عندما شرع جوهر الصقلي في تشييد القاهرة اختار لمسجد المدينة الجامع بقعة تحتل منطقة هي الأقرب لبوابة الربع الجنوبي الشرقي من القاهرة وبدأت أعمال البناء في الجامع الأزهر في 24 جمادى الأولى عام 359هـ (4 أبريل 970م) واستكملت هذه الأعمال بافتتاح الأزهر للصلاة في رمضان سنة 361هـ (يوليو 972م).وكان الأزهر في تخطيطه الأصلي شبيهاً بمساجد الشمال الأفريقي، فهو يتألف من صحن أوسط مكشوف تحيط به أروقة الصلاة من ثلاث جهات فقط، حيث خلا الضلع المقابل لظلة القبلة من الأروقة. وأكبر الظلات هي ظلة القبلة التي كانت مؤلفة من ثلاثة أروقة، فيما احتوت المجنبتان على رواق واحد فقط في كل جهة، وشيدت ثلاث قباب على رواق القبلة، واحدة كبيرة فوق المحراب واثنتان في طرفي الرواق لزيادة كمية الإضاءة الطبيعية في هذه المنطقة.
وفي عهد الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله أضيف رواقان حول الصحن في الاتجاهات الأربعة وأصبحت هناك ظلة للصلاة في مؤخر المسجد، وجعلت قبة فوق الرواق المطل على الصحن بظلة القبلة وهي ماثلة للعيان إلى اليوم وتمتاز بزخارفها الجصية البديعة.ومنذ تأسيسه اضطلع الأزهر بدور علمي بارز، إذ كانت تلقى به دروس في الفقه على المذهب الإسماعيلي وكان الازدحام شديداً على حضورها إلى الدرجة التي خصص معها يوم للنساء وقضى البعض اختناقاً في بعض الأيام.ولكن الأزهر تعرّض لمحنة كبيرة بعد نجاح صلاح الدين الأيوبي في إسقاط الخلافة الفاطمية، إذ أمر صلاح الدين بإغلاق الأزهر الذي كان مركزاً للدعوة الفاطمية وحول صلاة الجمعة إلى جامع الحاكم بأمر الله، فتخربت أروقته وتهدمت بواباته وصار الناس بدوابهم يعبرون أروقته متنقلين بين حارات القاهرة إلى أن سكن بجواره أحد أمراء المماليك وهو الأمير عز الدين أيدمر الحلي، فاستأذن السلطان المملوكي الناصر محمد في أن يقوم بإعادة إعمار الأزهر، فكان له ذلك وأخذ الأزهر يستعيد رونقه المعماري وأيضاً دوره العلمي تدريجياً.وتعزيزاً لدوره العلمي ألحقت به ثلاث مدارس في العصر المملوكي وهي المدرسة الأقبغاوية (740هـ - 1339م) وهي على يمين الداخل إلى الأزهر من باب المزينين وأمامها مباشرة المدرسة الطيبرسية (719هـ - 1319م) وهي أقدم المدارس المملوكية الملحقة بالجامع وأخيراً المدرسة الجوهرية القنبقائية التي شيدت في القرن التاسع الهجري وهي في الجهة الشمالية الشرقية من الأزهر.واعتمد الأزهر في تدريس العلوم الدينية على نظام الأروقة التي تم تقسيمها وفقاً للأقاليم التي وفد منها الطلاب سواء من داخل مصر (الصعايدة - البحاروة - الشراقوة) أو من خارجها مثل رواق الشوام ورواق الهنود ورواق السنارية والبرنية (تشاد) والجبرتية (إريتريا).وكان الطلاب المعروفون بالمجاورين يقيمون في حارات حول الأزهر مثل حارات العفيفي والبشاشة والزهار والمناصرة ويتلقون جرايات ثابتة من الخبز بفضل ريع الأوقاف الكبيرة التي خصصت للأزهر.ويعود الفضل إلى الأمير عبد الرحمن كتخدا في زيادة مساحة الأزهر إلى مساحته الحالية، إذ أضاف في عام 1167هـ (1753م) بيت صلاة كامل خلف ظلة القبلة الأصلية وجعل له محراباً جديداً ولكن على ذات النسق القديم باستخدام أعمدة رخامية تحمل عقوداً مدببة مماثلة للعقود الفاطمية.وأنشأ خلف هذه الزيادة مبنى واسعاً له باب كبير يؤدي إلى حارة كتانة وهو المشهور اليوم باسم باب الصعايدة، كما أنشأ أيضاً باب المزينين ليضم المدرستين الطيبرسية والأقبغاوية إلى مبنى الأزهر.وقد زود الأزهر عبر تاريخه الطويل بعدد من المآذن سقط بعضها وفقد، مثل المئذنة الفاطمية الأصلية ومآذن العصر العثماني المتأخر فيما احتفظ بثلاث من أجمل المآذن المملوكية وهي مئذنة أقبغا عبد الواحد المملوكي ومئذنة قايتباي ذات الرأس المزدوج وهي أكبر مآذن الأزهر وأيضاً مئذنة السلطان الغوري، بالإضافة إلى مئذنتين من تشييد عبد الرحمن كتخدا.وتعتبر المدرسة التي شيدها محمد بك أبو الذهب في مواجهة الأزهر من المدارس التي ألحقت به لتدعيم الدور العلمي للجامع والذي كان يستقبل طلاباً من كل أرجاء العالم الإسلامي.
توابل
الجامع الأزهر... دور علمي بارز منذ أكثر من ألف عام
19-09-2007