تصاعدت حدّة التكهنات بأن السعودية وأربع دول خليجية أخرى ستتخلى عن أسعار الصرف الثابتة، منذ أن قررت الكويت فكّ ربط عملتها بالدولار في مايو الماضي لاحتواء التضخم.
في الظاهر قد يبدو أن هبوط الدولار وارتفاع التضخم وتخفيضات أسعار الفائدة الاميركية، عوامل مقنعة باصلاح نظام الصرف الاجنبي في دول الخليج العربية، لكن هذه الدول ليست مستعدة لأي تغيير في نظام ربط العملات بالدولار. وتتحرك البنوك المركزية بهدوء، بسبب المخاوف على مستقبل أصولها الدولارية، وتداعيات أي خطوة تخطوها على تحالفها مع واشنطن، وتساؤلات بشأن مدى فعالية أي نظام جديد للنفط في السيطرة على التضخم. وفي ضوء تفضيل دول الخليج للتحرك الجماعي في ما يتعلق بالسياسات النقدية، وهي تتحرك صوب وحدة نقدية، فان المستثمرين الذين يراهنون على رفع قيم العملات قد يضطرون إلى الانتظار عاما آخر أو أكثر قبل أن تتحقق توقعاتهم. وقال سايمون وليامز خبير الاقتصاد الاقليمي لدى «اتش.اس.بي.سي» في دبي، «لا أعتقد أن التغير وشيك، ربما تكون بعض الدول مقتنعة بالاسباب الداعية إلى التغيير، لكني لا أشعر أنها على وشك التحرك». وتصاعدت حدة التكهنات بأن السعودية وأربع دول خليجية أخرى ستتخلى عن أسعار الصرف الثابتة، منذ قررت الكويت فك ربط عملتها بالدولار في مايو الماضي لاحتواء التضخم، ومنذ ذلك الحين تزايدت الاسباب الداعية إلى الاصلاح. وقد استمر هبوط الدولار الى مستويات قياسية في الاسواق العالمية، فتراجع 16 في المئة أمام اليورو الاوروبي، ونحو 13 في المئة أمام سلة من العملات الرئيسية، منذ الخطوة التي اتخذتها الكويت في 20 مايو، مما أدى الى ارتفاع تكلفة الكثير من واردات الخليج. وارتفع التضخم في مختلف أنحاء منطقة الخليج، فصعد الى مثليه تقريبا خلال خمسة أشهر في السعودية، ليسجل أعلى مستوى منذ 27 عاما عند 8.7 في المئة في فبراير الماضي، وتسبب اقتران ارتفاع الاسعار بانخفاض القدرة الشرائية في أعمال شغب قام بها عمال مغتربون في الامارات والبحرين. كما أن البنوك المركزية في دول الخليج عمدت الى خفض أسعار الفائدة، لمنع المضاربة على رفع قيمة العملة، رغم أن مجلس الاحتياطي الاتحادي اتخذ خطوات لخفض تكاليف الاقتراض، بتخفيض أسعار الفائدة ثلاث نقاط مئوية منذ سبتمبر الماضي، للحيولة دون انزلاق الاقتصاد الاميركي الى الكساد. وفي ضوء تخفيضات الفائدة الاميركية وضعف الدولار، فلا عجب أن المستثمرين يتوقعون انهيار نظام ربط العملة في الخليج خلال أشهر. وتظهر التعاملات الآجلة أن المستثمرين يتوقعون ارتفاع الريال القطري ودرهم الامارات بنسبة 4.2 و3.3 في المئة في غضون عام. وقال بنك «ستاندرد تشارترد» في مذكرة خلال الشهر الجاري، انه رغم ما يتردد عن عدم رفع قيمة العملة، فانه لا يرى أن هذه الحجج قوية بما يكفي. وأضاف البنك الذي يتوقع أن ترفع قطر والامارات قيمة عملتيهما قريبا، ربما في أبريل، «نحن نرى أن التضخم المرتفع هو أكبر خطر على تحقيق نمو مستدام، ويجب تشديد السياسة النقدية». ورغم كل هذه العوامل المقنعة فالمسألة ليست بسيطة، فربط العملة بالدولار مجرد خيط في شبكة من المصالح الدبلوماسية والاقتصادية والسياسية والامنية التي تربط دول الخليج بالولايات المتحدة. وتتفق دول الخليج التي يستضيف أغلبها قوات أميركية مع واشنطن في التشكك من ايران، بما في ذلك برنامجها النووي والمخاوف من التشدد الاسلامي. وحتى اذا لم يكن لإصلاح نظام الصرف الاجنبي صبغة سياسية، فان أي محاولة من جانب دول الخليج بما تملكه من صناديق سيادية واحتياطيات تصل الى 1.2 تريليون دولار للابتعاد عن الدولار، قد تؤتي نتائج عكسية. وقال كبير الاقتصاديين في بنك اسب السعودي الذي يملك بنك «اتش.اس.بي.سي» حصة فيه، جون سفاكياناكيس «لا يمكنهم التصرف بطريقة سلبية للدولار». وأضاف «توفر الولايات المتحدة الامن للمنطقة وهذا ليس مجانيا، وايران عنصر كبير وكلهم خائفون لانهم مكشوفون». بالاضافة الى ذلك، فان معظم أموال الخليج مستثمرة على الارجح في أصول أميركية. وأي شيء يضر بالدولار سيلحق الضرر أيضا بالخليج. ثم تأتي المخاوف مما اذا كان أي نظام جديد للصرف الاجنبي سيسهم في احتواء التضخم الذي ارتفع في جانب منه، بفضل ارتفاع انفاق الدولة مع صعود الايرادات من النفط والغاز الى مستويات قياسية. ويقول مالكوم دسوزا من بنك رأس الخيمة الوطني، ان تحقيق الاجماع بشأن أي قيود على الانفاق في الامارات سيكون صعبا. ويضيف «البنك المركزي يراقب الوضع، لكن قد لا تتوافر له السلطة لاتخاذ أي خطوة». وهناك الخوف من التغيير، ومازالت الحكومات ترى أن ربط العملة مصدر من مصادر الاستقرار. وقال نائب رئيس مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) الشهر الماضي، ان تذبذب العملة سيردع المستثمرين في وقت تسعى المؤسسة إلى اجتذاب استثمارات أجنبية بهدف خلق وظائف. ويخشى السعوديون أن يؤدي أي ارتفاع في قيمة الريال الى خفض قيمة الايرادات النفطية - المقومة بالدولار - بالعملة المحلية. وترفض قطر والامارات اللتان تواجهان أكبر المشاكل التضخمية، القيام بتحرك منفرد، لان ذلك سيقضي على اي امال في تنفيذ خطط الوحدة النقدية بحلول عام 2010. ومنذ نوفمبر، دعا رئيس الوزراء القطري ومحافظ مصرف الامارات المركزي الى التحرك بصورة جماعية لاصلاح نظام الصرف، رغم أن الامارات تراجعت عن بعض تلك التصريحات. ولذلك، فمن المرجح أن تنتظر دول الخليج قبل أن تبدأ تنفيذ أي اصلاحات، وربما تترقب فترة من استقرار الدولار أو تراجع المضاربات في الاسواق أو ظهور علامات على استياء خطير في الداخل، وهذا هو الاهم. وقالت كارولين جريدي الاقتصادية لدى «دويتشه بنك» الالماني الذي يتوقع أن تتحول الامارات وقطر الى حساب العملة وفق سلة عملات هذا العام «اصلاح العملة سيحدث عندما يصبح من الصعب سياسيا الحفاظ على الوضع القائم».(رويترز)
اقتصاد
دول الخليج ليست مستعدة للبدء في إصلاح نظام الصرف الأجنبي
28-03-2008