ثمة آباء يلجأون إلى فرض عقوبات صارمة على ابنائهم الراسبين خلال عامهم الدراسي. عقوبات على أنواع، منها ما هو تعسفي مثل حرمان الأولاد من مصروفهم اليومي وفرض العزلة ومنعهم أحياناً من النزهات.

Ad

«الجريدة» سلطت الضوء على الموضوع. حاورت مجموعة آباء وأمهات في الأسباب التي دفعتهم الى تلك القرارات التعسفية بحق أبنائهم فلذات أكبادهم.

تخصيص أكثر من مدرّس

سالم حسن، أب لأربعة يتابعون الدراسة في مراحلها المختلفة وفي مدارس حكومية: «أحد ابنائي مقصّر في دراسته. هو الوحيد بين أشقائه يعاني بطئاً في الاستيعاب وصعوبة في استرجاع دروسه. يتخلف دائماً عن أشقائه في تحصيله العلمي وأمور أخرى».

يعترف سالم بأن اللجوء الى الدروس الخصوصية وسيلة غير مضمونة النجاح وفق تجربة شخصية اضطر الى اعتمادها مع ابنه الذي لم يفلح في دراسته: «بعدما لاحظت تعثر ابني حاولت معالجة هذا الأمر فقمت ووالدته بمساعدته في مراجعة دروسه وتبسيط المعلومات كي يسهل استيعابها. لم نشعر بتحسّن يذكر. إزدادت الأمور تعقيداً. اضطررنا الى تخصيص اكثر من مدرس له حرصاً على مستقبله الدراسي. وحدهما الإهمال وعدم المبالاة حافظ عليهما بينما أخفق في اجتياز مراحل الدراسة على عكس أشقائه.

صيف تعيس

عن طريقة التعامل مع ابنه «الراسب» أثناء العطلة الصيفية يقول سالم: «اعتقد أن هذه الإجازة بمثابة مكافأة للناجحين. نسعى الى تلبية رغبات أولادنا والحرص على اصطحابهم الى الأماكن الترفيهية والمطاعم ليعودوا في العام التالي أكثر نشاطاً وحيوية لمتابعة تحصيلهم العلمي».

يضيف: «هذه الأمور لا ينبغي تطبيقها على الطالب الذي ينتظره اختبار في الدور الثاني فمن الانصاف بمكان أن يشعر الناجح بثمرة تفوقه وأن يتجرع الراسب مرارة اخفاقه. عاطفتي حيال ابني «الراسب» تدفعني الى التغاضي عن بعض الأمور إذ أخشى ردّ فعل خاطئ منه في حال تركت مكافأة أشقائه أثراً سلبياً في نفسه». مشيراً الى اتباع أسلوب قاسٍ مع ابنه خلال العطلة الصيفية من العام الفائت إثر رسوبه في مادتين: «اتبعت العام الفائت أسلوباً قاسياً معه. فرضت عليه أن ينعزل في البيت. لم اصطحبه معي أثناء زيارتي المدن الترفيهية والحدائق عقاباً له وتخفيزاً على النجاح وبذل الجهد فيحصل على المكافآت أسوة بأشقائه. لاحظت تبدّلاً في نفسيته ما جعلني أتخلّى عن بعض القرارات الصارمة لئلا أظلم فلذة كبدي».

قطع المصروف

ترى أم خالد التي تعاني تعثر أبنائها في الدراسة وتسعى إلى إرشادهم إلى طريق النجاح، فيما يصرون على تمضية وقتهم بعيداً عن طاولة الدراسة ودفتي الكتاب. تشير إلى دأبها على دفعهم ناحية التحصيل العلمي ولكن من غير فائدة. تعترف بأنها لا تستطيع معاقبتهم لفشلهم الدراسي. تسعى الى مكافأة الناجح كي يكون قدوة لشقيقه الراسب فيحصل هذا على درجات تؤهله لاجتياز اختبارات الدور الثاني. تروي أم خالد قصة إحدى صديقاتها التي فرضت نظاماً صارماً على أحد أولادها إذ رسب العام الفائت فقطعت عنه المصروف لمدة محدّدة ولم توفر له رغباته في التنزه وزيارة اصدقائه عقاباً. الدرس أفاده فنجح في الدور الثاني وبات حريصاً على واجباته الدراسية.

مصيدة الرسوب

من ناحيته، يعتقد فيصل الحمد «أن الطالب الذي يقع في مصيدة الرسوب يعرّض نفسه للمجهول في شأن تحصيله التعليمي ومستقبله المهني والعملي. يجب ان يعمل بجهد مضاعف للتخلص من الأسباب التي أدت الى إخفاقه».

يستبعد الحمد أن يثمر مبدأ الثواب والعقاب في تلك الحالة الابن بالظلم والقهر إثر احساسه بالتمييز في المعاملة بينه وبين اشقائه الذين نجحوا خلال العام. ربما تملأ هذه المعاملة السيئة صدره بالأحقاد ضد أفراد أسرته.

حرمان

يؤكد مهدي الصفار «أن الطالب الذي لم يسعفه مخزونه الدراسي والمعرفي في بلوغ النجاح وحصل على دور ثان أو ملحق سيعيش فترة عصيبة. يرى أقرانه يمرحون ويلعبون بينما تحاصره نظرات اللوم وعدم الرضا بسبب اخفاقه في اجتياز هذه المرحلة في دورها الأوّل». يضيف: «لا أتفق مع من ينتهجون عقاباً معيناً ضد أولادهم ويلجأون الى حرمانهم من بعض الامتيازات كالتنزه والخروج مع اقرانهم، كذلك حرمانهم من المصروف اليومي، فإنزال اشد العقوبات في حقهم ذو عواقب وخيمة. لن أبادر يوماً إلى قطع المصروف عن ابني أو حرمانه من الهاتف المحمول بسبب إخفاقه، إنما سأتبع أسلوباً آخر معه وأمدّ اليه يد المساعدة لإخراجه من دائرة الفشل إلى طريق النجاح».

يقول خلف الشمري: «من الصعب تضييق الخناق على ابني الذي يحتاج إلى مساعدتي. الفشل الدراسي خطأ كبير لا يتحمله وحده. قد يكون للأسرة دور في هذا الاخفاق لذا سأبحث عن الأسباب الحقيقية لرسوبه. لن ألجأ إلى اساليب تعسفية كالعنف والضرب والحرمان من المصروف والسفر لأن التربية الحديثة تعتمد على الحوار والنقاش ولا تشجع على العقوبات التعسفية».

التعسف مرفوض

يطالب خالد مطلق بمعاقبة الطالب الراسب داعياً الى توفير اجواء دراسية ملائمة له ليستطيع النهوض من كبوته واللحاق بركب زملائه: «أعتقد ان الطالب الذي يهمل دراسته متعمداً غير آبه بالنتائج يرتكب حماقة لا تغتفر ومن الأجدر حرمانه من بعض الامتيازات في البيت وخارجه ليقر بذنبه ويعرف حجم غلطته».

من جهته يحذر د. فواز العنزي في جامعة الكويت، قسم علم الاجتماع، من مبالغة الوالدين في تشديد العقوبات على الابن الراسب لأن تجريده من بعض الامتيازات سيكون ذا تأثير سلبيّ يدفع به الى الانتقام، خاصة بعد حرمانه من الامور التي اعتاد عليها.

يطالب د. العنزي الآباء والأمهات بعدم التعسف في فرض العقوبات على الأبناء، لافتاً إلى ضرورة مساعدتهم في تخطي العقبات التي أدت الى تعثرهم الدراسي. أمّا وسائل النجاح فيرى د. العنزي أن على الطالب التركيز وبذل الجهد لبلوغ الهدف وعدم إهدارالطاقة في أمور لا فائدة منها، كذلك طرد المخاوف والتغلب عليها واتخاذ قرارات موضوعية والتخلص من الركود الذهني بالعزم والإصرار. ينبغي أن نصبّ اهتمامنا على خوف الابن وما ينتج عنه فإما التوقف أو المضي قدماً أو التخطيط السليم، ما يساعده على السير في الطريق الصحيح من دون مخاوف فشل أو إحباط