الدكتور عبدالمعطي بيومي عميد كلية أصول الدين الأسبق وعضو البرلمان المصري السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، من رموز جامعة الأزهر علماً وثقافة شرعية، وهو ما جعله مرشحا لتولي منصب الإفتاء في مصر في فترات عديدة سابقة، ولكن ثورته الدائمة في وجه المتعصبين ضد كل ما هو جديد وآراءه الجريئة التي دائماً ما تجعل الكثيرين في حرج شديد، كموافقته على استئجار الأرحام وتولي المرأة منصب القضاء، حرمته من مناصب عديدة كان مؤهلاً لقيادتها.
التقته «الجريدة» في القاهرة، ودار معه الحوار التالي:• ما شروط الإفتاء؟- يشترط للمفتي أن يكون حافظاً لكتاب الله، عارفاً بتفسيره ودلالاته وألفاظه، دارساً للسنة النبوية، قادراً على تمييز الحديث الصحيح من الضعيف، دارساً للفقه وأصوله واللغة العربية وعلومها، حتى يكون قادراً على فهم دلالات القرآن، تقيا ورعاً يخاف الله سبحانه وتعالى ويبلغ رسالته ولا يخشي إلا الله.• كيف ترى الفتاوى التي انتشرت في الساحة مؤخرا وأدت إلى إثارة الجدل؟- هي فوضى الفتاوى وأرى أن السبب الرئيسي فيها القنوات الفضائية التي تفتح الباب لأدعياء الدعوة ممن لم يدرسوا الثقافة الإسلامية ولم يتأسسوا تأسيسا إسلاميا علميا قويما، بالإضافة إلى عدم وجود مرجعية تقنع الناس بما لديها من علم إلا في القليل النادر.• هل نحن بحاجة الآن إلى فتاوى من نوعية إرضاع الكبير أو التبرك ببول رسول الله؟- ما يحدث هو خلل في الإفتاء، لأنه لم يحدث أصلاً تبرك ببول الرسول، وإرضاع الكبير لم يقره أي من المذاهب الأربعة السنة، أو المذاهب الزيدية والشيعية، فلسنا بحاجة إلى هذه الفتاوى الطائشة، وإن كنا في حاجة إلى فتاوى صحيحة تلاحق مستجدات الحياة المعاصرة ومشكلاتها التي تختلف عن مشكلات العصور الماضية، التي استطاع الفقهاء القدامى أن يعالجوها بعقولهم الفذة وفقههم الصحيح الذي تعامل مع القرآن والسنة كما ينبغي أن يكون التعامل.• كيف تقيّم الدور الذي تقوم به القنوات الفضائية في المجتمع؟- في تقديري أنها تقدم للمجتمع فكرا قديما، دون أن تحل مشكلة واحدة من مشكلات المسلمين كالتأميم وفوائد البنوك ووضع المرأة في عصرنا والاكتشافات العلمية الجديدة في مجال الطب وأثرها على الأسرة.• أصدرت فيما سبق فتوى تجيز نقل الأرحام أو استئجارها، على الرغم من رفض مجمع البحوث الإسلامية، فعلى ماذا اعتمدت في إصدار فتواك؟- أن تكون الأم الحاضنة والأم الأصلية زوجتين لرجل واحد، وهذا حل لمشكلات كثير من الأمهات اللاتي لديهن عيب في الرحم فقط، فهى تنتج البويضات ولكن الرحم لا يستطيع أن يحمل الجنين لمدة تسعة أشهر، فلو لقحت بويضة الزوجة ذات الرحم المعطوب بحيوان منوي من زوجها وزرعت في رحم الزوجة الأخرى لا يكون في ذلك حرمة أو شبهة زنا، ثم إن التحليل الوراثي أثبت عدم وجود أي فرصة لاختلاط الأنساب، فالجنين ابن أبيه الشرعي وأمه صاحبة البويضة الأصلية، كما أن الرحم لا يعطي أي صفة وراثية، بل هو مجرد وعاء، أما البصمة الوراثية للجنين، فهى تحقق بنسبة 100% انتسابه لأمه وأبيه الأصليين.• ولماذا رفض مجمع البحوث الإسلامية الفتوى؟- في البداية، مثل هذا القرار لا يمكن اتخاذه في جلسة واحدة، لأن مثل هذه المسائل تحتاج إلى تعاون علمي ودراسة علمية يشترك في إعدادها أطباء أمراض نساء وتوليد وعلماء وراثة وشريعة، ولم تتوافر هذه الدراسة، فمجمع البحوث الإسلامية أخذ قرار التحريم في جلسة واحدة، وهذا ما جعلني أتحفظ عن قرار المجمع في محضر الجلسة، ولذا أرى أن القرار إما يعود إلى عدم الإحاطة بالعلم الطبي والشرعي أو للتعصب ضد كل ما هو جديد.• كيف ترى دور المسلمين في التصدي للهجمة الشرسة التي يقودها الغرب على الإسلام؟- دورنا الآن هو التوعية والاستمساك أكثر بالإسلام والعمل به، فهو دين كل العصور يتجاوب مع مطالب المجتمع، ويؤهل الدولة الإسلامية في كل زمان أن تكون دولة حديثة، يقوم فيها العقل الإسلامي بدوره الرائد في فهم الأحكام واستنباط منه ما يحل مشكلات المجتمع.• وماذا عن موقف الأزهر؟- الأزهر يعمل كما ترى قياداته، وأنا لا أعلق على هذا الدور وإن كنت أرى أننا في حاجة لدعم دور الأزهر وتوسيع نشاطه والاستجابة للتحديات المعاصرة.• هل القانون المنظم لشؤون مجمع البحوث الاسلامية يمنع وجود امرأة في عضويته؟- لا مانع شرعاً من أن تكون أحد أعضاء المجمع امرأة، فهناك نساء فقيهات أكثر من رجال يظهرون على أنهم فقهاء، والقانون رقم 103 للأزهر لم ينص على أن علماء مجمع البحوث لابد وأن يكونوا من الرجال وإنما وضع شروطا علمية وخبرات معينة، فإذا ما توافرت في ذكر وأنثى كان أهلاً لذلك، ولكن هذا يعبر عن موقف الذين يملكون إدارة المجمع، فكنت مع تولي المرأة القضاء ومع توليها رئاسة الدولة في مجتمع ديموقراطي قائم على المؤسسات، لأن المرأة حين ذلك لن تكون لها الولاية العظمى ولكن ستكون الولاية موزعة على المؤسسات وبالتالي لا ينطبق الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى اله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولي أمرهم امرأة) لأن المؤسسات الدستورية ستشارك في ولاية الأمر وهذا ما يغفل عنه الكثيرون.• ما مدى جدية ما يثار عن تعرض المقدسات الإسلامية لأخطار؟- بطبيعة الحال مقدساتنا الإسلامية تتعرض لأخطار من الداخل والخارج، فالأخطار من الداخل تتمثل في التعاون في معرفة قيمة هذه المقدسات معرفة علمية تدفع العرب والمسلمين إلى اتخاذ موقف، ولو أخذنا مسألة المسجد الأقصى على سبيل المثال، فهو يتعرض منذ فترة طويلة لانتهاكات دون أن يعمل المسلمون على حمايته، وهذا هو التحدي الداخلي، أما الأخطار الخارجية التي تواجه المقدسات الإسلامية فهى أكثر من أن تحصى، فهناك الخطر الصهيوني والخطر المتمثل في الإمبريالية الأميركية في محاولة الهيمنة وأن توهن الشعور بهذه المقدسات، خصوصا المحافظين الجدد الذين يحكمون أميركا الآن بروح دينية متمثلة في الصهيونية المسيحية، وعندما نقول صهيونية ندرك على الفور مركزية المسجد الأقصى في هذه العقيدة.أما مكة فمازالت بعيدة وإن كانت الأخطار تحوم حولها ولكن بشكل غير مباشر ولا أتصور أن ينزل بمكة أو المدينة ضرر إلا وسنكون كلنا شهداء.ونوعية الأخطار التي تتهدد مقدساتنا متعددة فهى سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية من أمثلة محاولة تغيير المناهج الإسلامية وتغيير مناهج كليات الشريعة بشكل يرضي الساسة الأميركيين.• هل يقع على المسلمين مسؤولية أو دور تجاه مقدساتهم، سواء مكة أو المدينة أو غيرها من الرموز والأماكن الإسلامية؟- من سيكون المسؤول لو لم يكن المسلمون من سيتحملون مسؤولية الدفاع عن هذه المقدسات، وفي تقديري هذا الأمر تحد للمسؤولين بالدرجة الأولى، ففي الصراع العالمي يفعل الأعداء ما شاءوا، فهم يعملون لمصالحهم ولكن علينا أن نمسك بحركة التاريخ، لا أن نكون موجهين بغيرنا وإنما نحاول توجيه التاريخ، ندير دفته كما كنا في الماضي، نحن أدرنا دفة التاريخ قروناً طويلة، وكنا رواد العالم، دورنا في حماية مقدساتنا متعدد الجوانب بكل ما نملك من أسلحة سياسية وفكرية وثقافية واقتصادية، فالمسلمون الآن يتحكمون في أهم تجارات العالم؛ تجارة الزيت والبترول، فهل نرى استخداماً لهذه التجارة في حماية مقدساتنا وفي حماية عقيدتنا وثقافتنا.
توابل
الدكتور عبدالمعطي بيومي: سنكون كلنا شهداء لو تعرّضت مكة أو المدينة لأخطار
21-09-2007