ربما كان السادات يختار تأمين التحالف مع أميركا من دون الدخول في سلام مع إسرائيل لو كان ذلك بوسعه. إلا أن ذلك لم يكن وارداً، كما أدرك السادات، ففي عام 1974 حين اختلف المشير الجمسي، مهندس حرب أكتوبر 1973، مع السادات بسبب مرونته في محادثات فض الاشتباك مع إسرائيل، سارع الرئيس المصري إلى تهدئته بقوله «لا تنس أيها المشير اننا نتحدث هنا عن سلام مع الأميركيين!».
إذا كان من الممكن حقاً لرجل واحد شجاع أن يشكل أغلبية، كما قال آندرو جاكسون، فلا شك أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات كان ذلك الرجل بعينه منذ ثلاثين عاماً، في شهر نوفمبر من عام 1977. لقد صعق عرض السلام الذي قدمه لإسرائيل منطقة الشرق الأوسط بالكامل، فقد ذهب، طبقاً لتعبيره، «حتى آخر الأرض» (أو الكنيست في القدس)، وحين فعل ذلك فقد غيّر معالم السياسة في المنطقة إلى الأبد.منذ ذلك الوقت، لم تعد المسألة بالنسبة إلى العرب «كيف ندمر إسرائيل»، بل «كيف نتوصل إلى تسوية معها». فبهذه القفزة التاريخية إلى المستقبل، علَّم السادات القادة العرب حقائق العالم المتغير.كل ذلك لأن عرض السادات للسلام كان قائماً على تحليل استراتيجي رزين لموازين القوى في المنطقة، فقد كان من الواضح في نظره أن إسرائيل تشكل قوة نووية، أثبتت في أكتوبر 1973 أن إلحاق الهزيمة بها في حرب تقليدية ليس بالأمر السهل وهي الحرب التي لم يتوقع السادات ذاته أن ينتصر فيها حين قرر دخولها.كان السادات ينظر إلى الحرب باعتبارها امتداداً للسياسة، ولكن بوسائل أخرى، كما قال كلاوسفيتز، وعلى هذا فقد أرسل الجيش المصري عبر قناة السويس، وهو يرمي في الأساس إلى إطلاق عملية سلام مع إسرائيل. وربما لم يحقق السادات شيئاً على الصعيد العسكري، إلا أن رحلته إلى القدس أثبتت نجاح نظرته البعيدة على الصعيد السياسي.كان العرب في كل محاولاتهم المجهضة لتدمير إسرائيل يعتمدون على الدعم العسكري من جانب الاتحاد السوفييتي. إلا أن السادات أدرك أن استراتيجية السلام مع إسرائيل تتطلب التحالف مع الولايات المتحدة. كان هذا التحالف يشكل هدفاً حيوياً بالنسبة إلى السادات، حتى ان المرء ليتساءل عن الترتيب الحقيقي للأولويات في استراتيجيته.ربما كان السادات قد يختار تأمين التحالف مع أميركا من دون الدخول في سلام مع إسرائيل لو كان ذلك بوسعه. إلا أن ذلك لم يكن وارداً، كما أدرك السادات، ففي عام 1974 حين اختلف المشير الجمسي، مهندس حرب أكتوبر 1973، مع السادات بسبب مرونته في محادثات فض الاشتباك مع إسرائيل، سارع الرئيس المصري إلى تهدئته بقوله «لا تنس أيها المشير اننا نتحدث هنا عن سلام مع الأميركيين!».كان إبقاء مصر بعيداً قدر الإمكان عن القومية العربية من بين التحولات الرئيسية التي اشتملت عليها استراتيجية السادات، فبعد أن سئم السياسات العربية، ومع انزعاجه بسبب الثمن الباهظ الذي دفعته مصر من أجل القضية الفلسطينية، كان السادات يريد أن يتحرك بعيداً عن طموحات عبدالناصر في القومية العربية وتركيزه المفرط على القضية الفلسطينية، نحو التأكيد على دور مصر باعتبارها قوة تتمركز على معبر استراتيجي حيوي بين آسيا وأفريقيا.بطبيعة الحال، استمر السادات في الدفاع عن القضية الفلسطينية باعتبارها مركزاً للإجماع العربي، وعلى سبيل التغطية على سياسته الخارجية التي ركزت على مصر في المقام الأول، ولكن السادات من الناحية العملية كان قد شرع في سلوك طريق يؤدي إلى سلام منفصل مع إسرائيل.من بين الدروس التي تعلمناها من مبادرة السادات أن الرؤى الصادمة التي تتبعها خطوات كريمة واسعة الأفق، من شأنها أن تفتح مسارات جديدة حين يتصل الأمر بالصراعات المطولة القائمة على الكراهية التاريخية ومشاعر العداء العميقة، وحين تفشل كل صيغة دبلوماسية في التوصل إلى حل. إن المشكلة الرئيسية في الصراع العربي-الإسرائيلي، كما هي الحال مع العديد من النزاعات المعقدة، كانت تتلخص دوماً في عدم قدرة أو عدم رغبة الزعماء في انتهاج سياسة سلمية تفتقر إلى الدعم من جانب شعوبهم بسبب قناعات سائدة، وفي أغلب الأحوال تكون هذه القناعات سبباً في شل أي محاولة للتحرك الإيجابي.كثيراً ما يقع الزعماء رهينة للبيئة السياسية الاجتماعية التي نشأوا فيها، بدلاً من أن ينجحوا هم في صياغة هذه البيئة وتشكيلها. لقد اكتسب السادات مكانة متميزة في التاريخ ودخل إلى عالم الخلود في اللحظة التي قرر فيها الهروب من سجن الجمود، والتضامن الزائف، والتكاتف الخطابي الأجوف الذي اتسمت به القمم العربية.لكن اختبار الزعامة لم ينته عند ذلك الحد، ذلك أن قفزة السادات الهائلة نحو المستقبل كانت لابد أن تقابل بتحرك مماثل من جانب رئيس وزراء إسرائيل مناحم بيغين، عند كل مرحلة حاسمة على الطريق المؤلم المؤدي إلى السلام. ويرى بعض المحللين أنه ما كان بوسع أي رجل آخر غير بيغين، ذلك «الصقر» السياسي والرجل صاحب الإدراك السياسي العالي والنظرة الثاقبة لحكم التاريخ، أن يستجيب على ذلك النحو لمبادرة السادات.الحقيقة ان قدرة بيغين على الارتقاء إلى مستوى الحدث كانت مرتبطة إلى حد كبير بالأثر السيكولوجي الهائل الذي خلفته مبادرة السادات المذهلة، فحين زار السادات القدس أصبحت طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي أقل تعقيداً وجموداً. لقد حولت مبادرة السادات الصراع من نزاع بشأن حق إسرائيل في الوجود إلى تفاوض على المصالح بين دولتين شرعيتين تتمتعان بالسيادة.وهنا تبرز مسألة على قدر عظيم من الأهمية، ألا وهي الحاجة إلى الابتعاد عن التفسيرات الأسطورية لحق كل طرف في الوجود، والروايات التاريخية المتضاربة، والمزاعم الدينية الخاصة بالملكية، ولكن من المؤسف أن المأساة الفلسطينية الإسرائيلية مازالت عالقة حتى يومنا هذا، الأمر الذي يجعل الصراع يبدو وكأنه بلا حل تقريباً. لقد نجح السادات حين زار القدس في تخليص إسرائيل من عقلية الحصار ومنحها مساحة للحياة على نحو مختلف عن التصورات القديمة لأمة محاصرة وسط عالم عربي عدائي.إن السلام لم يكن قط مجرد لعبة تخرج منها جميع الأطراف فائزة، فبالسلام مع إسرائيل تمكنت مصر من تحقيق هدفها الاستراتيجي بالتحالف مع الولايات المتحدة. إلا أن إسرائيل كانت على خطأ حين تصورت أن مصر قد تصلح بوابة إلى العالم العربي. ذلك أن مفاتيح البوابة إلى التسوية الإسرائيلية-العربية مازالت حيث كانت دوماً بين أيدي الفلسطينيين.* وزير خارجية إسرائيل الأسبق، ويشغل الآن منصب نائب رئيس مركز توليدو الدولي للسلام، وهو مؤلف كتاب «ندوب الحرب وجراح السلام: المأساة الإسرائيلية العربية».«بروجيكت سنديكيت» بالاتفاق مع «الجريدة»
مقالات
رحلة السادات بعد ثلاثين عاماً
07-11-2007