الدعوات النيابية إلى الفصل بين الجنسين ومنع التعليم المشترك في المدارس والجامعات الخاصة، أفضت إلى ردود أفعال واسعة، بدأت برفض التدخلات في الحريات الشخصية، بما أن اختيار التعليم خيار شخصي، وصولاً إلى حشد الطاقات والمطالبة بالوقوف صفاً واحداً أمام محاولات «عزل» المجتمع عن محيطه العالمي، والتنديد بالتصريحات المشككة في أخلاق الطلاب والسعي إلى الإساءة إليهم، عبر التبريرات التي يسوقها بعض النواب لتمرير القانون بأي ثمن، حتى لو كان على حساب الحقيقة، والدفع في اتجاهات تؤدي إلى انقسام المجتمع.

Ad

لعل الآراء الموجودة، التي جاءت من متخصصين، ومراقبين، وشباب، جميعهم على صلة بالتعليم المشترك، سواء كانوا مسؤولين أو طلاباً أو أولياء أمور، يقربون لنا الصورة الحقيقية من دعوات وقف التعليم المشترك وتسميته تزييفا «منع الاختلاط»، والتي تؤكد الشهادات المنقولة هنا مدى تهافتها، والافتعال في تناولها من قبل بعض النواب والمتطرفين الداعمين لهم، لتأصيل فكرة غير حقيقية عن هذا النوع من التعليم، وإظهاره بصورة مغايرة للواقع، وربما سنجد بعض التعليقات التي تفضح ما يريده البعض، وتبين أهداف القرار، وفق رؤية نقية وطاهرة، عبّر عنها الشباب بصورة خاصة.

دعت أمل الغانم إلى «رفض ما يطرح على الساحة من محاولات للتضييق على الحريات، والحديث عن تعارض التعليم المشترك مع العادات والتقاليد مفتعل وغير صحيح، فالجامعة التي شيدت في الستينيات منذ نشأتها بدأت بالتعليم المشترك»، وحضت الغانم «كل صاحب فكر مستنير أن يتخذ موقفا بعدم تطبيق الفصل بين الجنسين، ومساندة النواب الثلاثة، والالتفاف حولهم، وتشكيل قوى ضاغطة لانجاح المشروع، ففي تاريخ المجتمعات لا يمكن تحقيق أي مكاسب من دون خطوات مدروسة، لانها لا تعطى على طبق من ذهب». وأضافت «حان الوقت أن نتكلم وكفانا سكوتا. ولدي ايمان مطلق بأبناء بلدي وقدرتهم على النهوض بالمجتمع، ووضعه على الطريق الصحيح، فالذين خططوا ووضعوا الدستور الذي حمى البلاد في أحلك الظروف، بإمكانهم توجيه البلاد نحو الأفضل وإعادة الكويت الى عصرها الذهبي».

مسلسل

قالت لبنى سيف عباس ان الدستور الكويتي أعطى الحرية إلى الجميع، فمن يرفض التعليم المشترك فليختر المدرسة الملائمة، من دون ان يفرض على الآخرين خياراته، ولعل السؤال الأهم هو، اذا بدأنا بالمدارس أين سينتهي بنا الأمر؟ واعتبرت ان ما يحدث «استمرار لمسلسل التضييق على المجتمع وحجر الحريات، كما حصل في القانون الذي يمنع النساء من الخروج بعد الثامنة مساء».

وأضافت «تاريخ الكويت يؤكد أن العلاقة بين أفراد المجتمع الكويتي مبنية على الاحترام، والجامعة كانت مختلطة منذ تأسيسها، فهل سنأتي الآن ونضع ستارة بين الطلبة، يجب أن يتعلم الطلبة معا، ويتعلمون كيف يتفاعلون معاً بطريقة حضارية، لأن هذا الوطن سنبنيه معا، وعلينا التركيز على أمور أخرى، كالمناهج وجودة التعليم، بدلا من الحديث عن مشكلات غير موجودة إلا في عقول البعض»، وتساءلت باستنكار «ما علاقة الاختلاط بأي تجاوزات قد تحصل في أي مكان؟، فما يحدث من أخطاء يعود الى العلاقات الاجتماعية التي نشأ عليها الفرد، وهذه مجرد ذرائع، ما يحدث هو محاولة من بعض التيارات للسيطرة على المجتمع ومحاولة فرض الوصاية عليه».

قوى طالبان

علي المليفي يرى أن هدف التيار الاسلامي «تحويل الكويت الى دولة طالبانية يحكمونها، وفق مسلسل مدروس، خطوة بخطوة، فاليوم يمنعون التعليم المشترك، وغدا يحولون الجامعة الى جامعتين، ثم يقولون ان العمل للرجل فقط، والمرأة يجب أن تبقى في البيت». وأكد أن «الأغلبية الصامتة في الكويت لن تبقى صامتة بعد الآن، ويجب أن ننظم أنفسنا لمواجهة القوى الطالبانية. وسنعيد حساباتنا في الانتخابات المقبلة، فلا نصوت للأسماء بل للمنهج».

وزاد المليفي «يجب أن نعوّل على الحركة الشبابية، فهي التيار الذي سيغير تفكير المجتمع، ولكن لابد من الحشد والتنظيم، وتحريك الاغلبية الصامتة واستقطابها، كي تصرخ بأعلى صوتها لوقف المد الطالباني، ومحاولات تأطير المجتمع ونزع حرياته وكينونته، وهي مهمة ليست مستحيلة متى ما اتحدت قوى المجتمع المستنيرة».

قرار سياسي

ويؤكد عبدالله الباتل أن قرار منع الاختلاط في المدارس والجامعات الخاصة يعتبر قراراً سياسياً 100 في المئة، لافتا الى أن الاختلاط بين الجنسين أمر واقع وحاصل في سوق العمل والأسواق وجميع الأماكن العامة في الكويت، وبالتالي تطبيق مثل هذا القرار في المؤسسات التعليمية سيتسبب في تحميل الدولة أعباء مالية اضافية، لكونها ستكون مرغمة على توفير عدد مضاعف من المدرسين، وكذلك المؤسسات التعليمية الخاصة التي ستعكس هذه التكاليف على أولياء الأمور!

وتقول سلاف الخالد ان قرار منع الاختلاط في المؤسسات التعليمية بشكل عام يزرع في نفوس الشباب الشعور بأنهم يعيشون في مجتمع أحادي، مؤكدة أن تربية الأبناء منذ الصغر على الاخلاق والقيم الأصيلة ستكفل لهم مساعدتهم في التعامل مع الجنس الآخر على أساس الاحترام المتبادل. وطالبت الخالد نواب مجلس الأمة بالتركيز على تبني القوانين التي تحقق المصلحة العامة، التي تعود بالفائدة على الوطن والمواطن،

العودة إلى الخلف

واستغربت لطيفة النصار من وجود من ينادي بمنع الاختلاط في المؤسسات التعليمية بحجة أن ذلك يتعارض مع العادات والتقاليد الكويتية، مؤكدة أن رجال ونساء الكويت تعلموا وتخرجوا في مؤسسات تعليمية مختلطة، فأي عادات وتقاليد تلك التي يتحدثون عنها؟

وتضيف النصار أن أبناء الكويت اعتادوا على نظام تعليمي معين، وبالتالي من الظلم اجبارهم على التقيد بنظام واحد فقط، مشيرة الى ضرورة أن تتقدم الكويت بشكل عام والمؤسسات التعليمية فيها إلى الأمام وليس الى الخلف كما هو حاصل حالياً.

وتؤكد شفاء عبدالله أن نظام التعليم المشترك يخدم العملية التعليمية ولا يعرقلها كما يحاول البعض تصويره، لافتة الى انه يساهم الى حد كبير في توسعة الأفق لدى الطلبة ويقوي شخصيتهم ويغرس فيهم مبادئ وقيما تحثهم على احترام الطرف الآخر.

وتشير «عبدالله» إلى أن قرار منع الاختلاط في المؤسسات التعليمية الخاصة يتعارض مع الدستور والقوانين العامة في الدولة، مؤكدة ان هذه القضية سياسية ولا تمت للدين بأي صلة، كما ان الدستور الكويتي كفل حرية التعليم للمواطنين، كما كفل لهم الكثير من الحريات الأخرى، لذلك نتوقع من المحكمة الدستورية أن تحسم هذا الموضوع وتعيد الأمور الى الوضع الصحيح.

احترام متبادل

وتؤكد الطالبة أنوار المحميد أن التعليم المشترك ليس له أي تأثير سلبي في الطلبة، لافتة الى أن هذا النظام من التعليم يساعد في صقل شخصية الطالب من خلال التعلم، كيف يتعامل الزملاء مع بعضهم البعض وفق اطار الزمالة والاحترام المتبادل، الأمر الذي سيخلق جوا أسريا حميما بين الطلبة.

وذكرت المحميد أن المؤسسات التعليمية الكويتية التي تنتهج نظام التعليم المشترك تجد الطلبة يجلسون في جانب والطالبات في الجانب الآخر، لافتة الى ان مثل هذا الوضع لا يحدث في الجامعات الأجنبية المخلتطة، لذلك لا يوجد ما يبرر تشدد البعض في هذه القضية.

الشاب عبدالعزيز المعجل شدد على أنه يؤيد التعليم المشترك، لأن ما يسمونه منع الاختلاط يخلق حاجزا بين الجنسين، كذلك ترسيخه لفكرة خاطئة، ان العلاقة بين الرجل والمرأة مجرد علاقة جنسية، وتساءل هل يريدون الفصل التام بين الجنسين، بينما نحن معا في كل مكان، طوال حياتنا درسنا في جامعات مختلطة، وتخرج فيها نخبة المجتمع الكويتي، لكن ما يحدث هو محاولة لحجر الحريات.

قوى متنفذة

حصة المغني قالت ان تجربتها في التعليم المشترك أفادتها كثيرا «لأنه يساعد على معرفة الطرف الاخر الذي سنتعاطى معه مستقبلا، وما يحدث لا علاقة له بالتربية والتعليم أو الدين، بل عمل سياسي على حساب المجتمع وحريته وتقدمه، ويبدو لي أن قوى متنفذة من خارج المجلس تحاول فرض أجندتها على المجتمع».

الطالب مهدي العون أكد ضرورة «التصدي لمحاولات التضييق على المجتمع»، وقال «وفق تجربتي أُفضل المدارس المشتركة، خصوصا أنني درست في النظامين، بدأت في المدارس الحكومية غير المشتركة، ولاحظت أن الجو التعليمي فيها غير مفيد، أما في المدارس المشتركة فتوجد روح المنافسة بين الجنسين والتفاعل مع الآخر، لاسيما ان كلينا سينتقل الى العمل معا في المستقبل، عدا أن الرجل والمرأة يشكلان امتداداً طبيعياً لسيرورة الحياة، بينما عزل الجنسين هو الذي سيؤدي الى وقوع المشكلات».

ورأى في الدعوة الى عزل الجنسين «مغالاة»، واعتبر «الحديث عن مساوئ مفترضة عند اجتماع الجنسين مجرد تبريرات واهية من عقول مريضة»، وقال «تؤذيني هذه المسألة، عندما ينظر إلينا كأشخاص متوحشين، بينما علينا أن نكون في مستوى الاتجاهات العالمية التي تنزع نحو العولمة، وتسقط أي فوارق بين البشر، وإذا بقينا نناقش قضايا ليست أساسية، فنحن نضيع وقتنا ونخسر فرصتنا في المنافسة في عالم متحفز وخلاق».

تقسيم المجتمع

رفضت الشابة فاطمة القطان «الدعوات المتطرفة إلى عزل الجنسين، وتكريس صورة زائفة ومختلقة عن غرائزية الشباب الكويتي وقالت «بالنسبة إلي كامرأة سأقاتل للحفاظ على كينونتي وموقعي في المجتمع، ومواجهة كل المحاولات التي تصور المرأة عنصراً ناقص الأهلية، يجب أن نثبت أن الكويت يمكن أن تتقدم وتنجح وتحتفظ لنفسها بمكانة لائقة بين الأمم، وهذا لن يتحقق بالدعوة الى تقسيم المجتمع».

ودعت الى التركيز على قضايا أهم، ما يحصل من بعض النواب في مجلس الأمة يبدو منافيا لدورهم المفترض في النهوض بالشعب ومساعدته، بدلا من وضع العراقيل أمامه، أشعر بالاستياء مما يحصل، لماذا هذا الاستنفار المجتمعي لقضايا تبدو لي مفتعلة، ينبغي أن نعمل بصورة مختلفة لمواكبة الدول الأخرى، بدلا من محاولة تعطيل طموحات الشعب ودفعهم الى الاحباط».

قرار التعليم الخاص... اجتهاد مصلحي

أكدت مصادر في إدارة التعليم الخاص في وزارة التربية أن القرار الذي أرسل الى المدارس الخاصة أخيرا، ودعوتها الى فصل الجنسين حتى في الانشطة الطلابية «لا علاقة له بأي قرارات وزارية، سواء من جانب وزارة التربية أو مجلس الوكلاء، إنما جاء وفق اجتهادات شخصية من بعض العاملين في ادارة التعليم الخاص، لإرضاء بعض التيارات الاسلامية».

جيل يثق بنفسه ويحترم الآخر

مسؤول في مدرسة خاصة قال إن المدرسة التي يديرها لديها «رخصة للتعليم المشترك على أساس النظام البريطاني، وهي تتعارض مع الدعوات التي تنادي بتطبيق قانون منع الاختلاط، لأنه لا يتناسب مع ترخيص المدرسة» واعتبر قرار وقف التعليم المشترك «غير عملي وغير منطقي عدا تكاليفه المالية الباهضة» وقال «كقطاع خاص نحن غير قادرين على تحمل كلفته، من مبان جديدة لفصل الطلاب، وكادر المعلمين، لهذا من الصعب تطبيقه، لكننا على أي حال نسعى الى إيجاد تفاهمات مع وزارة التربية للوصول الى نتيجة مرضية».

ورأى أن «القضية سياسية، وما يحدث لا يمت للتربية بصلة، التعليم الخاص موجود في الكويت منذ الستينيات، وأولياء الأمور اختاروا لأبنائهم هذا النوع من التعليم بمحض ارادتهم، ولم تحصل أي تجاوزات اخلاقية كما يجري الترويج الآن، وهي موجودة في فكر من المعارضين، لأن الهدف الأسمى في المدارس ذات التعليم المشترك هو بعث الثقة بين الاشخاص، واعداد جيل يثق بنفسه ويحترم الآخر، وينظر إلى الناحية العقلية وليس الجنسية، بينما القرار المطروح سيؤثر في أولادنا وبناتنا في حال تطبيقه بمنطق المشككين، وسينعكس سلبا على شخصياتهم».