يخطف أناس عديدون كل يوم في بغداد. تقطع سيارة الطريق ويخرج المسلحون ويأمرون ضحيتهم بدخول صندوق السيارة. صحيح أن الضحية قد تقاوم قليلاً، لكن ذلك لن يجدي نفعاً. فالخاطفون يحملون البنادق وغالباً يعملون كفريق.

تمنحنا قصة علي، مسلم شيعي هرب من خاطفيه، نظرة فريدة إلى الخطط التي يعتمدها الخاطفون والضحية فيما يحاول كل منهما خداع الآخر.

Ad

صارت عمليات الخطف شائعة جداً حتى إن شركة التأمين الوطنية التي تديرها الدولة بدأت في شهر مايو تغطي عمليات الخطف في بوالص التأمين على الحياة، مقدمة مبالغ مالية في حال وفاة المخطوف أو تعرضه لإصابة.

يقول رئيس احدى الشركات صادق خفاجي: «ثمة حلقة مفقودة. نحن بكل بساطة أضفنا تلك الحلقة المفقودة».

ويعكس تفشي ظاهرة الخطف عجز عشرات آلاف الجنود الأميركيين والعراقيين عن فرض الأمن في شوارع بغداد، فضلاً عن عجزهم في وقف التفجيرات والعمليات الإرهابية.

يؤكد وزير الداخلية، الذي يشرف على عمل الشرطة العراقية إن ما لا يقل عن 188 عملية خطف جرى الإبلاغ عنها في بغداد هذه السنة بدءاً من الأول من يوليو، لكن خبراء الأمن الأميركيين والعراقيين يظنون أن العدد الفعلي أعلى بكثير على الأرجح لأن عراقيين كثرا لا يبلّغون عن عمليات الخطف بسبب قلة ثقتهم في قوة الأمن وخوفهم من أن يقدم الخاطفون على قتل ضحاياهم إذا طلبوا المساعدة من الجنود أو الشرطة.

غالباً ما يكون هدف بعض هذه العمليات الحصول على فدية. كذلك ينفذ المجاهدون الإسلاميون عمليات خطف لأنهم يعتبرون أن الأساتذة والصحافيين والنساء العاملات وغيرهم من الطبقة المثقفة في العراق يتبعون نمط حياة نجساً.

أعلنت شركة خفاجي الشهر الماضي عن حسم خاص لأساتذة الجامعات لأنهم من أكثر زبائنها عرضة للخطر. وتهدف الشركة من هذه المبادرة إلى إقناعهم بالبقاء في البلد فلا يساهموا في «هجرة الأدمغة» التي يعانيها العراق حالياً.

يقول خفاجي: «نعتبرهم كنزاً وطنياً ونريد أن يبقوا في الوطن».

عمليات خطف طائفية

وعلى غرار علي، يتعرض كثيرون للخطف بسبب الكره الطائفي بين السنة والشيعة. هذا ما يميز أعمال العنف في العراق عنها في معظم البلدان التي تجتاحها الحروب الأهلية.

«لا يعني ذلك أن بلداناً أخرى لم تشهد هذا المقدار من القتل الطائفي. ولكن لم يسبق أن رأينا هذا العدد الهائل من عمليات اختطاف الأفراد كما يحدث في العراق اليوم»، على حد قول بريان مايكل جنكنز، خبير في شؤون الإرهاب من مؤسسة راند.

قد ينجو مَن خُطفوا بهدف الحصول على فدية في حال دفعت عائلاتهم المبلغ المطلوب. فالخاطفون يدركون جيداً أنهم إذا قتلوا الكثير من الضحايا بعد ان تدفع عائلاتهم الفدية، فسيتوقف الناس عن الدفع، ما يجعلهم عاطلين من العمل.

لكن عمليات الخطف الطائفي مختلفة تماماً، إذ تسيطر على الخاطفين الرغبة في معاقبة الناس بسبب معتقداتهم الدينية. وفي هذه الحالة، قلّما يبقى المخطوفون على قيد الحياة.

يوضح جينكنز: «لا تعود الضحية رهينة يمكن استخدامها كورق للتفاوض. فالضحية هي ضحية فحسب».

الضحية المثالية

قد يبدو علي الضحية المثالية التي تلفت انتباه الخاطفين. فهو ليس غنياً أو ناشطاً دينياً أو سياسياً. وكان يعيش بسلام في الحي نفسه منذ سنوات. إنه في الرابعة والخمسين من عمره، متزوج، له ثلاثة أبناء وابنتان، ويعمل سائقاً في إحدى الوزارات، لكن زوجة علي سنية ويقع منزله في مقاطعة السيدية في بغداد ذات الأغلبية السنية.

في الحادي عشر من يونيو، خرج علي من منزله نحو الساعة السابعة صباحاً لقضاء حاجة. ما كادت سيارته تبتعد عن المنزل أكثر من بضعة أمتار حتى اعترضت سيارة أخرى طريقه وخرج منها خمسة رجال.

بدوا رجالاً لطفاء لو لم يكونوا يحملون بنادق رشاشة.

يقول علي: «لم يكونوا مقنعين. كانوا حليقي الذقن ويرتدون سراويل وسترات. فبدو لي أنيقين ووسماء».

ظن علي أنهم يريدون سرقة سيارته وماله.

لكنهم أمروه أن يركب سيارتهم. فقد ادعوا أنهم يريدون أن يطرحوا عليه بضعة أسئلة.

ثم أدرك علي ما يحدث: «عرفت أنني على وشك أن أختطف».

بدأ يجادلهم بصوت مرتفع على أمل أن يلفت انتباه الناس إليه. لكن أحداً لم يعبأ بما يحدث. وحتى لو اكترث، ما كان ليجرؤ على التدخل نظراً إلى خطورة الوضع.

يتابع علي: «قلت لهم: اقتلوني هنا، لن أذهب معكم». وعرض عليهم أن يأخذوا سيارته أو أي من مقتنياته.

رفضوا وراحوا يكررون: «نريد فقط أن نطرح عليك بضعة أسئلة».

فتح أحد الرجال صندوق السيارة، بينما بدأ الآخرون يضربون علي ببنادقهم. وبما أنه بدا عنيداً جداً، حملوه ورموا به على المقعد الخلفي. فقد أدركوا أن «علي» لن يبقى هادئاً في صندوق السيارة. وإذا بدأ يدق على جوانب الصندوق، فقد يلفت الانتباه.

ثم عصبوا عينيه وكبّلوا معصميه.

أنا أيضاً سُني

عَلم علي أن خاطفيه هم على الأرجح من السنة لأن المتمردين كانوا يحاولون طرد كل الشيعة من الحي الذي يسكنه. لذلك اعتمدت نجاته على إقناعهم بأنه هو أيضاً سُني.

عندما توقفت السيارة، اقتادوا «علي» إلى بيت وبدؤوا باستجوابه.

لم يكن علي يحمل معه بطاقة الهوية التي تذكر اسم العشيرة التي ينتمي إليها، ما يحدد بالتالي مذهبه. يخبر: «سألوني: «هل أنت شيعي أم سُني»؟، فأخبرتهم في الحال أنني سُني».

سألوه عن اسم عشيرته، فأجابهم أنه حمداني، وهي عشيرة زوجته السنية. فسألوه عن مسقط رأسه، فقال لهم علي انه من اليوسفية، وهي بلدة زراعية في منطقة أغلبية سكانها من السنة جنوب بغداد. ثم أمطروه بالأسئلة عن شيوخ العشيرة وغيرها من التفاصيل بغية الإيقاع به.

شعر بالارتياح لأنه نسي هاتفه الخلوي في المنزل. فكان من الممكن أن تفضح الأسماء المسجلة عليه هويته الحقيقية.

لكن الخاطفين لم يقتنعوا بما قاله. فوضع أحدهم سكيناً على عنقه وسحبه محدثاً خدشاً بسيطاً، في حين وضع خاطف آخر مسن السكاكين قرب أذنه وراح يسن نصل السكين.

يتابع علي «قال أحدهم سنخرج لنسأل في الجوار عن هويتك. وإذا تبين لنا أنك شيعي، فسنقتلك. ستموت ميتة بشعة».

استمر الاستجواب ساعتين ولم يبدل علي أقواله.

فجأة، اقتيد بطريقة عنيفة إلى خارج المنزل ونقل هو ومخطوفون آخرون إلى مسكن آخر. ووضع كل منهم في غرفة منفصلة في الطابق العلوي.

حان وقت الهرب

عندما شعر علي أنه وحده، رفع العصبة عن عينيه ما يكفي ليرى أين وضع. كانت الغرفة قذرة وتحتوي علي القليل من الأثاث. فرجّح أن يكون هذا منزل عائلة شيعية طُردت من المنطقة. كان بإمكانه أن يسمع الآخرين ينادون واحدهم الآخر. فاستنتج أن ثمة مخطوفين آخرين.

يقول علي: «فقدت الأمل». فكان يعرف أن خاطفيه سيكتشفون هويته ما إن ينزلوا إلى الشارع ويسألوا بعض الناس. ويضيف: «قلت لنفسي إنني سأقتل لا محالة. لذلك استنتجت أن خلاصي الوحيد هو الهرب».

أعاد العصبة على عينيه وبدأ يخطط للهرب.

ثم راح ينتظر.

ويتابع علي «في ساعة متأخرة قبيل طلوع الفجر، شعرت أنهم غفوا. فكان الهدوء يخيم».

نجح في تحرير يديه قليلاً واستخدم أصابعه ليحل الرباط عن يديه. ثم رفع العصبة عن عينيه وتسلل إلى الغرف الأخرى في الطابق العلوي ليساعد المخطوفين الآخرين.

وهو يحل وثاقهم راح يقول لهم: «سوف نُقتل، هذه فرصتنا الأخيرة للنجاة».

نزل الرجال الثلاثة معاً السلالم بهدوء. وذهلوا حين رأوا المفتاح في قفل الباب الخارجي. ففتحوه بحذر كي لا يُصدر أي صوت. وفي الخارج ساعدوا واحدهم الآخر على تسلّق سور الحديقة كي يتجنبوا الأصوات التي قد تصدرها البوابة الحديدية المؤدية إلى الشارع.

ومع بزوغ الفجر هربوا.

ذكريات أليمة

طوال أشهر، كان علي يتجاهل نصائح بعض أقاربه الذين طلبوا منه تغيير مكان سكنه. فلم تكن الطائفية يوماً مشكلة في حيّه. كما أنه لا يملك ما يكفي من المال ليستأجر منزلاً في مكان آخر.

يوضح: «لم أشعر بالخوف إلى أن مررت بهذه المحنة».

في اليوم التالي، انتقل علي وعائلته للعيش مع بعض الأقارب في مقاطعة شيعية.

بعد الليلة الأولى التي أمضاها في المنزل الجديد، استيقظ صباحاً وهو يرتعد خوفاً.

يخبر: «ظننت أنني مازلت في منزل الخاطفين حتى سمعت صوت أولادي في منزل الأقارب. أشكر الله على عودتي سالماً».

ساهم صحافيو التايمز محمد رشيد وسيف حميد وسعيد رفاعي في إعداد هذا التقرير.

العودة الى المنزل

يقول علي: «جرى كل شيء وكأنني في حلم. لم أستطع أن أصدق أنني فعلت ذلك».

بعد بضع دقائق، وجدوا فرق إطفاء في الحي فأدخلهم رجال الإطفاء إلى مركزهم.

جاء الجنود واصطحبوا الرجال الثلاثة إلى مقرهم. في خضم كل هذه المعمعة، لم يتحقق أي من الرجال الثلاثة من عنوان المنزل حيث كانوا محتجزين. فما كان من سبيل إلى اقتفاء أثر المختطفين. ويخبر علي أن أحد الرجلين اللذين كانا مخطوفين معه كان سنياً والآخر شيعياً، وهذا كل ما يعرفه عنهما.

نحو الساعة التاسعة والنصف صباحاً، أي بعد مرور أكثر من 24 ساعة على اختطافه، عاد علي إلى منزله حيث عاش طوال 11 سنة بسلام مع جيرانه السنة.

ظنت عائلته أنه قُتل وكانوا يعدون لإقامة الصلوات على روحه.