إعداد: انطوان فضول وأمل شيّاالناشر: إصدار خاص
سيرةُ رجل تختلف عن غيرها من السِّير. فالرجُل إنسانٌ أنعم الله عليه بمواهب قلما تجتمع في شخص واحد. والأعمال ثمار يانعة طيبة المذاق أتت نتيجة دراسة وخبرة واطلاع شاسع المدى.«فؤاد الترك» مجموعةٌ نتناول الجزء الأول منها ويتضمن ما قيل فيه وكتب، نثراً أو شعراً، في المحاضرات أو المناسبات أو الإعلام، وهي ليست مديحاً أو رصف كلام، بل وفاءً لعطاء لم ينضب، واعترافاً بثقافةٍ متنوعة الآفاق، وإجلالاً لهيبةٍ كلّلها النبل والتواضع.والمدهشُ في الكتابةِ عن «فؤاد الترك» أنك لست بحاجة لقراءة الكتاب، فهو حاضرٌ دائماً في أذهان اللبنانيين وحناياهم، يعرفون عنه ما لا يعرفونه عن أيّ شخصية أخرى، يتشوّقون لسماع رأيه في الملمّات الصعاب، ويصغون إليه في الندوات العذاب. رجلٌ من الرّعيل المنتخب. صديقٌ لعظماء في السياسة والدبلوماسية، ونديم لأمراء في الشعر والأدب، ورفيق للودعاء من أبناء شعبه.لكن العودة الى الكتاب لا مفرّ منها، وبوركت الأيدي التي أعدته، فالمحبة تنضح من أناملها، والرصانة تضفي على المتن منهجيةً علمية تضعه في مصاف كتب السِّير التي غدت مرجعاً موثقاً لطالبيها.النشأةنشأ فؤاد الترك في أحضان بلدة زحلة وتأثّر بأجوائها. ورافقته طوال حياته ولا تزال حقائق ثلاث علقها أيقونة يتدفق الحب من جوانبها. الحقيقة الأولى هي الطبيعة بواديها ونهرها وسهلها وجبالها التي يطل عليها من شرفة بيته في «حوش الأمراء»، وثانيتها العائلة التي ترعرع في ظلالها وتعلق بأهدابها فأكسبته الشيم والإباء وحسن الأخلاق، وثالثتها المدرسة بدءاً بمعلمه الذي انطبعت صورته في ذاكرة طفولته، ثم «الكلية الشرقية» التي أتم فيها المرحلة التكميلية والثانوية، ومدرسة «الحكمة» التي أنهى فيها شهادة البكالوريا. وفي خطى هذه الحقائق تعاطى مع الوظائف التي شغلها لاحقاً على أنها عمل رسولي فأضاع الكثير من الفرص لكنه تجلى في الكثير من المواقع.في تلك المرحلة كان لبنان منتدباً من فرنسا، وغدت العاصمة مشرّعة الأبواب للأجانب يقصدونها من كل الأنحاء، فولدت في كيانه روحية الانفتاح على مختلف الحضارات والتواصل مع مختلف الاتجاهات الفكرية والتيارات المعاصرة. وارتكز هذا البعد على مبادئ اعتنقها تتمثل في الحق والخير والجمال. وانصبّ كل ذلك في اطار الوطن الذي أراده موئل الإبداع والإسهام الحضاري على الرغم من صغر مساحته.انتقل الى المدينة مسكوناً بالمبادئ الإنسانية والوطنية، تدفعه جديته الى التهام المعرفة إن في التحصيل الجامعي أم في اختبار الثقافات العالمية المتدفقة عبر لبنان الذي عرف يومها بسويسرا الشرق.وبدأ نجمه يسطع في ميدان الثقافة والتعليم، فكان الرائد في انتسابه الى الجامعة اللبنانية وإسهامه في نهضتها، وإشرافه على أول إضراب في تاريخها. وكان في الوقت عينه يمارس التدريس في مدارس زحلة وثانويتها.الديبلوماسيةلم تغر وظائف التعليم والتربية الشاب الطموح، وسرعان ما شارك في مباراة لدخول السلك الخارجي الذي يتطلب اختصاصاً في الحقوق والعلوم السياسية، بينما تخصص هو في التاريخ والجغرافيا، وأتى تصنيفه الأول بين زملائه، وشرع من وقتها يتبوأ المركز تلو الآخر.يقسِّم سعادة السفير مراحل حياته الديبلوماسية الى أربع: في النصف الأول من حياته المهنية تنقّل بين دول الانتشار اللبناني (كندا، كولومبيا، الاكوادور، البيرو، بوليفيا، نيويورك، الأرجنتين وغيرها) فأعاره كل اهتمام، وانكب على تعبئة طاقاته، بينما كانت شرارات الحرب قد اندلعت في شوارع بيروت وفرقت بين أبنائها.وفي المرحلة الثانية تعيّن في ايران وكان آخر سفير يقدم أوراقه للشاه الذي غادر بلاده بعد شهر، فيما عاد الامام الخميني من منفاه في باريس ليقضي على النظام الامبراطوري ويقيم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد أدت التقارير التي كان يرسلها من ايران، فضلاً عن الجهد الذي بذله في عالم الانتشار، الى اختياره أميناً عاماً لوزارة الخارجية.كانت مرحلة الأمانة العامة ثالثة المراحل وأدقّها. وفي أثنائها جرت المحادثات اللبنانية الإسرائيلية التي نتج عنها اتفاق 17 أيار 1983. وقد فضّل حينها عدم القبول بهذا الأمر، وجاءت الأحداث بعد ذلك لتثبت رأيه. وفي فترة القطيعة بين قصر بعبدا من جهة وبين القصر الحكومي ورئاسة مجلس النواب من جهة أخرى اعتمدت المراسيم الجوالة في غياب انعقاد مجلس الوزراء، فكان يتنقل يومياً بين شطري العاصمة لتستمر أعمال الدولة والمواطنين بالرغم من الوضع الأمني المتفجر الذي كان سائداً يومذاك. وبعد ست سنوات من الإرهاق الدائم ألح على الرؤساء للموافقة على انتقاله الى إحدى السفارات في الخارج.تعيين فؤاد الترك سفيراً في فرنسا استهل المرحلة الرابعة من نشاطه المهني الذي تعكر يوم أصبح للبنان حكومتان إحداها برئاسة سليم الحص والأخرى شكلها أمين الجميل برئاسة العماد ميشال عون في الدقائق الأخيرة من ولايته. وفي الوقت الذي أربك هذا الوضع السفارات اللبنانية لم ترض الحكومتان على تصرف السفير، فنقل الى سويسرا ثم عاد الى وطنه لبنان ليتابع خدمته في حقل السياسة.في مقدمة الباحث انطوان فضول صورة تجسّد ما يكنه المسؤولون والشخصيات اللبنانية لهذا الإنسان الذي أجمعت كل الشهادات على اعتباره مثالاً نموذجياً للدبلوماسي الذي جمع في شخصه مواصفات رجل الدولة وتحلّى بالمبادئ الوطنية والأخلاق السامية، وبهذا الوصف نختتم الحديث عن الجزء الأول على أمل اللقاء مع سعادته في أجزاء أخرى.قال وقالوا فيهساعدته تربيته على تقبل الآخر مهما كان معتقده، ومهما كانت ميوله السياسية أو الفكرية، فإذا به يقول: «في الفكر والسياسة والفلسفة لا يمكن لأحد الادعاء بأنه يملك كل الحقيقة». وجعله تجرده وتفانيه وتسلحه بالحق يطلق شعاره الشهير: «أنا عامل عند رب عمل واحد هو لبنان».ولن نستعرض ما قيل فيه سوى بعض لفتات تلفح مقالتنا كما تلفح الشمسُ جبين لبنان وسهوله. فالبطريرك نصرالله صفير اعتبره «أحد مهندسي سياسة لبنان الخارجية»، الرئيس حسين الحسيني نَسبَ إليه أنه كان العنصر الأبرز في إطلاق «الثوابت الاستراتيجية اللبنانية»، ومجلة «الصياد» بعد تعداد مزاياه تسأل: هل عرفتموه؟ «إنه فؤاد الترك، السفير الرجل تكراراً، الذي يجمع على احترامه كل الذين رموه بالحجارة، وعلى محبته، كل من يحب لبنان ويتفانى في سبيل نجدته ونصرته».
توابل - حبر و ورق
فؤاد الترك
14-03-2008