لو سألنا 10 من القراء لأجاب 9 منهم بألا وجود لحرية الصحافة في الوطن العربي وأقر العاشر بوجودها. ولو سألنا 10 من المسؤولين لكانت النتيجة عكسية! ويرجع هذا كون أن ما يقرأه المواطن العربي أقل كثيراً من الحرية التي يتمناها والصدق الذي ينشده، وفي الوقت ذاته أكبر مما يتحمله المسؤول العربي. فمقالات الصحف أقل من الحد الأدنى الذي يتمناه القارئ وأكبر من الحد الأقصى الذي يتحمله المسؤول. هذه حقيقة العلاقة بين المواطن القارئ والمسؤول الحاكم، لكن ماذا عن العلاقة بين كاتب المقال ورئيس التحرير المفترض وجودهما في الجهة نفسها المطالبة والمؤيدة لحرية الفكر والكتابة والإبداع، لكن - للأسف - فعدم وجود رقيب حكومي جعل بعض رؤساء التحرير أكثر حدة وصرامة من الرقيب الحكومي ذاته، فبينما يلتزم الرقيب الحكومي بالضوابط المعروفة للمقال، من حيث عدم التعرض للأديان أو العادات والتقاليد والخروج عن الآداب العامة أو المطالبة بقلب نظام الحكم بالقوة أو كتابة المقال بدافع شخصي ولمنافع ذاتية، نجد رئيس التحرير يضع الكثير من الخطوط الحمراء قبل السماح بنشر المقال، مما جعل بعضهم يصف بعض رؤساء التحرير بأنهم ملكيون أكثر من الملك. كما أن كثيرين من رؤساء التحرير يجعلون الإعلان هو الدرع والحجة التي تحميهم من غضب الكتاب. فمن المعروف أن معظم الصحف العربية - إن لم تكن جميعها - تعتمد في مواردها على الإعلان، ولا يمثل ثمن الصحيفة الذي يدفعه القارئ رقما يذكر في ميزانية أي صحيفة، بل لا يغطي تكاليف إصدارها، ومن هنا كان اعتماد أصحاب الصحف على الإعلان وإعطاؤه الأولوية مقدمين على مصلحة القارئ، وما يتمنى أن يراه ويقرأه في الجريدة التي يحرص على شرائها ودفع ثمنها الزهيد... ولا يمر يوم من دون أن نقرأ لكاتب ما في صحيفة ما في وطننا العربي أن مقاله قد تأجل أو تبدل من أجل الإعلان، هذا بخلاف ما يقوم رئيس التحرير بإضافته من محاذير أيضا، فتضيع حرية الكاتب في مقاله وتتوه فكرته ويُجهَّل رأيه، وكل ذلك برغم أن الصحف جميعها بلا استثناء تعلن أن ما يُكتب في صفحة المقالات والرأي خاص بكاتبه ولا يعبر عن رأي الصحيفة... ويبدو أن هناك علاقة حميمة بين كلمة رئيس وكلمة ديكتاتور في موروثنا الثقافي العربي، فعندما يربط اسم شخص بكلمة رئيس تنتابه شهوة التحكم وغريزة المنح والمنع، فيسمح بهذا ويمنع ذاك ويوافق هنا ويرفض هناك. وإلى أن نتخلص من هذه العلاقة الحميمية المشؤومة، أهمس في أذن رؤساء التحرير، أن القارئ هو الباقي والإعلان إلى زوال... كما أتمنى عليهم أن يتنازلوا قليلاً عن ديكتاتوريتهم مع كتّاب المقالات كي نستمتع كقراء بما يريد الكاتب أن يقوله ويتمكن الكاتب أن يعبر عما يريد بلا خوف أو تردد.
مقالات
بين حرية الكاتب وديكتاتورية الرئيس
05-10-2007