تتمتع الكويت بميزات كثيرة في ما يتعلق بغناها بمصادر الثروة البترولية، إضافة إلى موقعها المهم في خارطتي الاحتياطي المؤكد وصادرات الخام يبرر التوجه نحو فكرة تحويل الكويت إلى مركز إقليمي لصناعة النفط والبتروكيماويات، لكن عدداً من الخبراء يرون ان على الكويت اتخاذ اجراءات حازمة وحاسمة لتحويلها إلى مركز للطاقة.

Ad

قال المدير التنفيذي في شركة ايكاروس للصناعات النفطية سهيل بوقريص: إن كلمة عاصمة للنفط او البتروكيماويات قد لا تكون ذات جدوى، ولكن نحتاج الى ان تكون الكويت منطقة جاذبة للاستثمار في مجال النفط والغاز والبتروكيماويات.

وأكد بوقريص أن الكويت إن أرادت الاستثمار والتميز في مجال النفط فعليها أن تسن القوانين التي تشجع على جذب الاستثمارات كقانون المستثمر الأجنبي وقانون الضرائب وقانون الخصخصة، إذ إن هذه القوانين معطلة منذ فترة طويلة، في حين لا يزال القطاع النفطي محتكرا حتى اليوم من قبل الحكومة، مدللا على كلامه بشركته التي تعمل في الصناعة النفطية وليس لها اي استثمارات داخل الكويت في هذا المجال، اذ ان اغلب استثماراتها تقع خارج الكويت، لاسيما في دول الخليج.

وأشار الى تملك الكويت مقومات جيدة في الصناعة النفطية وجميع الشركات العالمية تأتي الى منطقة الخليج بسبب مواردها الكبيرة، اضافة الى ان مستقبل النفط العالمي موجود في هذه المنطقة، موضحا أن الشركات الاجنبية لم ينفد صبرها الى الآن ولا تزال تأمل أن يشهد مشروع حقول الشمال استقطاب كثير من الاستثمارات الى الكويت.

أما في ما يتعلق بالخبرات والعمالة الوطنية في هذا القطاع فذكر ان هناك شبابا كويتيا متحمسا يعملون في القطاع النفطي الذي يعتبر العمل فيه متعبا وشاقا، مضيفا ان العائد المادي ليس بكثير مقارنة بالقطاع الخاص الذي يقدم عروضا مغرية، ولكنهم يعملون بإيمان منهم بأنهم يؤدون رسالة وطنية.

علاقة السلطتين

ولم يغفل بوقريص عن الوضع السياسي الحالي، اذ أصبح في عملية شد وجذب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، اضافة الى مشكلة عدم استقرار منصب وزير النفط الذي ينعكس بدوره بشكل سلبي على كفاءة القطاع النفطي والعاملين فيه.

ولفت الى ان هذا الوضع أثر بشكل كبير في سمعة الكويت في المحافل الدولية وخصوصا مع الشركات النفطية الكبيرة التي ضعفت ثقتها بالقرارات التي تتخذها الكويت من هذا المجال، وفقدت الكويت بذلك مصداقيتها، مشيرا في هذا الصدد الى طرح مناقصة مصفاة روتردام تمهيدا لبيعها، حيث تقدمت لها مجموعة من الشركات ولكن تم ايقاف القرار فجأة!

وأشار الى ان النفط هو الثروة القومية للكويت، والخبرات من هذا المجال موجودة ولديها القدرة على تطوير القطاع وهم مستمرون في وضع الاستراتيجيات للتطوير، ولكن يبقى تأمين عنصر مهم وهو الاستقرار في منصب وزير النفط، مؤكدا ان الكثير من المشاريع نفذت عندما استقر الوزير في منصبه، مشددا على ضرورة وضع حد للتدخلات من خارج القطاع سواء من السلطة التشريعية أو غيرها، كما يجب وضع حاجز لحماية القطاع من هذه التدخلات.

القانون البريطاني

أما الرئيس التنفيذي لشركة عارف للطاقة طارق الوزان فيرى ان الكويت تمتاز بمواصفات ايجابية لتكون رائدة، وأن تصبح مركزا تجاريا في مجال الصناعة والاستثمار النفطي، اضافة الى جودة البنية التحتية العالية ووجود السيولة المالية والخبرات الاستثمارية، كما ان لديها كفاءة عالية ومبدعة من الخبرات الوطنية اضافة الى وجود المواد الأولية والثروات الطبيعية لدعم التجارة والصناعة للاستثمار.

واوضح الوزان ان كل هذه المقومات تؤهل الكويت لأن تكون رائدة في مجال النفط على مستوى الخليج والوطن العربي، مشيرا الى ان الكويت بحاجة الى تخصيص القطاع النفطي بنسبة تراوح بين 30% و40%، وكسر احتكار الدولة بعملية استيراد وتصدير النفط ومشتقاته والثروات الطبيعية الأخرى.

وتمنى على القائمين على القطاع النفطي الرجوع إلى القانون البريطاني في ما يتعلق بالثروات الطبيعية، إذ إن الثروات الطبيعية ملك للملكة ولكن القانون البريطاني سن تشريعات وقوانين تنظم الاستثمار وتنمية الثروات بما يتناسب مع المصلحة العامة.

وقال الوزان: إن هناك دراسة وضعت قبل 50 سنة تتحدث عن رأي المذاهب الأربعة من الاستثمار بالمواد الطبيعية للدولة، موضحا ان الكويت تتبنى المذهب المالكي وهو مذهب يشجع على تنمية الثروات الطبيعية والاستفادة منها للمصلحة العامة.

وأكد ان كل الظروف الايجابية متوافرة في الكويت وبغزارة ولكن تفتقر إلى الجدية في التطبيق، وتحتاج إلى الرجوع لأنظمة سابقة أو قائمة في تنظيم عملية الرقابة وتطبيقها بالنظم المثلى، مضيفا أن الكويت تعتزم القيام بنقلة نوعية إلى الافضل وتدعو المستشارين الى وضع الخطط والوصول إلى الحلول، ولكن تعجز عن تنفيذها بسبب عدم وجود الرغبة الجادة.

خبرات عالمية

«نحتاج إلى الخبرات المحلية والعالمية» بهذه الكلمات بدأ الخبير في الشؤون النفطية كامل الحرمي حديثه، مضيفا أن الكويت لا تملك خبرات في القطاع النفطي لأنه تم القضاء عليهم عن طريق احالتهم وتشجيعهم على التقاعد المبكر من دون استثناء، ووصلنا إلى مرحلة خلو القطاع النفطي منهم.

وقال الحرمي إذا اردنا إعادة الكفاءات وتطوير العاملين حاليا فيجب أن تكون هناك جدية، وأن تعلن الحكومة أولوياتها بالقطاع النفطي، وايجاد وزير ملائم لأن تعيين وزير مؤقت (part time) لا يصلح.

وأشار الحرمي الى ان القطاع النفطي متأخر جدا عن باقي الدول الاخرى، ومن يريد أن يحلل القطاع النفطي فعليه ان يقرأ تقارير «ميد» عن القطاع النفطي وتقارير البنك الدولي، مؤكدا أن الكويت ليست لديها كفاءات متخصصة ولا يوجد لديها وزير متخصص ومتفرغ ولا توجد لدينا شركات نفطية عملاقة تمد الكويت بالاستشارات أو التقنيات التكنولوجية، وينقصنا الالتزام بالخطط والاستراتيجيات، وبحاجة الى تقنيات وخبرات متخصصة.

طموحات بعيدة المنال

وعن امكان ان تتحول الكويت الى عاصمة نفطية قال الحرمي: هذه طموحات بعيدة المنال لأنه من الأولى اصلاح البيت من الداخل قبل التطلع الى الخارج، مؤكدا ان الخطوات التي تقوم بها مؤسسة البترول حالياً لا تذكر نهائيا.

وذكر ان الوضع في قطاع البتروكيماويات قد يكون مناسبا وأفضل، لأن الكويت وقعت شراكة استراتيجية مع اكبر شركة عملاقة في البتروكيماويات داو كيميكال، بينما في القطاع النفطي ليس لدينا استراتيجية، وحتى لو تم التوقيع مع شريك استراتيجي فسنواجه مشكلة عدم وجود فريق عمل متكامل.

وأضاف ان القطاع النفطي في الكويت لم يطور الى مشروع منذ اكثر من 20 سنة، وكان آخر مشروع هو تحديث مصفاتي الأحمدي وميناء عبدالله.

واوضح ان اسباب التأخر هي عدم تنفيذ الرؤية التي وضعت من مؤسسة البترول، مؤكدا ان هناك خططا من دون تنفيذ وتلغى مع قدوم مسؤول جديد.

وأشار الى ان قطاع النفط يعد الاعلى في مجال الرواتب في منطقة الخليج العربي، لكن الاداء هو الأسوأ وهذا يحتاج الى تفسير قبل الانتقال الى اي خطوة للتطوير.

عاصمة البتروكيماويات

من جهته، قال الدكتور خالد مهدي أستاذ الهندسة الكيميائية في جامعة الكويت: إن هناك نماذج عدة بإمكان الكويت اتباعها لتكون مركزا لصناعة البتروكيماويات في المنطقة، كأن تكون الدولة هي المالكة المطلقة وهو الخيار الحكومي، او ان تعطي الحكومة القطاع بأكمله للشركات العالمية وتمنحها الاراضي وكل المستلزمات الصناعية والبنية التحتية، وهو ما يسمى بخيار القطاع الخاص، وهناك خيار الشراكة الاستراتيجية كما هو متبع مع شركة إيكويت، التي تعد نموذجا ايجابيا للشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والشركات العالمية.

واشار مهدي الى ان الكويت مؤهلة ومهيأة لان تعيد تجربة «إيكويت»، وهي ستكون كبنية أساسية لتحويل الكويت الى عاصمة للبتروكيماويات، وفي هذا المجال تغلبنا على مشكلة تملك الحكومة كل شيء وتحملها الاعباء كاملة، وتغلبنا على مشكلة التكنولوجيا لوجود شركة أجنبية عالمية، و«إيكويت» من أفضل التجارب التي يمكن ان تكون بداية لتحويل الكويت الى عاصمة البتروكيماويات، ولكن ينقصنا تفعيل القرارات والعمل بشكل جاد اضافة الى وجود البيروقراطية.

خدمات مساندة للطاقة

ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت مدير وحدة دراسات الطاقة بمركز التميز في الإدارة د. عباس المجرن: إن الميزة النسبية، التي تتمتع بها الكويت هي غناها بمصادر الثروة البترولية، وموقعها المهم في خارطتي الاحتياطي المؤكد وصادرات الخام، تبرر التوجه نحو فكرة تحويل الكويت الى مركز دولي للصناعة البترولية، مشيرا الى ان الصعوبة التي تحيط بفكرة تحويل الكويت الى مركز مالي أو تجاري إقليمي أو عالمي هي منافسة بلدان أخرى في الخليج على موقع الصدارة في مجال الخدمات المالية والتجارية وخصوصا دبي التي تمكنت من قطع شوط مذهل وغير مسبوق في هذا المسار.

واضاف المجرن أن هذه الصعوبة قد تكون مبررا آخر لمثل هذا التوجه، ولكن أعتقد أن هناك تحديات عدة تعترض فكرة التحول إلى مركز نفطي، أولها صغر مساحة الدولة، وخصوصا المنطقة المأهولة من الشريط الساحلي الجنوبي، اذ ان من الضروري إقامة مجمعات المشروعات الصناعية ذات الأساس الهيدروكربوني بعيدا عن المناطق السكنية، في وقت تحتاج فيه المناطق الصناعية البترولية الى الوجود قرب السواحل للاستفادة من موانئ التصدير.

مناطق صناعية عملاقة

ولا يرى المجرن أن إنشاء مناطق صناعية عملاقة في النصف الجنوبي من البلاد أمر محمود، «وقد يكون ميناء بوبيان في المنطقة الشمالية مدخلا محتملا لمثل هذه الفكرة، ويمكن استغلاله لتصدير نفوط الحقول الشمالية للبلاد وكذلك نفوط حقول العراق الجنوبية، وإقامة منطقة صناعية بترولية إلى جانبه، إضافة إلى منطقة تجارة حرة، ويقتضي ذلك عدم التوسع في إقامة مناطق تجمعات حضرية مستقبلية مطلة على الساحل الشمالي للبلاد، على النحو المقترح في المخطط الهيكلي الثالث للدولة».

واشار الى ان تحديا آخر يواجه الكويت يتمثل في وجود مساع حثيثة لدى بعض دول مجلس التعاون لتعزيز دورها كمراكز للصناعة البترولية، كمنطقتي الجبيل وينبع وجامعة الظهران المتخصصة في دراسات النفط وشركة أرامكو في السعودية، كما بادرت قطر الى إنشاء مشروع مدينة الطاقة، وهو منطقة اقتصادية متكاملة يتوقع أن تشكل مركزا لصناعات الطاقة وخصوصا صناعتي النفط والغاز والصناعات المساندة، فضلا عن إنشاء بورصة متخصصة للنفط والغاز.

تنسيق وتوزيع منافع

أكد المجرن أن منطقة الخليج تشكل مركزا عالميا لصناعة الطاقة في العالم، إذ تحتوي هذه المنطقة على أكثر من نصف الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط، وما نحتاج إليه هو مزيد من التنسيق بين دول مجلس التعاون للاستفادة من عملية التخصص في مشروعات الطاقة وتوزيع المنافع بدرجة عالية من الكفاءة بما يضمن تحقيق مكاسب اقتصادية أكبر لهذه البلدان، وقد يكون من المناسب للكويت أن تتخصص في إنشاء معاهد ومراكز تدريب وتأهيل متخصصة لسد ثغرة تأهيل العاملين والفنيين في صناعات النفط والصناعات اللاحقة لها، وفي توفير الخدمات المساندة لقطاع الطاقة مثل تطوير المنتجات والصيانة والنقل والتوزيع والتخزين.

4 محاور

وفي ما يتعلق بتحويل الكويت الى مركز نفطي اوضح مهدي ان هناك اربعة محاور في هذا الموضوع: عملية استخراج البترول وتكريره والصناعات البتروكيماوية ومرحلة ما بعد الصناعات البتروكيماوية، موضحا ان الكويت لديها مخزون واحتياطي نفطي كبير جدا، واذا شرعت في ذلك فستكون خطوة مستقبلية مميزة، اما تحويلها الى مركز بترولي لجميع القطاعات فان الكويت لن تتميز فيها، لانها موجودة في كل الدول، كما يمكن التعاون بين دول الخليج لاقامة مركز عالمي للطاقة وتقسيم منافعه بينها.