Ad

كتاب «منافع الحيوان» أثر مهم خلفه لنا العالم الطبيب ابن بختيشوع، وتعتبر تصاويره بمنزلة المرحلة الانتقالية بين تقاليد مدرسة التصوير العربية، وخصائص المدرسة المغولية في التصوير.

عبدالله بن بختيشوع مؤلف مسيحي نسطوري، سليل اسرة علمية اضطرها الاضطهاد المذهبي في بيزنطة الى مغادرة اوطانها لتعيش في جنيسابور في خوزستان (جنوب غربي ايران) وهناك مارست هذه الاسرة وغيرها من المشتغلين بالعلم نشاطها في ترجمة النصوص اليونانية الى العربية خلال ازدهار حقبة الترجمة في العصر العباسي.

ويعتبر ابن بختيشوع من اوائل الذين عملوا بالطب في اسرته وكانت هذه الأسرة تنتقل بين الحين والآخر الى بغداد حيث اعتاد الاطباء منها ان يعملوا في خدمة الخلفاء العباسيين كأطباء لهم وللبلاط، وقد ظلت اسرة هذا النسطوري تعمل في خدمة بغداد قرابة قرنين من الزمان بدءا من عهد الخليفة المنصور حتى عصر عضد الدولة البويهي على أقل تقدير.

وفي المكتبة البريطانية في لندن ورقة منتزعة من مخطوط عربي يعود الى القرن السابع الهجري (13م) تمثل الطبيب عبدالله بن بختيشوع في صورة رجل ابيض اللحية وقد جلس على بساط مستمعا الى احد محدثيه ولعلها الصورة الشخصية الوحيدة التي نجدها لهذا العالم في مخطوطات العصور الوسطى

وقد ترك لنا ابن بختيشوع مؤلفا مهما، على الاقل من ناحية الانتشار الا وهو كتاب (منافع الحيوان) ويتناول في هذا الكتاب الانسان والحيوان بالطريقة المنهجية نفسها التي طبقها العالم اليوناني ديسوريدس على النباتات لكنه يختلف عن ذلك المنهج في كثير من الحالات اذ انه يضم من الاساطير الشعبية والخرافات الطبية اكثر مما حوته المؤلفات اليونانية القديمة التي صنفت في هذا المجال

ومن المعروف ان ابن بختيشوع كتب مؤلفه بالعربية شأنه في ذلك شأن بقية العلماء في دار الاسلام، وظلت النسخ العربية منه متداولة حتى نهاية القرن السابع الهجري ذلك على الرغم من نشأة وازدهار اللغة الفارسية الاسلامية وتحولها الى لغة تقييد وثقافة رئيسة في الشرق الاسلامي منذ عصر الدولة السامانية.

ولم تتم ترجمته الى الفارسية الا في عصر ايلخانات المغول وذلك تحت تأثير هيمنة النخبة الفارسية على أروقة الحكم وفرضها الفارسية لغة رسمية للبلاط الى جانب الايغورية التي كان المغول يتعاملون بها في محررات الدواوين، وتشير المصادر التاريخية الى ان السلطان غازان محمود، امر احد اصحاب اللسانين (العربي والفارسي) وهو عبدالهادي بترجمة الكتاب الى الفارسية وقد وصلتنا نسخة مبكرة من هذه الترجمة يرجح ان تكون نفس النسخة الاصلية التي ترجمها عبدالهادي، وقد تم نسخ وتصوير هذه المخطوطة في مراغة العاصمة الاولى للمغول في اقليم اذربيجان للسلطان غازان محمود الذي حكم ايران فيما بين عامي 694هـ و702هـ في عهده تم اقرار الاسلام كدين رسمي للنخبة المغولية وقد سجد الخطاط تاريخ النسخ ولكن بقي منه فقط رقم المئات وهو ستمئه، اما رقم الآحاد ومعه رقم المئات فهما غير واضحين وان كان هناك ثمة ترجيح ان يكون رقم الاحاد سبعة او تسعة ومن ثم فقد انتهى علماء الفنون الى ان تاريخ هذا المخطوط يعود الى الفترة الواقعة بين عامي 697 و699هـ.

وتحتفظ مكتبة مورجان في نيويورك بهذه النسخة الفارسية النادرة، وترجع اهميتها في حقيقة الامر الى انها من بواكير المخطوطات التي تم انتاجها بعد سقوط بغداد في ايدي المغول وتظهر في تصاويرها التي يبلغ عددها (94) صورة مدى تأثير التصوير الصيني بتقاليده الفنية في التصوير العربي الاسلامي، ذلك ان المغول كانوا يستقدمون الفنانين الصينيين للعمل في خدمة البلاط، وقد ترك عملهم انطباعا قويا على اعمال المصورين المسلمين حتى ادى الامر في غضون سنوات قليلة الى اندثار تقاليد المدرسة العربية للتصوير في ايران وظهور مدرسة تصويرية جديدة في مضمار تزويق المخطوطات، وقد عرفت باسم المدرسة المغولية خاصة مع رسم الاشخاص بقسمات مغولية لها عيون ركنية منحرفة وتنامى التأثير الصيني في المكونات الفنية والزخرفية للصور.

وتعتبر تصاوير هذا المخطوط الفارسي من كتاب منافع الحيوان لابن بختيشوع بمنزلة المرحلة الانتقالية بين تقاليد مدرسة التصوير العربية وخصائص المدرسة المغولية في التصوير، فالصور في الفصول الأولى التي تتناول الانسان ومعظم البهائم انما هي محض استمرار للتقاليد العربية في التصوير، وبخلاف هذه الصور فان بقية المخطوطات تضم انتاج عدد من المصورين الذين تأثروا على درجات متفاوتة بمختلف اساليب التصوير الصيني.

وفي عدد من تصاوير المجموعة الاولى نستطيع ان نلاحظ نفس المشاركة التي تخص الادراك الحسي الدقيق لصفات الحيوان الخاصة مثلما نراها في تصوير الواسطي في المقاسات لقطيع من الابل وقد رسم الفيلان هنا بحيوية اكثر مما يتوقع ان نجدها في تصاوير مخطوط علمي، والحقيقة ان لهذه التصويرة جاذبية خاصة، اذ نرى فيها مظهرا جديدا غير متوقع وهو التحول الكلي لطيات الجلد الى صفوف من الخطوط الملونة على ان الميل نحو تغيير عنصر طبيعي وكيفما اتفق الى شكل زخرفي له سوابقه في تقاليد مدرسة التصوير العربية ولا سيما عند التعبير عن طيات الملابس.

اما المجموعة الثانية من الصور فنرى في البعض منها ذلك المزج بين التقاليد الفنية العربية والمغولية مثلما هي الحال في تصويرة من نفس المخطوط تمثل محاربا مغوليا وهو يضرب رأس الحيوان الخرافي المعروف في الشرق الاسيوي بالتنين، وذلك قبل ان يهاجم سيدة تجلس هادئة في هودج او كرسي على مقربة من فرس.

واذا كان الفنان هنا قد حافظ على خط الارض العشبي المألوف في تصاوير مدرسة بغداد الا انه اقتفى اثر المصورين العينيين عندما قسم الصورة الى مقدمة متسعة وخلفية تمثل السماء وكأنها ستارة من دون تسجيل لخط الافق او نقطة تجمع خطوط النظر واستخدم بعض المفردات الصينية الصميمة مثل عنصر السحاب الصيني (تشي) ورسم الصخور الاصطلاحية.

ومن تصاوير هذه المجموعة الثانية ايضا واحدة تمثل كلاب الصيد مع حارسها، حيث يظهر في الصورة حارس الكلاب يقود كلبتين، احداهما بيضاء والاخرى سوداء وعلى بعد نشاهد ثعلباً يعدو وقد رسم على مستوى آخر من مستويات أرضية الصورة ويقف الحارس ووجهه في وضع ثلاثة ارباع وهو يرتدي غطاء رأس مخروطي الشكل ويلبس رداء رسمت فيه الطيات باسلوب واقعي، اما عن رسوم الحيوانات في الصورة فلقد رسمت قريبة من الواقع تعبر عن قوة الملاحظة ومهارة المصور في نقل الملامح الاصلية، والصورة مقسمة الى مقدمة تمثل الارض التي رسمت عبارة عن عدة خطوط للتعبير عن تعدد المستويات، ومن خلف الارضية السماء من دون تعبير عن المساحة الوسطى، حيث نشاهد عنصر السحاب الصيني.

ويزخر مخطوط منافع الحيوان لابن بختيشوع المحفوظ بمكتبة مورجان في نيويورك بالعديد من التصاوير التي تفصح عن الطابع المميز لمدرسة التصوير المغولية مثل صورة ذكر وانثى الخيل التي تفصح عن اهتمام نخبة الحكم المغولية بالخيول ودقة رسمها، وصورة طائر (السيمرج) الخرافي وهو من المواريث المشتركة بين الحضارتين الايرانية والصينية وصورة الماعز الجبلي وهو يقفز على رأسه من ارتفاع شاهق.