Ad

لو نظرنا إلى هذه العمليات كفعل لوجدنا أن هذا الفعل يرتكز على عقيدتين أساسيتين: إيمانية ووطنية، أما الإيمانية ففكّر هؤلاء الاستشهاديون أنهم يتقربون إلى الله بأرواحهم وأجسادهم، وأما العقيدة الوطنية فهي إيمان هؤلاء بأن هذا الوطن وطنهم والأرض أرضهم ولا سبيل لتحريرها إلا ببذل المزيد من الدماء.

هل فوجئت؟ نعم %100. هل أعجبتك؟ %90. هل فرحت؟ %80

أزعم أن الإجابات السابقة هي لسان حال الكثيرين بعد عملية المعهد الديني الأخيرة في القدس التي أدت إلى مقتل وإصابة أكثر من 40 إسرائيلياً، وبالنسبة للمفاجأة فقد كانت عامة وشاملة لم تستثن البعيد ولا القريب ولا العدو أو الصديق، فقد تمت في وقت اعتقد الجميع نهاية هذه العمليات خاصة في قلب القدس، وأما الإعجاب فيُنتقص منه الخلاف حول المكان الذي يجب أن تتم فيه مثل هذه العمليات، وأما الفرح فيشوبه النتيجة التي أدت إليها ودورها في حل القضية.

هذه باختصار ردود الفعل حول العملية لو تجاوزناها بتفاصيلها ونتائجها، وحاولنا النظر إلى العمليات الاستشهادية في نظر الكثيرين، والانتحارية في نظر بعضهم، برؤية تحليلية، ورغم الفرق الكبير بين الوصفين الاستشهادي والانتحاري فإننا سنترك ذلك الخلاف جانبا.

يعتقد بعضهم أن العمليات الاستشهادية التي يقوم بها الفلسطينيون داخل الأرض المحتلة ناتجة عن إحساسهم باليأس وانعدام الأمل في مستقبل أفضل ويتبنى هذا الرأي بعض الحكام العرب والقادة الفلسطينيين، لذلك توهم هؤلاء أن الإيحاء بالسلام وتغيير الوضع الاقتصادي ووعود الرخاء ستؤدي أو يجب أن تؤدي إلى وقف تلك العمليات تماما (كما حاول بعضهم سابقا الترويج لكامب ديفيد المصرية بأنها الخلاص من معاناة الحروب والسبيل الوحيد للرخاء)، وذلك الاعتقاد لا سند له في الواقع، والدليل بسيط، فاليأس لا يستقيم تعريفه إلا مع التكرار، فمن يئس من النجاح يعني بالضرورة تكرار فشله ورسوبه ومن يئس من الشفاء يعني تكرار فشل الأطباء في علاجه وهكذا... و لو تأملنا لوجدنا أن أغلبية –إن لم يكن جميع- من يقوم بهذه العمليات في سن الشباب الأول 20-30، وهي سن لا تسمح بتجربة تكرار الفشل وصولا إلى حال اليأس المزعوم، كما أن خبرتهم البسيطة في الحياة لا تسمح لهم باتخاذ هذا القرار اليائس، وإن لم تكن هذه العمليات الاستشهادية نتاج يأس قاتل، فكيف يمكن النظر إليها؟

يمكن اعتبارها كفعل أو رد فعل، والثاني أسهل، فأن نقول إن هذه العملية هي رد فعل غاضب على ما يقوم به العدو الصهيوني من حصار لغزة وقتل للأطفال والنساء وحرائق ومجازر فهذا ما يعتقده الكثيرون وهو مقبول بدرجة ما، ولكن لو نظرنا إلى هذه العمليات كفعل -كي لا نقلل من قيمة الفاعل- لوجدنا أن هذا الفعل يرتكز على عقيدتين أساسيتين: إيمانية ووطنية، أما الإيمانية ففكر هؤلاء الاستشهاديين أنهم يتقربون إلى الله بأرواحهم وأجسادهم، فعقيدة المسلم ورسالة التوحيد تجعل المسلم يحب الله لذاته ويسعى إلى التقرب إليه بشتى الطرق والوسائل، وأعلى مراتب التقرب إلى الله في نظرهم هي التضحية بالروح... قد لا يتقبل بعضهم هذا الرأي، وباعتبار أن الحديث الديني ذو مخاطر، ونظراً لاختلاف الفقهاء حول تقييم هذه العمليات إلى درجة اختلاط الشهيد «المسلم» بالمنتحر «الكافر» لن أزيد وسنكتفي بذلك حرصا على العام والخاص.

والرافد الثاني هو العقيدة الوطنية وهي إيمان هؤلاء بأن هذا الوطن وطنهم والأرض أرضهم ولا سبيل لتحريرها إلا ببذل المزيد من الدماء، وهذا دين المقاومة في كل زمان ومكان من بلد المليون شهيد إلى البوسنة والهرسك فآمنوا أن الوطن يستحق أن تبذل الروح في سبيله.

أعلم أن هذا الرأي لن يعجب المتأمركين العرب وبعض رجال السياسة الواقعية إياها التي تؤمن -على النقيض- أن كل شيء في يد القوى الأجنبية ولا سبيل للحصول عليها إلا بالمزيد من الخنوع والخضوع.

ولو رجعنا إلى المرحلة العمرية التي تميز هؤلاء الاستشهاديين لوجدنا أنها نفس المرحلة التي يتم فيها تكوين فكر الإنسان وعقيدته، مما يؤكد أن هذه العمليات فعل أصلي تمسكاً بالأمل وليست رد فعل تعبيراً عن اليأس، ورغم بُعد المسافة بين اليأس والأمل فإن هناك من يخلط بينهما ربما عن هوى وربما من دون قصد،

ويبقى السؤال: هل ما يحدث يأس قاتل أم أمل مشروع يُروى بالدماء؟