أن تلجأ وسيلة إعلامية عرفت بدورها الريادي في زمن غابر الى إتخام برامجها بسلسلات «واقعية» أقلّ ما يقال فيها إنّها انعكاس لواقع «مرير»، أمر يدعو للأسف.

Ad

«قسمة ونصيب» برنامج أطلقته شاشة «ال. بي. سي» قبل فترة ليست ببعيدة. وهو إن يدلّ على أمر فعلى خواء جعبة القيمين على الابداع التلفزيوني الذين لم تثمر مخيلتهم في الآونة الاخيرة إلا إدعاءً زائفاً منقولاً لـ«واقعية» بعيدة كل البعد عنها، فالمشاركون في البرامج المذكورة أشبه بفئران المختبر المسجونة في قمقم صنعه صاحب الاختبار نفسه، خدمة لثقافة الاستهلاك.

هي رغبة التلصص على تفاصيل الآخرين عينها التي تحدو معدي البرامج على اشباع رغبات الناس الجشعة في متابعة يوميات الآخرين من كوة شاشة صغيرة ينهلون منها ما لا يعنيهم، ربما لأننا نحب غريزياً «حشر» أنوفنا في أمور لا تمت إلينا بصلة. ثم كيف يسمح بالحطّ من شأن المرأة بهذا القدر، بمجرّد سفر المشتركات «العوانس فكرياً» من بلد الى آخر «بحثاً» عن العريس المُرتجى، ليجدن أنفسهن بأعدادٍ تفوق أعداد الرجال ما يمنح الجنس الخشن حقّ الاختيار من «رزمة» فتيات، تماماً كما يختار «علبة سجائره» من رفّ السوبرماركت. كذلك فإنّ مجرّد فكرة اختيار الحماة زوجةً لابنها أمر يدعو الى الاستغراب في زمننا فما بال عقارب العالم العربي ترجع الى وراء؟

فأي فتاة تقبل اليوم الاقتران برجل أصابتها سهامه بإيعاز من أمه؟ عددهن كبير، تقولون، ولكنه الى انحسار والحمد لله، بفضل العلم والثقافة، وإدراك المرأة أنّها ليست من كماليات أثاث البيت بل ركن من أركانه المعنوية الأساسيّة، شأنها شأن الرجل. ولا يجد «ابن أمه» قبولاً لدى المرأة المثقفة أما تلك «الماشية» على هوى هذا أو ذاك، حتى لو كان من المقرّبين إليها، من دون الاحتكام الى قناعتها الذاتية، فتبقى مهمّشة طوال حياتها، مودعةً قرارها بيد غيرها، فتمسي أسيرة الواجبات والتقاليد الزائفة.

ثم ما الذي يقصده البرنامج تحديداً حين ينقل الى المشاهد ساعاتٍ لا متناهية من جدالات «نسوان الفرن» بين حماوات وكناتهن المستقبليات فتدور مشادات تنعت خلالها كلّ منهن الأخرى بأسوأ الصفات ويُفتح باب الاتهامات على مصراعيه، وتتبادل الاتهامات ويُلوَّح بالويل والثبور وعظائم الامور، وفضح الاسرار والكشف عن «المستور»، وتتباهى كلّ منهنّ أن لسانها «بسبع فراشات» و«الولد ابن امه» يا حسرتي بين سندان حبيبته «الآنية» بفعل «الواقع» وأمّه «الواقعة مصيبة على رأسه» صاحبة اللسان السليط.

يعيد البرنامج بسذاجته طرح إشكالية «برامج الواقع» التي تحوّلت الى برامج سطحية لفرط ما باتت تُستخدم في كلّ موضوع سعياً إلى جني الاموال الطائلة.

يعيد هذا الواقع التعيس الى ذهننا اشمئزازاً ولّدته في نفوسنا «ثقافة الاستهلاك» التي شكّلت نواة فيلم «ذي ترومان شو» لبيتر وير عام 1998، من تأليف أندرو نيكول، أدّى فيه الممثل جيم كاري دور ترومان بوربانك، الموظف في شركة تأمين أميركية، الذي يكتشف بين ليلة وضحاها أنّ حياته بأسرها «وصفة استهلاك» لمشاهدين يراقبونه عبر كاميرات خفية مثبّتة بإحكام في بيته وشارعه ومكان عمله وحتى في حمامه!

السماء والشمس والقمر والنجوم كلّها جزء من مسرحٍ كبير بني خصيصاً له. كلّ مجتمعه، حتى أمّه وزوجته وصديقه الحميم، ممثلون دُفع لهم للمشاركة في حياته التي حُوِّلت مشهداً سينمائياً يتسلّى به الناس المتسمّرون أمام الشاشة لمراقبة أدنى حركة يقوم بها.

إنها ثقافة الاستهلاك عينها المتربّصة بنا أنّى كنا، في الشارع، أو في المحال التجارية، والبرامج التلفزيونية، مقرونةً بدعوات للتصويت لهذه أو تلك لإفراغ ما في جيوبنا بعدما أفرغت عقولنا.

البرنامج «الواقعي» المقبل عربياً، أتكهّن فحواه من دون اللجوء الى قدرات ميشال حايك الخارقة في التبصير واستشفاف المستقبل: امرأة عربية تضع مولودها مباشرةً على الهواء. لماذا؟ لأننا بارعون في التقليد!