يحتل اللعب حيزاً كبيراً في تفكير أولادنا. يردّدون من دون كلل أو ملل: «متى سينتهي دوام المدرسة؟ لا أستطيع الانتظار. متى أصل إلى المنزل كي ألعب؟ متى ستنتهي أيام الدراسة إلى غير رجعة. أتحرّق شوقاً لمجيء الصيف كي أتمكّن من اللهو واللعب مع أصدقائي؟».

Ad

وفيما يريد أولادنا اللعب دائماً يحاول معظمنا منعهم بذريعة المساحة الضيقة أو الوقت غير الكافي. للعب فوائد كثيرة قد لا نلمسها اليوم لكنها حتماً ستؤتي ثمارها لاحقاً.

أسرار لمخيلته الخصبة

قبل توافر الدمى والألعاب، يستعين الطفل بكل ما يحيط به ليلعب ويتسلى. الوسيلة يداه، الأضواء والظلال... هذا كلّه جزء لا يتجزأ من استكشافه، نموه وإدراك ما يحيط به من خلال جسده وقدراته الحركية.

اللعب ضرورة أساسية في حياة الأولاد لأنّه يهدئ مخاوفهم حيال شعورهم بالنقص أو الفراغ. على سبيل المثال، لعبة الغميضة، المفضلة لدى الأولاد الصغار تتيح المجال لاختبارهم شعورهم بالنقص، ذلك أنّ رفاقهم في اللعب يختفون وعندما يظهرون مجدداً تشكّل هذه اللحظة مناسبة مدهشة بالنسبة إلى الولد لأنّ قلقه من انفصال رفيقه عنه قد زال. من هنا تعتبر لعبة الغميضة خير وسيلة تخوّل الولد معرفة مخاوفه ومشاعره وإدراك حسّ المكان أو الجغرافيا والاتجاهات ... عندما يبادر الولد إلى بناء مخبئه الخاص فهذا دلالة عن بناء مكان صغير في قلب المكان الكبير: بيت صغير في البيت الكبير أو الحديقة. هذا ما يزرع الشكوك في رأس الأهل فيتساءلون: «لمَ يبني هذا المكان له وحده؟ لمَ لا يلعب أمام أعين الجميع؟» أما الجواب فـ «لأنّ هذا يشعره بالأمان. يريد أن يحمي نفسه. ويكّون معلوماته الخاصة ويخفي أسراره الصغيرة. يغذّي مخيلته الخصبة.

قدّمي له الدمى وأقلام التلوين

ينصح الخبراء للأهل بألاّ يقدّموا ألعاباً حديثة جداً لأولادهم. ذلك يقتل مخيلتهم الابداعية. من الأفضل أن يقدّموا إليهم ألعاباً بسيطة كالدمى التي يستطيعون أن يخبئوها ويجدوها مجدداً أو الأحاجي أو أقلام التلوين. من هنا يستطيع الطفل أن يسيطر على مخاوفه وعواطفه من خلال القصص التي يسردها للدب، تكون عبارة عن أمور واجهته فتخطى خوفه منها بالافصاح عنها. في السنين الأولى من عمره يختبر الطفل أحاسيس مختلفة يشعر بها كل إنسان عادي إلا أنّه سيشعر بالحاجة إلى فهم هذه الأحاسيس.

لا بدّ من الإشارة إلى أهمية الروايات التي يقصّها الأهل على أطفالهم، تتحدث عن مشاعر مختلفة: الغيرة، الخوف، المرض، المعاناة، الموت، الكره، التقدّم في السن ... كلها تنتهي سعيدة. تساهم في جعل الولد يدرك أنّه هو أيضاً سيمرّ ببعض الصعوبات والمشاكل والاختبارات لكنّه سيتمكّن دوماً من تخطيها بنجاح. في القصص ينجح البطل في تخطي المعوقات التي تواجهه لأنّه صغير أو واسع الحيلة أو كريم ليس لأنّه قوي أو غني، فالمغزى من القصة هو «النصر» الدائم.

لعب وثقافة في آن

يتعلّم الولد أموراً كثيرة من خلال اللعب ذلك أنّ طابع اللعب الترفيهي يساعده في طبع بعض المعلومات في ذاكرته. من هنا يمكن للأهل بفضل بعض الأساليب المميزة تعليم أولادهم مادتي الحساب والقراءة بسهولة. في المقابل يحبّ الولد أن يفكّر ويتصرّف. هو في حاجة للقيام ببعض الأمور، على سبيل المثال يتخيّل نفسه ممثلاً. لكن لماذا؟ لأنّه هنا يصبح مشهوراً ومحبوباً يؤثر في الناس. أو أن يكون مزارعاً. فلمَ لا يقوم والداه بمساعدته في ذلك؟ يحب الولد تلويث ثيابه. يفعل ذلك بموافقة أمّه. سيكون أمراً مبهجاً حقاً بالنسبة إليه. كذلك يساعده «توسيخ» نفسه ثم القيام بعملية التنظيف في كسب الثقة بالنفس إذ يدرك أنّ في وسعه القيام بنفسه ببعض الأمور.

من الخيال الى الواقع

ليتعلم كيفية اللعب مع الآخرين، على الولد إجادة اللعب وحده ما يؤهله لتنمية مخيلته وتوسيع آفاقه. أما المرحلة الثانية فتكمن في التوصّل إلى إدخال الآخرين إلى عالمه الخيالي الذي يعُجّ بالساحرات والدمى. كذلك سيكتشف أنّ الحياة تبادل وأخذ وعطاء من خلال إعارة دراجته الهوائية لرفاقه والسماح للآخرين بدخول عالم ألعابه.

في الصفوف الابتدائية سيعبّر عن نفسه من خلال زمرات أو مجموعات متجانسة تتفق حول المواضيع نفسها. يتجه الأولاد نحو من يشبههم لأنّهم يبحثون عن هويتهم، عن مرآة تعكس صورتهم. أحياناً تشبه هذه المجموعات الطبقات الاجتماعية. انها صورة مصغرة عنها. في المجتمعات التقليدية كانت طريقة التربية والألعاب التي تعلّم للفتيات غير تلك التي تعلّم للفتيان. فألعاب الفتيات تعتبر تمهيداً لهنّ للقيام بالأعمال المنزلية ونافذةً على مرحلة الأمومة. فضلاً عن أنّ الأهل يعمدون إلى مكافأة ولدهم على تصرفه العدواني ومعاقبة ابنتهم إذا تصرفت بالطريقة نفسها، في حين أنّهم يقيمون وزناً لدهائها وحسن تدبيرها للأمور.

خياله فسحته

يبادر الولد إلى تأليف سيناريو إنطلاقاً من كلّ ما يصادفه حتى دونما حاجة إلى لعبة لتسلية نفسه. يتيح اللعب فرصة للولد لتقليد بعض الأشخاص أو تقمّص بعض الأدوار وخير مثال على ذلك لعبة «المعلمة والتلاميذ» و»بيت بيوت» أو الطبيب.

يعتبر الخيال من الوظائف النفسية. إنّها القدرة على تخيّل العالم، وتلوينه بالألوان التي نحبّ. لفهم الخيال علينا العودة إلى الوراء، إلى مرحلة الطفولة، في الفترة التي يعيش فيها الطفل كأنّه سيد العالم، معتبراً أنّ أمّه جزء لا يتجزأ منه فيكفي أن يبكي كي تهرول مسرعةً إليه. حين يفهم أنّها ليست جزءًا منه، يبحث عن شيء بينه وبين العالم الخارجي ليساعده على التكيّف مع هذا الواقع. كذلك يسمح الخيال للولد باللعب وإقامة مسافة بين العنف الذي يعيشه في داخله والعنف الخارجي. هذا ينطبق على الناضجين الذين عانوا من صدمة عنيفة فلجأوا إلى عالم الخيال للهرب من حزنهم ولإقامة تلك المسافة التي تخولهم تغيير العالم الذي يعيشون فيه.