الكاتبة القصصية لطيفة بطي من الأديبات اللواتي أبدين اهتماماً كبيراً بالكتابة للطفل اذ نشر لها نحو خمسين قصة في العربي الصغير (مجلة العربي) وبعض قصصها يدرّس في مدارس وزارة التربية في لبنان. نشاطها التربوي واسع في مجال تمثيل قصص الأطفال وعرضها مسرحياً كما تعمل في مجال التعليم. التقيناها وحادثناها.

Ad

بعد إصدارك مجموعتين قصصيتين عن أدب الكبار، ما سرّ توجهك نحو الكتابة للطفل؟

أستطيع القول إن الطفل لم يكن يوماً غائباً عن كتاباتي حتى ضمن المجموعتين السابقتين فالطفل كان مشاركاً في تكوين الحوادث. ثمة قصة في المجموعة الأولى بطلها طفل، وفي المجموعة الثانية فصل كامل عن الأطفال تحت عنوان "شيء من الطفولة” عبارة عن قصص شعبية من التراث حاولت أن أمزج فيها بين الواقع المحلي والتراث العالمي. أحب الأطفال كثيراً، ويبادلونني هذا الحب. لعلّ كثيراً لا يعلمون أنني عملت مدرّسة في مرحلة رياض الأطفال لمدة تزيد على خمسة عشرعاماً، إضافة إلى أنني تابعت دورات تدريبية حول كيفية التعامل مع الأطفال في المرحلتين الابتدائية والمتوسط. اكتسبت خبرة جيدة في التعامل مع الطفل وطريقة تفكيره.

هل ظهرت نتيجة هذه الخبرة في قصصك؟

يتميز الأطفال عامة بالبراءة. قدموا إلى الحياة بلا خبرات سابقة. أحاول عبر قصصي أن أكتب ما يدور في عقولهم وأحاول الإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم بما يلائم تفكيرهم وعقليتهم ومن دون تحيز إلى اتجاه مذهبي أو ايديولوجي فنحن نقدم إلى الطفل المعلومة بكل تجرد وعندما يكبر وتكتمل مداركه وقدراته الذهنية والجسمية يستطيع تحديد خياراته والوجهة التي يريدها.

لاشك في أنك عرفت مواقف كثيرة خلال تعاملك مع الطفل.

هناك بالتأكيد هناك مواقف طريفة وأخرى مدهشة أو غريبة. كنت أحاول تدوين أو تسجيل ما أراه أمامي. استطعت أن أبني بعض قصصي على خلفية تلك المواقف. أذكر أن التقيت ذات مرة امرأة تمرّ ابنتها في معاناة. فالأب والأم منفصلان. طلبت إليّ أن أصوغ لها فكرة قصة تبين أنه مهما كان الخلاف بين الأب والأم تظل الطفلة محط اهتمام أبويها ورعايتهما فكتبت قصة تبيّن ذلك.

نشتكي في عالمنا العربي من ضآلة الكتابات للطفل، ما رأيك؟

أدب الطفل في العالم العربي آخر اهتماماتنا، حتى بالنسبة إلى كاتب القصص للأطفال فبعض المثقفين لا يعتبره كاتباً قصصياً ويهمشونه، إلا بعض الاستثناءات القليلة حين يكون هناك مهرجان للطفل فيتصلون بالكتّاب، كأن الأمرلا يتجاوز موسماً معيناً. كان مفترضاً أن يكون هناك اهتمام إعلامي واسع وعميق بالطفل فهو نواة القراءة الأولى. إذا كنا نهتم بالقراء الكبار ونرغب في بناء قارئ للمستقبل لابد من أن نتوجه إلى الصغار أولاً.

ألا تعتقدين أن هناك علاقة وطيدة بين الربح المادي السريع وأسلوب التعامل مع أدب الطفل. سلسلة هاري بوتر أليست نموذجاً؟

لا نستطيع بالطبع الوصول إلى مستوى”هاري بوتر” فالكتاب الموجه إلى الطفل لايزال عندنا بائساً، سواء من حيث الألوان أو الرسم أوالأفكار والمضامين التي تقوم عليها القصص. بعض الأفكار المطروحة لدينا ساذجة جداً في طرحها إلى درجة الاستهزاء بقدرات الطفل وعقله، أو أن سردها مملّ وغير جاذب للأطفال. لو تأملنا في بعض الرسوم المصاحبة للقصص لوجدناها مخالفة لمضمون القصة. يغيب عن بال بعض الكتّاب أن الطفل يتلقى الأشياء بصورة حرفية ومباشرة فإذا كانت القصة تتحدث عن منزل أحمر اللون فلا بد من أن تكون الصورة لمنزل أحمراللون. لكننا نجد في القصة ألواناً مختلفة كأن الرسام في وادٍ وكاتب القصة في وادٍ آخر وهذا خطأ كبير. الطفل لا يعرف التجريد بل يتلقى الأشياء بطريقة حرفية. مثل هذه المعوقات تجعلني أحجم عن طباعة كتاب مستقل عن أدب الطفل وأكتفي فقط بالنشر في المطبوعات والمجلات مثل "العربي الصغير” وبعض مطبوعات وزارة الإعلام الكويتية.

هل لديك نشاطات أو مشاركات أخرى؟

لدي قصص للأطفال قررت لطلاب المرحلة الابتدائية في لبنان واختيرت على أساس أنها تحكي التراث الشعبي الكويتي. لدي قصص أخرى قررت أيضاً في كلية التربية في لبنان.

 

لماذا لبنان وليس الكويت ؟

في الحقيقة لا أعلم، جاءني اتصال من لبنان يعلمني بأنه تم اختيار هذه القصص من دون اتفاق مسبق. "مؤسسة عون” هي التي تقوم بنشر الكتب المقررة على مدارس وزارة التربية في لبنان

كيف تقّومين قنوات الأطفال في شاشات التلفزة العربية؟ هل تؤدي دورها على نحو سليم؟

لدي ملاحظات كثيرة على هذه القنوات، كذلك على أفلام (دي في دي) التي أشاهدها وهي في غالبها منتجة في الغرب وقد لا تحمل القيم المناسبة لمجتمعنا. لكن في الاجمال لا أرفض أي فكرة تأتي من الشعوب الأخرى لمجرد الرفض. أفضل أن يطلع الطفل على الثقافات الأخرى حتى لو لم يستفد من مضمون القصة، فالكم الهائل من التكنولوجيا والإبهار الذي ينطوي عليه الخيال والموسيقى والألوان، كذلك الشخصيات والحبكة المحكمة، كل هذه تنمي لدى الطفل قدرات أخرى وتوسع آفاقه ومساحة خياله.

مارأيك في علاقة الكتب الموجهة إلى الأطفال بمناهج وزارة التربية؟

ما أرغب في توضيحه هنا أنني من جيل المنهج المقرر للدراسة في فترة ما قبل الغزو. نشأنا على دروس ومواضيع تطرح للمرحلة الابتدائية شائقة للغاية. كانت قصة مع "حمد قلم” تقوم على بنية واحدة بطلها حمد الذي يتطورمع الحوادث وتنامي الشخصيات فيوماً يذهب لزيارة أصدقائه ويوماً يحصد ما زرع، الخ. كذلك يحتوي المنهج على قصائد على لسان الحيوان، كما هي الحال مع قصائد أحمد شوقي....هذا يدفعنا إلى الشغف بالقراءة. حصة المكتبة كانت أساسية بالنسبة إلينا. كل هذه الأمور أصبحنا نفتقدها الآن، ويا للأسف فالمناهج لدينا الآن تحولت إلى "آكل وأشرب” و”عبير أخت سالم”. وأصبح المنهج مليئاً بالأفكار "المؤدلجة” كضرورة الفصل بين الذكر والأنثى مثلاً. أثر ذلك كثيراً على ذائقة الطفل. لو نظرنا إلى النصوص المنشورة للأطفال لما وجدنا سوى تواشيح وابتهالات وقصائد جامدة تخلومن الخيال والعاطفة الجياشة. هذا أثر بشكل كبيرعلى إقبال الطفل على القراءة وعلى التعليم عامة، من هنا سبب تردي التعليم في وطننا العربي. إن مادة القراءة هي أساس التعليم حتى بالنسبة إلى باقي المواد. مناهجنا الحالية تفتقر إلى الإحساس والعاطفة، فضلاً عن أن عباراتها مصوغة بطريقة رسمية جامدة. لننظر مثلاً إلى عبارة مثل "أنا أسكن في منطقة فيها مستوصف وجمعية وصيدلية”. ماذا يستفيد الطفل من هذا الكلام الخالي من أي خيال أو عاطفة أو مضمون؟