«لا تستطيع الكلمات كل شيء لكنها تستطيع الكثير»، شعار حثّ الكاتبان جوزيف وكارولين ميسينجر على تأليف كتاب «كلمات نقتل بها أولادنا» الصادر عن دار «فلاماريون»، ركّزا من خلاله على تأثير الكلمات على تشكيل هوية الطفل التي تحكمها تصرفات الوالدين، محاولين الكشف عن العبارات التي يسيء بها الأهل الى اولادهم من دون قصد أحياناً، فيساهمون في شقائهم بدلاً من محاولة إسعادهم.
الكلمة سيف ذو حدين فإما تستعملها للتشذيب والتهذيب، وإما تستخدمها للطعن والتجريح. وتحفل الموسوعات والمؤلفات بما للكلمة من تأثير على البشر، فهي تفعلُ فعل السحر في النفوس، تهدئ الغاضب وتثير الساكن، تحبّب القبيح وتبغض الجميل، تجلب الخير وتزين الشر، وباختصار شديد فإن كلمة واحدة قد تسعد ولدك وأخرى قد تشقيه.تقول الدراسات ان الانسان يتفوه خلال حياته بـ 185 مليون كلمة كمعدل وسطي لعمر 70 عاماً. وهذه الكلمات العادية او الذكية لا تنحصر بدلالاتها المادية فقط، وهي ليست مجرد أصوات تحمل المعاني، بل تحمل ايضاً انفعالاً يُوجه الى المستمع كوخز الإبر او بلسماً شافياً يطيب الجراح.والأمر الاساسي في موضوع الكلام هو كيفية تعاطينا مع اولادنا في أثناء تربيتهم. فغالباً ما يعتمد الاهل الكلام المبطّن، او الخداع، او التلميح، ولا يترددون بعض الاحيان عن الكذب في الوقت الذي يطلبون من اولادهم الطاعة والصدق في كلامهم.ويغيب عن بال الأهل ان الملاحظات التي يوجهونها الى اولادهم سشكل تدريجياً فكرة الولد عن هويته الشخصية، فيضطر الى التعايش مع الصورة التي يكونها عنه والداه فيخسر بذلك جزءاً من مبادراته العفوية والشخصية.كلمات قاتلةعندما نتهم ولدنا بكلمات قاسية كأن نقول له: «أنت لست سوى أناني» حين لا يريد مشاركة أحد في لعبته، او «أنت لن تكون نافعاً في الحساب» إذا تلكأ في أحد التمارين الدراسية، او «لولا وجودك لكانت حياتي أفضل بكثير» عند اجتيازنا ظروفاً مادية صعبة، فإن هذه الأحكام السامة بحقهم تضعهم في إطار من المعاناة يصعب كسره لاحقاً.في تربية الاولاد لا ينفع الخداع ولا الغش الكلامي ولا التأديب الجسدي. والمنطق مع الصغار غير مجد، فالولد يتمتع بطاقة انفعالية ترتكز تصرفاته عليها ولا حل وسطاً لديه. فهو يحب أو لا يحب. فإذا كان لا يحب المدرسة مثلاً، فإن المكافأة لا تغريه والعقاب لا يفيده لأن هناك سبباً آخر يحفزه على هذا التصرف. لكي يرغب في الدرس ينبغي ان يتوفر له جو مشجع كضوء ملائم وطاولة ومكتبة ورفوف لحفظ الكتب، لكن هذا الحلّ التربوي لا يكفي لأن المشكلة الاساسية تكمنُ في مكان آخر. فإذا كان ولدكم يحصل على علامات سيئة ويكره المدرسة فهذا دليل على انه يعاقبكم لانشغالكم عنه وانعدام الحوار بينكم وبينه. انه يطلب منكم، بحسب طريقته، التكلم معه بشكل مختلف والابتعاد عن العبارات والجمل الجاهزة والروتينية التي تتحفونه بها في كل مناسبة.ماذا نفعل؟ بدلاً من اتهامه بالتقصير والكسل والحكم عليه مسبقاً بالفشل، نجلس معه، نحاوره، ولا نجبره على درس الرياضيات بل نطلب منه ان يشرح لنا الدرس وكلنا آذان صاغية. وسوف يشعر بمقدار أهميته لأنكم أوكلمتوه بمهمة جليلة!تحقيق ذاتكمالخطأ الفادح في تربية الاولاد محاولة تحقيق ذاتنا من خلالهم. إن هذا التصرف لن يحصد غالباً سوى الفشل، فالوالد الذي لم يستطع ان يصبح طبيباً يُريد ان يتعلم ولده الطب ويبرع فيه ليحقّق حلمه هو. وهنا يبدأ الصراع في نفس الولد: هل يحقق حلم والده أم انه يختار ما يرغب هو فيه؟ وتطول المعاناة الى ان تتكلل بالفشل الذي يعود الى الأهل لا الى الولد. وهكذا، يحرم الوالدان من تذوق فرحة نجاح ولدهما ويوقعان اللّوم عليه!من المؤسف ان بعض الأهل تتملكهم الرغبة في ان يصبحوا آباءً مثاليين، بينما المطلوب ان يكونوا مربين مقبولين وقادرين على تربية أولادهم من دون التسبب بأضرار جسيمة تلحق بشخصيتهم. وقد تبين ان نوعية العلاقة بين الآباء والأبناء تحددها قدرة الاهل على تفهم ولدهم، وهي التي تدعم نشاط جهازه العصبي وتساعده على مقاومة الضغط النفسي والاكتئاب وغيرهما بفعالية اكبر. ومن هذا المبدأ على الوالدين ان يشعرا باحتياجات ولدهما التي يتم التعبير عنها بالكلام منذ طفولته.ادحضوا السموممن جيل الى آخر تنتقل الجمل الجاهزة التي يتوجه الأهل بها الى اولادهم، فيلتقطها هؤلاء ليكرروا استعمالها بدورهم عندما يصبحون في الموقف نفسه. وقد حاول المؤلفان رصد الجمل التي تخفي في طياتها إساءة كبيرة من دون ان يدرك الأهل مدى الأذى الذي تلحقه بهم.من الجُمل القاتلة على سبيل المثال: «يفترض ان تنجح من كل بد» وهذه المطالبة غامضة ومجهولة، فلماذا لا نتوجه الى الولد بصيغة مباشرة؟ و«أنت البكر، يجب ان تكون القدوة لإخوتك» فنحمل الولد الكبير مسؤولية لعينة تولد استياءً ومشاكل له! وفي أخرى: «لن يتوصل إبني الى فعل أي شيء أبداً»، وبهذه العبارة نقتل عنده كل طموح أمام الغير! وغيرها: «عاد ليبلل فراشه مجدداً، حظنا سيء حقاً»، ولا يعلم الوالدان أن التبول اللاإرادي هو إشارة الى ان الولد يحتاج الى الأمان العاطفي لكي يكبر وينمو، وبدلاً من لعن حظكم السيئ قولوا له: «حظنا سعيد جداً لانك بصحة جيدة وما التبوّل سوى مرحلة عابرة».وعلى هذا المنوال يتطرق المؤلفان في بحثهما الشيق، فيستعرضان المواقف العائلية وتعليق الأهل عليها، ثم يشرحان الأسباب التي تدعو الى تغيير هذا النمط من التربية بآخر اكثر تركيزاً وأقل أنانية، إضافة الى تعودنا على الإصغاء لهم.«نجاح اولادكم رهن بكلماتكم» فازرعوا في ذاكرتهم وفي قلوبهم طيب الكلام فإن لم ينبت فيها كله نبت بعضه، وهذا البعض يكفي ليسهم في صقل شخصيتهم وتنمية مواهبهم.تعلّموا التصرف بحكمة مع ولدكمطمئنوهإذا كان ابنكم يحتاج حهدا كبيرا لينجح في الشهادة الثانوية فذلك لا يبشر بالخير. يعني هذا أنه لم يأخذ بزمام الأمور جيداً وانشغل بأشياء أخرى، لكن لماذا لا تجلسون في أحد المقاهي وتناقشون الأمر معه بدلاً من توتيره (وتوتير أنفسكم) من دون جدوى؟ عندما يكون المرء في الثامنة عشرة من عمره فلا أهمية كبيرة لسنة بالزائد أو بالناقص، لكنكم تخافون ربما من خسارة هذه السنة من حياتكم أنتم. إنه التباس بسيط بين حياة ولدكم وحياتكم أنتم. شجّعوهكيف تحفز الولد بالكلام؟ ابدأوا بإعلامه أنه إذا احتاج الى مساعدتكم فأنتم مستعدون لتقديمها. فمن الضروري ادراكه واستعابه أن دوركم هو مساعدته ودعمه وأنكم مهتمون بما يفعله في المدرسة فـ»في الاتحاد قوة». ولأن ولدكم يعلم أن باستطاعته الاتكال عليكم سيشعر بالطمأنينة. هذا أمر واقعي ملموس، يعد بنمو أكيد واحتمالات عدة أكثر من المستقبل غير المؤكد الذي كنتم تهددونه به: «إن لم تدرس، تصبح عاطلاً عن العمل». انطلاقاً من ذلك، يصبح مستعداً لمواجهة أي عقبات مدرسية. ليس الوقت الذي ستخصصونه له مهماً بقدر نوع المساعدة التي ستقدمونها له. فاهتمامكم ومساعدتكم الفاعلة يؤمنان الطاقة الأساسية التي تشغل محرك نجاحه.لا تتأسفوالا تقولوا «آسف، لكن يجب أن ترتب غرفتك» عندما تريدون توبيخه بل قولوا: «أريدك أن ترتب غرفتك». اثبتوا في مواقفكم، ولا تلجأوا الى التأسف. فالفوضى في غرفته لم تصبكم بالتأكيد بأي ألم أو أسى أو أسف! افرضوا عليه ترتيب غرفته وسيطيعكم! في الأحوال كافة، حتى وإن لم يطعكم فعلى الأقل لن يحمي نفسه منكم كي يتمكّن من النضوج.لا تتردّدوا كلمات مثل «أجل، لكن، كلا» هي أحد الأعراض الثانوية جداً لانفصام الشخصية، فلا تخافوا! لن تجدوا أنفسكم في مستشفى للأمراض النفسية لشيء بهذه التفاهة. إلا أن هذه العادة في التناقض قد تنال من مصداقيتكم في نظر أولادكم في مرحلة أولى، وتنقل اليهم عدم القدرة على اتخاذ قرار جازم في مرحلة ثانية. يطالبكم ابنكم للمرة الألف قائلاً: «أريد شراء لعبة جديدة». تقولين: «أجل لكن لا، لقد قلت لك إني أريدك أن تأتيني أولاً بعلامات جيدة».لماذا لا يكون ردكم: «كلا أريدك أولاً...».ترجمة عبارة «أجل، لكن لا» هي كالآتي: «أجل أريد شراء لعبة جديدة لك بكل رضى. لكن كلا، فأنت لا تستحقها». ضعوا أنفسكم لحظة مكان طفلكم! لقد أجبتم بأجل وكلا في الوقت عينه. إنها طريقة عجيبة في التعبير.صارحوهامتنعوا عن اللعب بعواطف ولدكم من خلال تهديده بالحرمان من الحب فهذا يفسد الصلة التي تربطكم به. على العكس تماماً، من المهم أن تقولوا لولدكم إنكم تحبونه لكنكم لا تستطيعون القبول بتصرفاته لهذا السبب أو ذاك.احرصوا على عدم نبذه واجعلوه يشعر أنكم تفهمون تماماً ما يشعر به. دعوا ولدكم يعبر بحرية عن مشاعره، بما في ذلك السلبية منها، وحتى وإن كان ذلك لا يتماشى مع مبادئكم التربوية.لن يقلل الطفل أبداً من احترام والد (أو والدة) أبدى تسامحاً وتفهماً حياله. بل سيساعده على التحكم بانفعالاته وإدراتها بالشكل المناسب. بالمقابل، فإن الأم المتمسكة بسلطتها المطلقة والتي تنبذ طفلها كلياً بجمل مثل «أنت ولد شرير وأنا لم أعد أحبك»، هي أم قاتلة. قولوا لأنفسكم إنكم إذا كنتم تعتبرون ولدكم طفلاً شريراً أو سيئاً، فأنتم لستم براء من هذه النزعة السيئة التي تتهمونه بها.
توابل - علاقات
كلمة تسعد ولدك وأخرى تشقيه!
10-03-2008