كانت الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي (الثاني عشر الهجري) في حالة متردية جداً على صعد شتى. فعلى الصعيد الديني نجد أن الدين الإسلامي، الذي كانت الجزيرة العربية مهده الأول، ضعف شأنه وخفَّ تأثيره فانتشرت البدع الغريبة ونشط الكهان والعرافون وشاع الاعتقاد في الأشجار والأحجار والقبور والبناء عليها والتبرك بها. وعلى الصعيد السياسي كان في كل ناحية أمير أو حاكم مستقل بمنطقته، وكانت الغزوات والحروب بين أولئك الحكام والأمراء شبه مستمرة. وفي مكة كان الأشراف من أصحاب البيت المالك يتعاقبون على الحكم إما بالوراثة أو بالتغلب فلا يكاد أحد الأشراف يجلس في منصبه في المدينة المقدسة حتى يكتب الى الخليفة العثماني بنبأ ذلك لكي يتلقى الموافقة في صورة مرسوم يُقرأ في المساجد وعلى أصحاب الحل والعقد في مكة، في موكب حافل وطقوس مرسومة.
ساد طبائع البدو، الضاربين في الصحراء والقرى والمدن النجدية، جو من الاضطراب والفوضى فاستباحوا الحرمات وسفكوا الدماء. وكان سالك الصحراء في تلك الأيام يرى أفراداً من البدو يكمنون في الشعاب والكهوف، يقطعون السبل على المسافرين والقوافل التجارية ويقتلون ويسلبون من دون رادع ديني أو أخلاقي أو سلطوي. ويروي المؤرخ النجدي عثمان بن بشر في كتابه «عنوان المجد في تاريخ نجد» أن سكان بعض الحواضر كانوا لا يتورّعون عن قتل العلماء ورجال الدين لكي يتخلصوا منهم ومن مواعظهم، فضلاً عن الخلافات المذهبية القائمة بين الفرق الدينية من سنية وشيعية وزيدية.في تلك الأجواء المضطربة، الشبيهة بأجواء العصر الجاهلي، ولد محمد بن عبد الوهاب في بلدة «العُيينة» الواقعة شمال غرب مدينة الرياض، سنة 1703 م (1115 هـ) وكانت البيئة التي نشأ فيها بيئة علمية ودينية صالحة فجده سليمان بن علي كان عالماً كبيراً من علماء نجد، كما كان أبوه عبد الوهاب بن سليمان قاضياً في العينية. ودفعه شغفه بالاطلاع الى قراءة كل ما يقع تحت يده من الكتب الدينية، خاصة كتب اتباع المذهب الحنبلي، نظراً إلى انتشار ذلك المذهب في نجد منذ القرن السادس عشر (العاشر الهجري) وكان شديد الاهتمام بمؤلفات شيح الإسلام أحمد ابن تيمية الدمشقي الحنبلي (1262 ـ 1328 م) وتلميذه إبن قيم الجوزية (1292 ـ 1350م) وبعدما أكمل محمد بن عبد الوهاب تحصيله في العيينة حجَّ إلى مكة ثمّ توجه منها الى المدينة المنورة وبدأ يدعو الناس بحماسة الى «التوحيد» في معناه الديني الصحيح ويهاجم البدع والخرافات التي تسيء الى الدين فجوبه بمعارضة عنيفة من العلماء والعامة على حد سواء، لكنه استمر في التنقل من مدينة غلى أخرى، مجاهراً برأيه، غير مبال بالأخطار المحدقة به. وعندما وجع الى بلده في نجد وجد أن خصومه من علماء الدين ما زالوا على عدائهم له ولدعوتهِ الإصلاحية، بل وصل الأمر ببعضهم الى تحريض العامة على قتله فانتقل الى بلدة الدرعية القريبة من مدينة الرياض وحلّ فيها ضيفاً على أحد وجهائها المدعو عبد الله بن سويلم الذي استقبله على مضض خوفاً على نفسه وعائلته مما يتسبب به نزول محمد بن عبد الوهاب عنده من غضب أمير الدرعية محمد بن سعود وغضب العلماء المعادين له ولدعوته.لكن الأمور سارت على نحو مغاير تماماً لما كان يخشاه ابن سويلم. ذلك أن أمير الدرعية محمد بن سعود توجه الى منزل ابن سلويلم لزيارة الشيخ والترحيب به. وخلال هذه المقابلة التاريخية بين الرجلين التي جرت سنة 1737 م أعلن محمد بن سعود عن ايمانه بمبادئ الدعوة واستعداده لنشرها والدفاع عنها واتفقا على العمل معا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب لدعوته الاصلاحية ورعايتها ولزعامة دينية يرثها من بعده ابناؤه متى صلحوا لها، والأمير بن سعود للزعامة الزمنية يرثها بنوه من بعده. ولا تنعقد معاهدات أو تقرر أمور ذات شأن من حرب أو صلح إلا باتفاق بينهما.مبادئ الدعوة الوهابيةتعد دعوة محمد بن عبد الوهاب أول خفقة حياة في العالم الإسلامي بعد عصور الانحطاط الطويلة وهي ليست ديانة جديدة أو مذهباً محدثاً مثلما أشاع عنها خصومها، إنما هي ثمرة جهود مخلصة تنادي بالعودة الى نموذج بساطة الإسلام وإلى الاقتصار في مجال التشريع على القرآن والسنة، بعيداً عن التأويل وما شابه. كما طالبت بإجراء حركة تطهير شاملة لكل ما علق بالمعتقد الديني الأصيل من شوائب أدت إلى تشويه حقائق الإيمان وأفسدت نقاء الدين وابعدت المسلمين عن الإلتزام به معتقداً وسلوكاً. يقول محمد بن عبد الوهاب: «نحن، بحمد الله، متبعون لا مبتدعون، وإن عقيدتي، وديني الذي أدين لله به، هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي عليه أئمة المسلمين، مثل الأئمة الأربعة. ولا أدعو الى مذهب صوفي، أو الى فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين اعظمهم مثل ابن قيم الجوزية وشيخه ابن تيميه، أو الذهبي وغيرهم (...)».وتأتي قضية «التوحيد» في أساس القضايا التي قامت عليها الدعوة الوهابية، بل هي أهم مسألة شغلت بال مؤسسي الدعوة السلفية منذ قيام الفرق الدينية المختلفة في العالم الإسلامي وشيوع المذاهب الفلسفية اليونانية منها.استوجبت الدعوة الى التوحيد محاربة بعض المظاهر الوثينة ومنها ظاهرة تعظيم القبور، والبناء على الأضرحة وتقديس الأولياء والصالحين وممارسة أنواع العبادة عند تلك القبور والعكوف عندها أياماً وشهوراً. ومع التوحيد يحتل موضوع «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بدوره مركزاً أساساً في الدعوة الوهابية إذ ترى فيه إحياءً للشريعة الإسلامية بتحويلها، طوعاً أو كرهاً، عن التوجه إلى الأولياء والأضرحة والنباتات والجماد في صغار وذلة، وذلك بمحاربة هذه البدع والقضاء على كل مظهر من مظاهر الضلال. وإذا كانت آراء الباحثين والمؤرخين قد اختلفت في حقيقة الدعوة الوهابية هل هي حركة دينية أو سياسية أم هي الأمران معاً؟ فالواقع هو أن تلك الدعوة جامعة للأمور الدينية والأمور السياسية فالإسلام بطبيعته دين ودولة والإصلاح الذي نادت به الدعوة لم يكن إصلاحاً دينياً محضاً إذ ارتبطت منذ انطلاقتها بأمير الدرعية محمد بن سعود فغدت الدعوة وابن سعود وحدة لا تتجزأ وأصبحت العودة الى الدين الصحيح قانون الدعوة وسبب وجودها.وإن اقتصرت الدعوة الوهابية في البداية، على حلفائها وأتباعها من سكان الجزيرة العربية فإنها توسعت في ما بعد، بفضل موسم الحج، إذ كان العديد من رجال الدين يفدون على مكة من مختلف البلدان الإسلامية ويتصلون بأتباع الدعوة وينقلون عنهم أصول الدعوة وأهدافها. غير أن الشعوب الإسلامية، بعامة، لم تتقبل الدعوة الوهابية على نطاق واسع إذ أخذ قوم على محمد بن عبد الوهاب اغراقه في السلفية واعتماده على عدد من الأحاديث النبوية الضعيفة أو المكذوبة من دون أن ينكروا أهمية المبادئ التي دعت إليها.إنتشارهاما عتمت الدعوة الوهابية أن انتشرت في أطراف الجزيرة العربية وبخاصة في اليمن. وفي الهند حمل مبادئها الزعيم الهندي أحمد بن عرفات الباديلي (1786 ـ 1831) بعد تأديته مراسم الحج إلى مكة حيث التقى بعض دعاة الدعوة فتأثر بهم وعاد الى بلده داعياً لها ومبشراً بها وأسس في البنجاب دولة وهابية كان لها تأثير كبير في مناطق الهند الإسلامية، ما اضطر السلطة الانكليزية إلى محاربة أتباع الدعوة والحد من تأثيرهم. ومن أبرز حركات الاصلاح الديني الإسلامية التي تأثر أصحابها بالدعوة الوهابية الحركة السنوسية التي قام بها محمد بن علي السنوسي (1787 ـ 1859) وانتشرت في ليبيا وفي سائر بلدان المغرب. ويقول طه حسين في مقالة نشرتها مجلة «الهلال» المصرية سنة 1933 تحت عنوان «الحياة الأدبية في الجزيرة العربية»: «إن المذهب الوهابي قديم جديد، والواقع أنه جديد بالنسبة للمعاصرين، ولكنه قديم، في حقيقة الأمر، لأنه ليس إلا الدعوة القوية إلى الإسلام الخالص النقي المطهر من شوائب الشرك والوثنية، وهو الدعوة الى الإسلام كما جاء به النبي خالصاً لله وحده، ملغياً كل واسطة بين الله والناس، وهو إحياء للإسلام العربي وتطهير له مما أصابه من نتائج الجهل ومن نتائج الاختلاط بغير العرب... ولولا أن الترك والمصريين اجتمعوا على حرب هذه المذهب، وحاربوه في داره بقوى وأسلحة لا عهد لأهل البادية بها، لكان المرجو جداً أن يوحد هذا المذهب كلمة العرب في القرنين الثاني عشر والثالث عشر للهجرة (الثامن عشر والتاسع عشر للميلاد)، كما وحد الإسلام كلمتهم في القرن الأول للهجرة (السابع للميلاد)».أثار انتصار الدعوة الوهابية وقيام الدولة السعودية سنة 1737م مخاوف الدولة العثمانية، لأن هذا الانتصار أدى إلى خروج الحرمين الشريفين، مكة والمدينة، من تحت سلطتها المباشرة، ما أفقدها الهيبة في العالم الإسلامي، لا سيما أن تلك الهيبة قائمة على ادعائها بأنها وارثة الخلافة العباسية فأوعزت إلى محمد علي، والى مصر يومذاك، القيام بالمهمة التي فشل فيها كل من والي العراق ووالي الشام فتمكن محمد علي من القضاء على الدولة السعودية الأولى وتدمير عاصمتها «الدرعية» سنة 1818 م، لكن الدعوة السلفية استمرت متأصلة في نفوس الكثيرين من سكان شبه الجزيرة العربية وسرعان ما استعاد آل سعود قوتهم فدخلت الجزيرة العربية في سلسلة من الحروب دامت عشرات السنين، وانتهت سنة 1933 بانتصار عبد العزيز آل سعود وقيام المملكة العربية السعودية الحالية.
توابل - ثقافات
الدعوة الوهابية الخفقة الأولى في العالم الإسلامي بعد عصور الانحطاط
09-09-2007