في الوقت الذي تتسعُ فيه الدعوة الى الإقلاع عن التدخين عبر وسائل الإعلام والمؤسسات الصحية والاجتماعية، تتزايد ظاهرة تدخين النارجيلة في المقاهي والمجالس العائلية ولقاءات الأصدقاء في الأماكن العامة.
باتت النارجيلة أو «الشيشة»، كما يسمّونها في مصر وعدد من البلدان العربية، تقليداً رائجاً في هذه البلدان وفي عدد من البلدان الأوروبية التي تتكاثر فيها الجاليات العربية والشرق أوسطية لتصبح «موضة» يقبل عليها الشبّان والفتيات ولتتحول الى ظاهرة لا يمكن إدراجها خارج النزعات الرائجة للكسل والتحرّر (العبثي) اذا لم نقل خارج ظاهرات الإدمان المستحكمة في هذه الأوساط. فإذا كان إدمان السجائر ناجم عن كمية القطران والنيكوتين التي يتنشّقها المدخّن فإن هذه الكمية ستكون مضاعفة لمدخني النارجيلة بحسب برتران دوتزنبيرغ المختص بالأمراض الرئوية.بالطبع سوف تحاول الأقوال الشائعة التي يرددها الشبّان أو مدمنو النارجيلة عامة دحض هذا الرأي من قبيل أن «الماء في النارجيلة يشكّل عامل تنقية للنيكوتين» وأن «كمية التبغ التي يتناولها مدخن النارجيلة يومياً هي أقل من التي يتناولها مدخّن السجائر»... وسواها من الأقاويل الشائعة التي يتداولها مدخنو النارجيلة في لقاءاتهم.مظهر اجتماعي تشكّل الطقوس التي ترافق ممارسة تدخين النارجيلة (طرق الإعداد وأشكال النراجيل وأنواع التبغ ونكهاتها ومواعيد تناولها وحالات الاسترخاء بعد يوم عمل أو بعد وجبة دسمة أوهاماً بالراحة، كما أنها تمنح شعوراً متسامحاً مع الوقت).لذلك فإن مجالس النارجيلة (او الشيشة) لا تنعقد بصورة مرتجلة. على خلاف تدخين السجائر الذي يتمّ عادة بصورة آلية. فإن تدخين النارجيلة يتمّ في أوضاع أكثر رصانة واتزاناً. هنا تبدو الحوارات هادئةً ومتقطعة بين فراغات ومساحات قصيرة من الصمت وتبدو كركرة النراجيل تتمة للأصوات الخافتة والكلام الموجز. كل هذه الطقوس و{التقاليد» تجعل من تدخين النارجيلة أمراً مقبولاً او «محبباً».في البلدان العربية تعيد النرجيلة مظهراً اجتماعياً بدأ يفتقد ملامحه مع ظهور علبة السجائر ثم مع توزّع مجالات العمل وتنوع النشاطات وتبدّل وظائف ومعالم الأمكنة والمناسبات: (الشارع، المقهى، البيت...). هي تعود إذن كشكل فولكلوري لعلاقات اجتماعية وثقافية أخذت في الزوال وإن كنا لا نزال نجد مناخاتها في مساحات ومناسبات محدودة في مجتمعاتنا.مظهر سياحيأما في الغرب (اليونان، فرنسا، بريطانيا، المانيا، كندا...) فيبدو الإقبال على النارجيلة مظهراً سياحياً. فهنا المهاجرون العرب والشرق أوسطيون الذين يستعيدون مشاهد لا تزال تحتلّ مساحة من ذكرياتهم المهدّدة بما يطرأ عليهم من أحوال التبدّل في مختلف مجالات العيش في البلدان التي يقيمون فيها. كما يستعيدون مشاعر بدأت تخمد في العلاقات العابرة خارج مجتمعاتهم.هنا ايضاً أبناء هذه البلدان (بلدان الهجرة) الذين تأسرهم هذه المشاهد بما تُحدثه من خرق لتقاليد عيشهم ونمط حياتهم اليومية، فيعمدون الى الانخراط فيها من باب الفضول او التجربة.بالطبع سوف تلقى هذه المشاهد التي لا تخلو من جاذبية، لما توهم به مجالسها من الألفة والاسترخاء والسكينة، إقبالاً يجعل الشبّان أو المدمنين على تدخين النارجيلة يتغاضون، عن عمدٍ او جهل، عن مضارها. كما سنسمعُ مديحاً لجلسة النارجيلة التي تستغرق «ساعاتٍ قليلة من النهار فتملأ الفراغ او تقلل الملل الذي يصيبُ الواحد بعد دوام العمل».مضار قاتلةإن خطورة تدخين النارجيلة تكمن، في رأي جميع الاختصاصيين، في الأخطاء الشائعة وفي الأوهام التي ينسجها البعض لتبرير إدمانها. الاختصاصيون يصرّون على ضرورة وضع حدّ لهذه الأفكار. وأثبتت التجارب العلمية أن المياه في داخل قارورة النارجيلة، على عكس ما يظن البعض، تجعل الأمر أكثر سوءاً لأن تبريد الدخان يتيح للمدخّن ابتلاع كمية أكبر من الدخان وأن خليط التبغ لنارجيلة واحدة يحتوي على كمية من النيكوتين والقطران التي يحتوي عليها نصف علبة من السجائر (عشر سجائر)، كما أن نسبة المعادن الثقيلة (كالكروم والرصاص...) هي أكثر بكثير في التبغ المحروق بالفحم.من الثابت، كما يؤكد الاختصاصيون أن هذه الطريقة في التدخين تضاعف احتمالات الجلطة والسرطان.ان خطر النارجيلة يبدو مضاعفاً مع تحوّلها الى عادة اجتماعية. فهنا يتم التواطؤ على إخفاء مضارها لتصبح وسيلة للحد من عزلة الأفراد في ظل تطور أنماط غير اجتماعية للتواصل.لقد شاعت ظاهرة النارجيلة في مجالس أبناء الطبقات الميسورة اولاً، ثم تحولت الى ظاهرة عامة ليتسع انتشارها في المقاهي والأندية بين أبناء الطبقة المتوسطة من أصحاب المهن الحرّة والتجار خاصة. إن عودة هذه الظاهرة التي تزدهر في أوساط اجتماعية وعمرية مختلفة ولا سيما في الاوساط الشبابية تعبّر عن خلل فاضح في العلاقات الانسانية التي شهدت تحولاً عميقاً في العقود الثلاثة الاخيرة، كما تعبّر عن حاجات نفسية واجتماعية لن يتم إشباعها بهذا الثمن الباهظ.حول العالم• يتكاثر عدد المطاعم السياحية التي تقدم النارجيلة في لبنان ليبلغ عشرة أضعاف ما كان عليه قبل عشر سنوات.• يعتقد تسعون بالمئة من مدخني النارجيلة في العالم العربي أن مضارها أقل بكثير من مضار التدخين!• فتح في فرنسا حوالى ثلاثماية صالون لتدخين النارجيلة نصفها في باريس.• في المغرب مُنعت النارجيلة في الأماكن العامة منذ عام 2002، إلا أنه لا يزال مسموحاً بها في المطاعم الكبيرة والمؤسسات السياحية.• يتذرع ستون بالمئة من مدخني النارجيلة بأنها احدى الوسائل التي تساعد على الإقلاع عن تدخين السجائر!• في مصر اقترح بعض النواب شطب «الشيشة» من لائحة الخدمات في الفنادق الكبرى.• في تونس مُنع تدخين النارجيلة في الأماكن العامة وعلى «تيراسات» المقاهي.
توابل - علاقات
ظاهرة يتغاضون عن مضارها! النارجيلة... موضة الألفة والإسترخاء
13-11-2007