قرأت اخيراً كتاب «احلامُ احلامٍ» للروائي الايطالي انطونيو طابوكي. ترجمه وقدم له رشيد وحتي(صدر لدى دار الجمل). يستند فيه الى فكرة طريفة: هل نستطيع أن نحلم أحلام الآخرين؟ أو هل نستطيع ان نعيد بناء هذه الأحلام؟ يعني هذا بكل تأكيد أن نتقمص الآخر في أعماق لاوعيه، حيث تتشكل هذه الأحلام لكي نستطيع ان نتصوّرها، او أن «نحلمها».

Ad

يحاول طابوكي في نصوصه الدخول الى «حلم» عدد من الشعراء والأدباء المعروفين، «لم يتركوا لنا المسارات الليلية لارواحهم» كما يقول. وينطلق من بعض نصوصهم الابداعية ونظرياتهم وأفكارهم وسيرهم وهلوساتهم وجنونهم وهذرهم وجماليتهم، لخلق معادل حلمي، هو مزيج من الواقعي والمتخيل نستمد منه متعة القراءة ومؤانستها والهامها.

يكتب طابوكي عشرين حلما لشخصيات متنوعة تبدأ في العصر اليوناني حتى العصر الحديث. ولم يختر هذه الشخصيات عفويا، وإنما اختار ممن دمغوا حياته النفسية والادبية منهم الشعراء اوفيد، ماياكوفسكي، لوركا، بيسوا، رامبو ومنهم الفنانين التشكيليين غويا ومنهم العلماء فرويد ومنهم الرحالة ستيفنسن. ويتبع طابوكي في هذا الكتاب المسار العكسي في تأويل الأحلام، فبدلاً من أن يفسر هو الحلم جاء الحلم قراءة تأويلية لحياة الحالم، وهو يقدم نقدا فنيا في ثوب ابداعي قائم على الخيال بعيدا عن الجفاف والاستعراض، قصص مكثفة تشكل مرايا عميقة للذين كتب عنهم، وهو الى ذلك يجمع بين النقد الفني، التخييل والشعر والرمز. وقد صرح طابوكي في احد حواراته: «يمكن ان ننسى في لغة ما وان نتذكر في اخرى. أصلاً، اظن ان اللغات ليست فقط ادوات للتواصل، انها فضاءات للتذكر. اذا قمت بتجربة ما في لغة، بعينها فإنك تستعيدها من خلال الذاكرة في تلك اللغة نفسها كما في الحلم».

طابوكي الحالم غيرت حياته قصيدة حلمية للشاعر البرتغالي فرناندو بيسوا عنوانها «مكتب التبغ»، يقول في مقطع منها:

" أنا اليوم حائر، كمن فكّر، وجد ثم نسي.

ممزّقٌ بين الولاء الذي أدين به لمكتب التبغ،

بصفته حقيقة الخارج،

وبين شعوري بأن العالم محض حلم،

والحلم حقيقة الداخل».

 و{الحلم حياة ثانية» بحسب نيرفال. وهلم جرا.