هكذا كان تقييم السادات لزيارته ولا ندري هل نصدق السادات الأول الذي كان ينوي ليلة عودته إعلان فشل مبادرته؟! أم السادات الثاني في حديثه مع بهاء الدين بعد ساعات من عودته؟! وهل فعلاً انتهى الصراع العربي الإسرائيلي؟! وهل كانت القدس فعلاً في جيب الرئيس السادات؟! أم كان الجيب مثقوباً فضاعت القدس منه؟! لا ندري. عاد الوفد إلى الفندق، وكان هناك حفل عشاء «وصفه البعض بمأتم عزاء» يجمع الطرفين، وكان يبدو تأزّم الموقف على الجميع، ورغم محاولات وايزمان في التخفيف من شدته قدر الإمكان فإن ديان زاد الموقف صعوبة حين أعلن صراحة أنه لم يبحث أي شيء مع التهامي في المغرب، وإذا كان التهامي قال غير ذلك فيؤسفه القول إنه كاذب، وكان حديث ديان ردّاً على حوار بين بيغن والسادات على الغداء أخبره فيه السادات أنه فهم من التهامي أن موضوع سيناء منتهٍ، وتم بحثه ونفد صبر السادات وبلغ به الضيق مبلغه، فقال للجميع «يبدو أنه لم يعد أمامي سوى أن أعلن غداً في المؤتمر الصحفي فشل مبادرتي» (عواصف الحرب والسلام –هيكل). وانصرف السادات غاضباً وتحرك الدكتور مصطفى خليل ودعا إلى اجتماع في غرفته، ويصفه بطرس غالي في مذكّراته (طريق مصر إلى القدس -ص31) «في غرفة الدكتور مصطفى خليل في الفندق جلس يادين ووايزمان وخليل وأنا حول مائدة مستديرة عليها زجاجة ويسكي، ودار الحديث حتى وقت متأخر من الليل، وهكذا كانت زجاجة من الويسكي الأسكتلندي هي بمنزلة الخط الساخن الأول للاتصال بين مصر وإسرائيل، وكانت هذه الجلسة هي بداية المفاوضات المصرية الإسرائيلية». وتحدّث بطرس غالي حول حاجة مصر إلى السلام لحل قضاياها الاقتصادية والاجتماعية، وتحدث الدكتور خليل على أن السلام خيار لاعودة عنه، وأن الوصول إليه يتطلّب المزيد من البحث في وسائله، وطلب وايزمان تأكيد ذلك من السادات شخصياً، وأيقظ الدكتور مصطفى الرئيس السادات في السادسة صباحا، وأبلغه بكل ما قيل، وقبل العودة إلى القاهرة أبلغ السادات بيغن بأنه سيوجّه له الدعوة للحضور إلى مصر، وغالباً سيقابله في الإسماعيلية، وأبلغه بيغن أنه كان يتمنى أن يدعوه إلى القاهرة عاصمة مصر كما دعاه هو إلى القدس عاصمة إسرائيل. وفي مطار بن غوريون تمّت مراسم الوداع وخرجت الطائرات المقاتلة إلى جانب طائرة السادات لوداعه، ونظر مصطفى خليل من نافذة الطائرة، وسأل بطرس غالي: هل تعتقد أنهم سيعيدون لنا القدس؟! وأضاف أخشى أن تكون القدس قد ضاعت من العرب... وانتهت تلك الزيارة اللغز، وكي لا نتهم بالانحياز إلى جانب معين، دعونا نتعرف على تقييم الزيارة ممن قاموا بها، وفي أول رد فعل كان تساؤل مصطفى خليل، وهو في الطائرة حول ضياع القدس، بينما كان تقييم بطرس غالي أنه نجح في تأمين اتصال تليفوني مباشر مع وايزمان من خلال باريس من دون الحاجة إلى وساطة حكومة ثالثة. أما السادات فقد عبّر عن رأيه عند مقابلته للراحل أحمد بهاء الدين وسأله السادات: ماذا تنوي أن تفعل الآن؟ وأضاف: لأنك وباقي الكتّاب أصبحتم بلا عمل، فلقد انتهى الصراع العربي الإسرائيلي الذي عشتم طويلاً عليه، فسأله بهاء الدين: هل سيخرج الإسرائيليون من سيناء؟ وردّ السادات: بالطبع، وهل كنت تظن أني أذهب إليهم لو لم يكن موضوع سيناء قد انتهى؟! فسأله بهاء: والضفة الغربية؟ فأجاب السادات: مضمونة وزاد بهاء: والقدس؟ وأجاب السادات ضاحكاً: القدس في جيبي(عواصف الحرب والسلام-هيكل). هكذا كان تقييم السادات لزيارته ولا ندري هل نصدق السادات الأول الذي كان ينوي ليلة عودته إعلان فشل مبادرته؟! أم السادات الثاني في حديثه مع بهاء الدين بعد ساعات من عودته؟! وهل فعلاً انتهى الصراع العربي الإسرائيلي؟! وهل كانت القدس فعلاً في جيب الرئيس السادات؟! أم كان الجيب مثقوباً فضاعت القدس منه؟! لا ندري. ونعود إلى سؤال البداية: هل كانت زيارة القدس فعلاً رؤية مستقبلية –من خلال «البلّورة» السحرية- للرئيس السادات؟ أم كانت... و«لا بلاش»؟! وللحديث بقية في ذكرى «كامب ديفيد»
مقالات
30 عاما على زيارة القدس 6 واخيرة أنور السادات يحجب أنوار القدس
14-12-2007