شاعر مشاكس، مثقف نذر نفسه للبحث والدراسة الأدبية، أصدر أكثر من ثلاثة عشر كتاباً معظمها في التراث وتحقيق النصوص. لم يمنعه تخصصه في مادة الرياضيات من التعمق في اللغة العربية وفروعها. مثّل الكويت في مهرجانات كثيرة وقدم أمسيات شعرية في باريس وبيروت والجزائر تركت في مجملها انطباعاً جيداً عن القصيدة المعاصرة في الكويت. مع الشاعر إبراهيم الخالدي هذا اللقاء.

Ad

ديواناك الأول والثاني عرفا نجاحاً كبيراً، في حين لم يلق ديوانك الثالث «احتمالات المعنى» النجاح ذاته، هل توافقني الرأي؟

بالنسبة إلى كلمة نجاح لم أفهم المقصود بها فالكتب الثلاثة المذكورة لم توزع في المكتبات وبالتالي لم يكن لها عائد مبيع وهذه مشكلة جميع دواوين الشعر التي تطبع في الكويت، أنها لا تباع في الأسواق. أما إذا كان المقصود بالنجاح الاحتفاء النقدي والقراءات الصحافية فأتصور أن «احتمالات المعنى» حظي باهتمام جيد وكتبت عنه دراسات ومقالات، ولا أستغرب الاهتمام الكبير الذي رافق ديوان «دعوة عشق للأنثى الأخيرة» لأنه الديوان الأول وغالباً ما يكون الاحتفاء بالديوان الأول كبيرأ، خاصة إذا كان مبشراً بولادة شاعر. أرى أن الشعر في «احتمالات المعنى» أكثر نضجاً من الديوانين الأول والثاني ولاقى قبولاً من الشعراء الذين أعرفهم والتقيتهم.

ثلاث مجموعات شعرية مقابل ثلاثة عشر كتاباً بحثياً ودراسة، هل تغلّب الباحث فيك على الشاعر؟

صحيح، ربما أكون أصدرت كتباً في الدراسات تفوق بكثير إنتاجي الشعري، لكن علينا ألا ننسى أن الشعر يرتبط بمزاجية معينة، ولو أخذنا في الاعتبار حضوري في الساحة الثقافية لنحو خمسة عشر عاماً فأعتقد أن ثلاث مجموعات شعرية أمر جيد حتى وإن كانت أقل من المتوقع، لكن في الإجمال أقرّ بأن كتابتي للشعر قلت في السنوات الأخيرة. ربما يعود ذلك إلى استغراقي في مجال البحوث وانشغالي في العمل والتقدم في السن وتغير المزاج... كلها عوامل تعيق الإنسان وتشغله عن كتابة الشعر.

تعيش القصيدة الفصحى في الخليج حالة انحسار وتراجع مقابل تطور القصيدة العامية وازدهارها، ما السبب في رأيك؟

السبب بكل بساطة أن الناس يتحدثون بلغة القصيدة العامية. قيل منذ القدم «الإنسان عدو ما يجهل» وهو بالضرورة حليف ما يعلمه. بالتالي يحب الناس هذا الشعرالذي يتحدث بلسانهم. حتى بالنسبة إلينا نحن كتاب القصيدة الفصيحة نتحدث في حياتنا اليومية بالعامية، وثمة سبب آخر يتعلق بازدهار القصيدة العامية وهذه حال الشهرة التي تؤدي إليها القصيدة وما يرافقها من إغراءات وأضواء. ثم إن قلة كتاب القصيدة الفصيحة تؤدي إلى قلة عدد المتابعين. في تقديري لو كانت في الكويت أعداد كبيرة من الشعراء الفصيحين لازداد عدد المتابعين ولأصبح هناك زخم ثقافي واهتمام إعلامي أكبر.

كتابك «المستطرف النبطي» لقي قبولاً كبيراً من القراء وبيعت منه نسخ كثيرة، هل هناك أسباب محددة في رأيك؟

هناك مجموعة من الكتب تلقى قبولا معيناً من القراء وذلك عائد إلى طبيعتها ومحتواها العلمي أو الأدبي. في ما يتعلق بـ»المستطرف النبطي» فهو كتاب يحوي مجموعة من الحوادث والقصص الطريفة القديمة والمعاصرة منها. حرصت على أن أضمن هذا الكتاب مجموعة كبيرة من الحوادث التي لم تنشرمن قبل وهي في غالبها مأخوذة من أفواه الرواة. نجاح الكتاب شجعني على طباعة الجزء الثاني منه ولدي كتاب آخر مثل «المصورالبدوي» استطعت أن أجمع فيه نحو ألف صورة قديمة والناس يميلون بطبيعتهم إلى قراءة مثل هذه الأمور.

إلى أي مدى يمكن أن نعتبر رواج الكتاب دليلاً على نجاحه؟

مسألة الرواج يجب ألا تغري المؤلف ولا أدعي أن الكتب التي بيعت لي أكثر قيمة من غيرها. على العكس تماماً، أرى أن لديّ كتباً ذات قيمة أدبية عالية لكنها لم تلق الرواج الكافي. وفي الإجمال، إن تجاوب الناس مع كتاب ما ودفع مبالغ لاقتنائه هو ذاته عزاء للمؤلف وإعلاء لمعنوياته، ويبقى رواج الكتاب مؤشراًعلى النجاح لا يستهان به سواء بالنسبة إلى المؤلف، أو الناشر.

نلاحظ أن ثمة إقبالاً على الرواية والحكاية الشعبيتين في منطقة الخليج، إلام يعود ذلك؟

بدأت ألاحظ حديثاً، خاصة من الأجيال الجديدة اهتماماً كبيراً بمعرفة التراث وحوادث الماضي أكثر حتى من كبارالسن، فالشباب الذين تتراوح أعمارهم بين20 و25 عاماً يهتمون بتلك الحوادث ويدققون فيها، بينما تجد أناساً من كبارالسن لا يهتمون بها، ربما لأن بعضهم عايش هذه الحوادث، ويعلم تماماً مرارتها وقسوة أيامها، بينما أخذنا التراث من زاويته الجميلة. مسألة الاهتمام بالتراث باتت أمراً مسلماً به والدليل كثرة القنوات الفضائية المهتمة. لو لم تكن ناجحة لما تزايدت بهذا الشكل الملحوظ. يمكن أن نذكرهنا أن المسألة متصلة بالراحة النفسية والمادية. معلوم أن الإنسان عندما يعيش حالة من الترف وتنتهي مشاكله مع الحياة يبدأ رحلة البحث عن الجذور.

بعد نجاح «شاعرالمليون» بدأنا نلاحظ خطوات مميزة ل «أمير الشعراء»، ما قراءتك لهذين البرنامجين؟

في تصوري «شاعر المليون» برنامج ناجح بدليل تحول جميع شعرائه إلى نجوم. استطاع أن يغير في خريطة الشعر العامي. هناك ثلاث قنوات الآن تقدم برامج مشابهة أو مقلدة، أما بالنسبة إلى «أمير الشعراء» فهي فكرة جميلة ولا سيما أن يكون للشعر الفصيح على القدر ذاته من الهالة والنجومية، لكننا نقول أن «أميرالشعراء» عانى من ما يعانيه الشعرالفصيح وواضح جداً أن عدد المتابعة فيه أقل من «شاعرالمليون». لكن يجب ألا ننسى أن لهذا البرنامج حسنات أهمها أنه عرّفنا بشعراء لم نكن نعلم بوجودهم وهم شعراء مجيدون. الفكرة بذاتها جميلة، خاصة أننا نسمع شعراً ونقداً مرافقاً لهذا الشعر.

لكن هناك من انتقد «شاعر المليون» باعتبار أنه يغذي روح القبلية.

صحيح، هذه مشكلة، لكن علينا ألا ننسى أن برامج كهذه لا بد من أن يكون لها مردود إذ تعتمد بالدرجة الأولى على التصويت. هؤلاء الشعراء ليسوا لاعبين أو مغنين، أو ممثلين سينمائيين، لذا هم يضطرون إلى اللجوء إلى قبائلهم للحصول على التصويت. أوافقك الرأي في أنه أمر غير جيد، لكنها ضريبة النجاح ولا بد من بعض السلبيات.

ماذا عن النقاد الذين ظهروا لتقويم الشعراء وإبداء آرائهم في القصائد.

أن نسمع قصائد معينة ونسمع بعد ذلك نقداً عنها أياً يكن مستوى هذا النقد. أرى ذلك أمراً جميلاً. اعتدنا في السابق سماع الشاعر وحده يلقي وربما يكون في قلب أيّ منا كلاماً كثيراً يود قوله تعليقاً على القصيدة ومناقشة ما ورد فيها. أنها في تصوري فرصة جيدة لسماع النقد أيضاً. وفي ما يتعلق بمستويات النقاد ثمة تفاوت بين ناقد وآخر، خاصة ونحن نتحدث عن برنامج منقول على الهواء مباشرة. قد يغفل أحدهم عن فكرة ما أو يتسرع في إبداء رأيه، لكن تبقى الفكرة جميلة عامةً.

تخصصك العلمي كان في مادة الرياضيات، كيف استطعت الجمع بينها والأدب؟

لست في نهاية المطاف عالماً رياضياً، لكنني أحمل إجازة جامعية في مادة الرياضيات وأعمل في حقل التعليم. بعد نيلي الشهادة الثانوية توجهت إلى هذا التخصص في الجامعة لأن شهادتي كانت في القسم العلمي ومعدلي كان عالياً. في أي حال، لم يمنعني ذلك من قراءة الأدب والشعر. لا علاقة لحبّ الشعر البتة بالتخصص العلمي. من مشاهداتنا يتضح لنا أن أساتذة النقد في اللغة العربية هم أسوأ الشعراء. أحياناً يكون هناك شاعر جيد لكنه عاطل عن العمل أو يعمل في مهنة حرفية لا علاقة لها بتخصص اللغة العربية، لكنني لا أنكر أن الشعر الفصيح يحتاج إلى قدر معين من القراءة والمعرفة في النحو العربي والصرف. هذه لا تدرس في أقسام الرياضيات واستطعت تعويض ذلك بالمطالعة والقراءة الحرة.

في غمرة انشغالك هذه هل تجد وقتاً للقراءة؟

قد يغفل الشاعر عن القراءة قليلاً، لكن الباحث لابد من أن يقرأ لأن جزءاً غير قليل من عمله يتعلق بالقراءة. اعتدت القراءة المكثفة ولدي عادة محببة أمارسها منذ نحو عشرين عاماً فأنا لا أخلد إلى النوم من دون أن أقرأ في كتاب ما. بالطبع، قراءات ما قبل النوم ليست عميقة. ربما تكون في رواية مثلاً أو كتاب تراثي خفيف، لكنني حتى بالنسبة إلى الكتب التخصصية العميقة فإني أقرأها بتوسع ولساعات طويلة. أمتلك مكتبة منزلية ضخمة تغنيني حتى عن الذهاب إلى المكتبات العامة.

كانت لك مشاركات مميزة في بعض المهرجانات والأمسيات الشعرية، أيّ مهرجان جذب انتباهك ولماذا؟

المهرجانات الشعرية تفيد في عدة أشياء، أولاً تحضّ الشعراء على كتابة قصائد جديدة، وتهيئ أجواء مناسبة للقاء شخصيات، والتعرف إلى زملاء وشعراء جدد. تساعد أيضاً على معرفة الوضع العربي واكتشافه عن قرب. اتضح لي أن الوضع العربي من الناحية الثقافية يكاد يكون واحداً في كل أقطاره فحالة الإحباط واليأس مشتركة بين الجميع، وأتصور أن أهم مهرجان شاركت فيه كان مهرجان الشعر العربي الفرنسي في باريس الذي نظمه المعهد العربي ومثلت الكويت فيه، برفقة أسماء شعرية كبيرة من الوطن العربي أمثال سعدي يوسف، ميسون القاسمي، فاضل عزاوي، عبد المنعم رمضان وآخرين. أعتقد أنني تركت انباعاً جيداً هناك وكان المهرجان مميزاً سواء لناحية تقديم المشاركين أوترجمة القصائد في أجواء باريس الجميلة. كانت لي مشاركات أخرى في الجزائر وبيروت مثلاً، وكل مشاركة تترك ذكرى محددة في النفس.