومما قيل في مذكرات بعضهم إن موعد الافتتاح تأخر نحو ساعة لمشكلة بروتوكولية حول ترتيب مقاعد الأعضاء. (الطريق إلى السلام «صلاح منتصر»)، مما يوضح مدى التوتر والتوجس بين الأطراف ورغبة كل طرف ألا يبدو مهزوماً أمام الآخر... وللحديث بقية.
مقالات
30 عاماً على زيارة القدس 2 لماذا؟ كيف؟ هل؟ ماذا؟ من؟
19-11-2007