يعد الدكتور عاطف العراقي أحد أساتذة الفلسفة الإسلامية البارزين في عالمنا العربي وهو أبرز المهتمين بتراث ابن رشد. قدم للمكتبة العربية عشرات الكتب في الفلسفة والنقد منها ثورة النقد في عالم الأدب، والفلسفة والسياسة، وثورة العقل في الفلسفة العربية، والنزعة العقلية في فلسفة ابن رشد، ومذاهب فلاسفة المشرق، والتجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية، وغيرها من الكتب التي تشكل إضافة إلى المكتبة العربية بشكل عام.في الحوار معه يحدثنا عن منطق الفتوى المتضارب في الساحة الآن وانحصار حياتنا ما بين حلال وحرام، ومستقبل الفلسفة وعلاقتها بالدين وهل هناك فلسفة إسلامية حقيقية أو داع لوجودها أصلا.

Ad

التفاصيل في الحوار التالي:

• بما تفسر ازدهار الصحوة الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي اليوم؟

- القضية في نظري ترجع إلى البحث عن البديل ومشكلة الإنسان العربي اليوم بعد فشل الكثير من النظريات هي في البحث عن البديل، ولابد في هذا السياق أن ننظر إلى الدين كقوة دافعة إلى التطور والتقدم، أما الربط بين الدين وحل قضايا المجتمع فهذا الأمر يحتاج إلى وقفة إذا كنا نريد النهوض حقا، ويكفي أن نرى الارتباط واضحا بين ظاهرة الإرهاب التي أصبحت عالمية، وبين إعلاء شأن الصحوة الدينية، وفي تقديري أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الفكر التنويري في العالم العربي لا يجد مساحات كالفكر الذي يتاجر بالدين ولابد أن نفرق بين الأمرين.

• في تقديرك ما سبب تضارب الفتوى الذي نشهده في مجتمعنا اليوم؟

- للأسف عندنا جمود فكرى في المجال الديني و ليست كل المؤلفات أو الفتاوى التي تثير ضجة بها إعمال للضمير العلمي والديني فكثيرا ما تكون _ فرقعة _ المقصود بها الشهرة فقط، وربما الثراء ونجد من يبحث في القضايا بمنطق خالف تعرف حتى كاد المجال الديني يصبح ساحة لمن يرغب الشهرة فنجد عشرات من مدعي العلم يتصدون للفتوى علي ساحة الفضائيات بعضهم ينافسون نجوم السينما في الشهرة وربما في الثراء. والمشكلة عندنا ليست في الدين، ولكن في الفهم الخاطئ له، فالدين في حد ذاته غير مسؤول عن بلورة حياة الناس إلى حلال وحرام.. لكن لابد أن أضع في الاعتبار أن الشعب العربي متدين في أعماقه، والدليل على ذلك أن أية محاولة تجديدية.. إذا أهملت البعد الديني، فلن تنجح على الإطلاق، وقارن بين محاولة سلامة موسى، ومحاولة الإمام محمد عبده.. فمحاولة الشيخ محمد عبده لها استمرارية أكثر.

• إذا هي أزمة نعاني منها الآن؟

- نعم هي أزمة ضمير علمي واجتماعي وديني ولكن ليس الضمير هو الشرط الوحيد فلابد أن يكون المتصدي للفتوى دارسا للأصول الدينية.

• هناك اعتقاد بأن رفض الجديد سمة في مجتمعنا وبالتالي يرفض الكثيرون الدعاة الجدد؟

- معظم الذين حملوا على كاهلهم قضية التجديد الديني لم يخرج واحد منهم عن أي قضية جوهرية في الفكر الإسلامي مثل: محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ومحمد إقبال وغيرهم، وكلهم جددوا الفكر الديني ولم يعلنوا رفضهم لقضية دينية، ووضعوا في اعتبارهم أن هناك ثوابت في الفكر الإسلامي مثل أمور العبادات والعقيدة، وهناك متغيرات مثل الاكتشافات العلمية وغيرها.

• هل يمكن الاختلاف مع القديم من التاريخ أو الفقه الإسلامي ومن يحدد أوجه الاختلاف ومعاييره؟

- من يحدد ذلك هم المستنيرون من رجال الدين، فإذا وجدنا من هم على قناعة تامة بإرضاء ربهم وضمائرهم ومجتمعهم من الممكن في هذه الحالة أن يكونوا معيارا للحكم، ومن الممكن الاختلاف مع القديم إذا كانت وجهة نظرهم صحيحة ولكن أفضل أن يكون هؤلاء تابعين لهيئة رسمية ممثلة للدولة لطرح هذه القضايا.

• هل نحن بحاجة إلى ابن رشد جديد في عالمنا اليوم؟

- رغم إيماني بأن موضوعات اليوم غير موضوعات الأمس لكن لو سئلت من أي نقطة نبدأ لقلت من عند ابن رشد علي الأقل في القضايا العامة التي طرحها هذا الفيلسوف العقلاني، وهذا ما يهمنا في موقفنا الراهن، فقد دعا إلى الانفتاح على الآخر، وإلى تأويل النص الديني وغيرها من الأفكار التي نحن في أمس الحاجة إليها الآن، فالشعب العربي في أعماقه شعب متدين، ويربط بين الأصالة والمعاصرة، وحينما نبحث في القديم فلابد أن نكتشف نقطة العبور إلى الحديث ولذلك أعتبر أن أكثر المفكرين عقلانية وحداثة هو ابن رشد، ولم يكن غريبا أن يرتضي العالم الأوروبي لنفسه نموذج ابن رشد ويجد فيه ضالته.

ومنذ وفاة ابن رشد في ديسمبر من العام 1198 ميلادية لم تشهد الساحة الفكرية العربية فيلسوفا ومن يدعي أنه صاحب مشروع يمارس نوعا من الدعاية والطبل الأجوف.

• كيف تري واقع الفلسفة في جامعاتنا العربية الآن؟

- وضع يدعو إلى التشاؤم، وأضرب بأقسام الفلسفة في مصر مثلاً، التي بدأت مع إنشاء الجامعة منذ أكثر من 70 عاما، وكان المنتظر أن تكون هذه الأقسام قوة دافعة للأمام، لكن حالها الآن يدعو إلى الرثاء، مجرد مجموعات من المذكرات تقرر على الطلاب، وأنا أفهم أن تكتب راقصة أو ممثلة مذكراتها لكن لا أتصور إطلاقا أن تصبح المادة الدراسية في أقسام الفلسفة مجرد مذكرات يقوم الطالب بحفظها والامتحان فيها، لذلك أردد بأنه إذا ظهر فيلسوف في العالم العربي فلن يكون من داخل أقسام الفلسفة.

• وهل يوجد أمل في وجود فلاسفة في المستقبل؟

- لا أمل إطلاقا لأن العالم العربي الآن يصعد إلي الهاوية ومنذ ثمانية قرون تدهور العالم العربي ومنذ العام 1198 ميلادية لم ينجب فيلسوفاً، لأن الأفكار التي كانت تقال بحرية في العصور القديمة حتى العصر العباسي لو قلتها الآن سوف تعلق على المشنقة في ميدان عام، فنحن الآن نتراجع فكرياً والحرية الفكرية تتراجع، والأرض تنبت ما فيها وبالتالي لا أتوقع وجود أي فيلسوف في المستقبل، الآن يوجد أناس يطلقون على أنفسهم، أنهم فلاسفة وهذا نوع من تضخم الأنا، لأن الفيلسوف له شروط محددة، وعندما قلت إنه لا وجود لفيلسوف عربي قمت بعدها بزيارة الدكتور زكي نجيب محمود أستاذ الفلسفة الأشهر فقال لي: «لست فيلسوفا ولو كنت فيلسوفاً لما ترددت أن أطلق على نفسي هذا اللقب»، ولو سئل الفيلسوف الإنكليزي والكلام لزكي نجيب محمود، هل أنت فيلسوف لقال نعم؟ لأن هناك خصائص محددة، ولو حدثت معجزة في العالم العربي وأنتج فيلسوفا لابد أن تتاح الحرية الفكرية لأقصى درجة، لأن الحرية تصحح بالحرية فإذا حدثت أخطاء نتيجة للحرية فلا نقول بالاستبداد وقتها، ولكن الحرية تصحح الحرية ولا يمكن لدائرة الخرافة أن تصحح العقل لأن العقل يصححه عقل آخر، والآن لدينا خلط كثير بين الدين والعلم، بين الدين والسياسة. ويحدث التركيز والتضخيم الإعلامي لأشباه المفكرين وأشباه الكتاب ويتم تهميش من يمكنه العطاء، وصدق زكي نجيب محمود عندما تحدث عن ظاهرة عملقة الأقزام عن طريق وسائل الإعلام والسياسة. ولا أمل أن ينتج العالم العربي فيلسوفاً طالما الحال لم تتغير.

• هناك خلط يحدث ما بين المفكر والفيلسوف ترى ما الفرق بينهما؟

- لدينا مجموعة كبيرة من المفكرين ويوجد شبه اتفاق بأن الفكر العربي والإسلامي الحديث يبدأ برفاعة الطهطاوي ثم الكواكبي وطه حسين وزكي نجيب محمود ومحمد إقبال ومالك بن نبي، وهؤلاء لا يطلق عليهم فلاسفة بسبب أن المفكر قد يكون أوسع في رؤيته الإسلامية أما الفيلسوف فيغلب عليه أنه منظر، شرط الفيلسوف أن يكون له منهج، فعندما نقول إن أرسطو يعد فيلسوفا وأفلاطون يعد فيلسوفا فلو قدر لأرسطو أن يقول أنا تابع لأستاذي أفلاطون لما أفسح التاريخ مجالاً لأرسطو كفيلسوف لأنه قال أحب أفلاطون وأحب الحق وحبي للحق أقوى، وأما الأسماء أمثال مصطفى عبد الرازق ومحمد عبده، والعقاد، وغيرهم أقرب إلى أصحاب التوكيلات الفكرية، أي الترويج للأفكار وليس صناعتها فهؤلاء مفكرون والدليل على ذلك أنه لا منهج لهم، ومن يدعي غير ذلك فليقدم لنا منهجاً أستطيع أن أنسبه لشخص معين.

• أنت تؤمن بالعولمة الفكرية فلماذا ترفضها على الصعيد الاقتصادي؟

- بالفعل أنا أؤمن بالعولمة الثقافية لكن يجب التمييز بينها وبين العولمة الاقتصادية، وأنا أؤكد أن العولمة الثقافية آتية ولا ريب في ذلك، ولا نستطيع مقاومتها لكن العولمة التجارية يجب أن نواجهها بمزيد من القيود والتحفظات.

• لكن يخشى البعض من طمس التراث وضياع الهوية في ظل العولمة؟

- العولمة الثقافية لا ترفض التراث، والأفكار لا تُحارب إلا بالأفكار الجيدة، والخطأ في نظري يرجع للفهم الخاطئ للتراث، كما أننا نجد آلافا من الخرافات في قلب التراث العربي، وقلت قبل ذلك إن عدد الخرافات الموجودة في كتب التراث يزيد على تعداد سكان الدول العربية من مشرقها إلى مغربها.

لذا ينبغي الإبقاء على الصالح - فقط - ورفض كل ما يسهم في إعاقة مسيرة الحضارة الإنسانية، كما أن التراث له وجه مشرق آخر فهو يضم قمما في الأدب أمثال المتنبي وابن الرومي وأبو العلاء المعري، وفي الفلسفة ابن رشد، لذلك لا يصح مهاجمة التراث كله بل القيام بعملية انتقاء واختيار.

• وماذا عن الواقع المعاصر؟

- للأسف لا توجد مساحة للفكر التنويري تعادل ولو 10% من المساحة المخصصة لنشر الفكر الظلامي الإرهابي، الأمر الذي أدى لحدوث نكسة كبيرة في الفكر العلمي التقدمي بالإضافة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمشكلات الاجتماعية واتساع مساحة البطالة.