لدى مجالستها تعجز عن وضع توصيف محدد لها. شاعرة وإذاعية وسيدة أعمال ومصممة أزياء ومجوهرات وديكور! لكن ما أن تبدأ في محادثتها تكتشف للتو أنها جبل من الشعر العربي الأصيل وأن شاعريتها حولتها إلى مبدعة في مختلف مجالات الإبداع، ذات حس عالٍ، متعددة الموهبة، تشبه إلى حد كبير الأديبة الأميركية المعروفة آن تيللر التي تجمع بين الأدب والفن التشكيلي وموهبة الموسيقي.
إنها الكاتبة والشاعرة السعودية المعروفة شفيقة الجزار المقيمة بصفة دائمة في القاهرة منذ نحو 17 عاماً. التقتها «الجريدة» لمحادثتها حول كتاباتها النقدية الساخرة ومناوشاتها مع الكاتب السعودي الكبير عبد الله الجفري، كاشفة أنها أول من أدخل الآلة الكاتبة للسيدات في المملكة لذا أدرج اسمها في كتاب «مشاهير العالم».كيف جمعت بين الكتابة الأدبية والشعر والفن التشكيلي وتصميم الأزياء في بوتقة واحدة؟أنا عاشقة لكل ألوان الفنون. أمارسها جميعاً بحس ورغبة صادقة في العمل. لينجز الإنسان عملاً جميلاً عليه أولاً أن يتعامل مع كل شيء حوله بشفافية وصفاء روحي. هذه الأشياء كلها تعلمتها وعاشت في وجداني منذ سنوات عمري الأولى فوالدي، رحمه الله، هو الشاعر عبد القادر الجزار، كذلك عمي وزوجي، رحمه الله. الشعر هو أساس الشعور. نشأت في هذا الجو الذي انعكس على حياتي بعامّة في ما بعد فصرت شفيقة الجزار التي تحمل في جعبتها كل هذه المواهب والأحاسيس.هل تتناولين في شعرك قضايا المرأة فحسب؟لديّ أربعة دواوين هي» أنا التي خلقت أنثى»، «ومضات أنثى»، «همسات أنثى» و{نسائيات». لكن رغم ما توحيه هذه العناوين لا أكتب عن الأنثى فحسب بل أيضاً عن الأبناء لأنني أم وعن الأزواج وحياتهم الأسرية والاجتماعية وعن الرجل بعامة.ما حكاية المناوشات الفكرية والأدبية بينك وبين الكاتب المعروف عبد الله الجفري؟(تضحك) كان عبد الله الجفري منحازاً الى الرجل تحت عنوان «العالم رجل» ورددت عليه بالقول: « قالوا العالم رجل, قلت بل العالم اثنان، الله الله على الحق، والحق الله الله عليه، ومن يزعل يرجع الحق عليه. العالم رجل، أفي عقر داري تنفي وجودي في الحياة، كأني لم أكن إنسانة. إن العالم رجل وامرأة يكمل كل منهما الثاني. ليتك يا بو وجدي تفسر ما تقصد من معانٍ أما ردي فهو دستور الحياة (وخلقنا من كل زوجين اثنين) كلام واضح وصريح المعاني، ما أحد يقدر يقول فيه كاني ولاماني».أعلم أيضاً أنك رددت على الاستاذ الجفري حين شبّه المرأة بالمركبة الفضائية «أبوللو» فماذا قلت رداً عليه؟كتب هو: «أنت كما أبوللو، صعدت إلى السماء وانشطرت إلى جزءين، صعد الرواد إلى ظهرك، كنت الأداة الكبرى بلا شك ولكن كم تمنيت أن تقومي بكل شيء وحدك، فهذه طبيعة المرأة المكابرة». وعلقت على ذلك قائلة: «أنا وإن كنت أبوللو، فإنما أنت شالنجر له غموض الرجال، كتم في نفسه الأخطاء وصعد بها إلى السماء لينفجر ذلك المكوك ويحترق ويحرق ما فيه من رجال ونساء وكي لا تتكرر الأخطاء كفاك كبرياء!».لكن جميع النساء اللاتي يكتبن عن المرأة ينحزن اليها بشكل أعمى. أنتِ ماذا تفعلين؟لا أنحاز الى المرأة انحيازاً أعمى وأؤكد على أن العلاقة بين الرجل والمرأة تكاملية. إني دائماً في صف الحق ولا أعتمد طريقة الكتابة الهجومية لمجرد الظهور كما يفعل البعض، بل أؤمن بأن الكلمة الصادقة تصل الى القراء.لِم تقلّص في رأيك عدد الشاعرات الخليجيات في السنوات الأخيرة؟هذا الكلام غير صحيح، فكثير من الشاعرات لا يضعن أسماءهن لأن معظمهن يكتب في الرومانسية. ربما هذا ما آخذه عليهن، لأن من الضروري للمبدع أن ينوع إنتاجه ويكتب في كل الأغراض الشعرية ولا يقتصر على جانب واحد فحسب. فالأغراض الأدبية كثيرة والواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الأمة الآن يجعلنا نكتب في هذه التفاصيل ونتناولها نقداً وتحليلاً عبر نصوص أدبية رشيقة تحمل مضموناً ورسالة.هل لاقت تجربتك الخاصة في الكتابة الساخرة قبولاً لدى الناقد والمتلقي؟الحمد لله استطعت من خلال كتاباتي النقدية الساخرة أن أصنع لنفسي بصمة في عالم الكتابة وتجربتي ناجحة بشهادة القراء والنقاد على حد سواء إذ أتحدث عن مشاكل وأقدم الحل في أسلوب نقدي تهكمي ساخر وفي سياق اجتماعي قريب من المواطن العربي البسيط، حتى أن النقاد قالوا إنني أكتب السهل الممتنع وأتميز بالمزج بين الفصحى والعامية.إلامَ تسعين في كتاباتك؟أحاول أن تصل كتاباتي الى الطبقة الهامشية في المجتمع العربي من البسطاء وغير المثقفين. هذه الطبقة مهملة إلى حد كبير ولا يهتم بها المبدعون في كثير من الأحيان.إقامتك في القاهرة منذ أكثر من 17 عاماً كان مفترضاً أن توسع دائرة شهرتك الأدبية.كلامك هذا ينطوي على درجة كبيرة من الصحة والصواب فمصر هي ملتقى كبير لسائر المبدعين العرب، لكن لا أحب بطبعي أن أفرض نفسي على أحد فمن يدعوني الى المشاركة في أي فعاليات ثقافية لا أتردد ويحدث ذلك كثيراً. لكن أن أسعى الى الانتشار بفرض نفسي على الساحة الأدبية في مصر، هذا ليس من طبعي.هل هذه كبرياء؟ليس كبرياء بل خجل فأنا مقلة لكني حاضرة دائماً ولي حضوري الفاعل في المناسبات الأدبية المهمة. لعلي معروفة في مصر أكثر من بلدي السعودية بسبب إقامتي في القاهرة على امتداد 17 عاماً. إحدى الباحثات السعوديات وضعت رسالة ماجستير حول إبداعي كامرأة حجازية وكتبت المترجمة الأميركية ميريام كوك عني وترجمت لي ثلاث قصائد في أميركا وحدث ذلك بالمصادفة من دون تنسيق مسبق معها فأنا لا أعرفها في الحقيقة.كيف ترجمت قصائدك في أميركا من غير علمك؟اكتشف زوج ابنتي ذلك بالمصادفة في أحد الكتب، حتى أنه داعب ابنتي قائلاً لها: «لم أكن أعلم أن حماتي مشهورة إلى هذه الدرجة»!هل صحيح أنك أول سيدة أعمال سعودية؟ صحيح. اكتسبت مهارة تصميم الأزياء طوال سنوات فأنا سيدة الأعمال السعودية الأولى وأول من أدخل الملابس الجاهزة الى السعودية وهذا مسجل في الغرفة التجارية السعودية. كما أنني أول من أدخل الآلة الكاتبة للسيدات في المملكة وأدرج اسمي في كتاب «مشاهير العالم» بسبب هذا الأمر.ما علاقتك بالفن التشكيلي؟كل شيء في منزلي من تصميمي. حتى الديكورات أصممها بنفسي وأنا عاشقة للفنون الجميلة كافة. لم أعتمد في حياتي على مهندس ديكور بل أصمم كل شيء بنفسي من المجوهرات الى الحلي وأبتكر الأعمال التشكيلية. أفعل ذلك منفردة وأجد فيه متعة خاصة وفرصة لاستثمار وقت فراغي.ما رأيك في انتشار ظاهرة «المتشاعرات» على الساحة الإبداعية الآن؟سأرد بعبارة واحدة: «هي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالاً»!أين دور النقد من هذه الظاهرة الخطيرة؟هناك، وللأسف، فئة مأجورة من النقاد تصفق لتجارب شعرية نسائية ضعيفة لا وزن لها. لكن الأيام أثبتت أن هذه التجارب المهترئة مثل فقاعات الصابون سرعان ما تختفي وتذوب في الهواء. الحمد لله، لم أدفع مليماً واحداً لأي ناقد ليكتب عني.لو التقيت الكاتب الكبير عبدالله الجفري، في أي اتجاه سيسير الحوار بينكما؟أحترم هذا الكاتب الكبير وأقدّره وما يحدث بيننا مجرد مناوشات ويشرفني أن ألتقيه. المسألة كلها تتلخص في أن كتاباته تستفزني وتحرك فيّ ملكة الإبداع فأمسك بقلمي وأرد على ما يكتبه. إنها ظاهرة صحية في الأدب. عبد الله الجفري كاتب كبير له وزنه وحضوره الإبداعي ويسعدني أن ألتقيه.
توابل - ثقافات
الشاعرة السعودية شفيقة الجزّار: لا أنحاز الى المرأة بصورة عمياء
12-09-2007