يتعلم الإنسان السعادة التي تنتقل بين البشر، غير أن تحقيقها ليس بالأمر اليسير إذ يتطلب بذل جهود حثيثة والتحلي بالصبر والإرادة والقدرة على التصدي للعقبات التي يمكن أن تعترض طريقه. إنه مشوار طويل يبدأ في المهد وينتهي في اللحد. فلا تستهلك طاقتك في تجاهل السعادة او الهرب منها فيما الحل يكمن في سلوك هذه الدرب الطويلة.

Ad

إستعمل خيالك الواسع وتصوّر طير بطريق تسوّله نفسه العيش في الصحراء علماً أن البيئة لا تناسبه هناك. لا بدّ من أن يكون مصيره الموت المحتم. إنها للأسف الدرب السخيفة نفسها التي يسلكها معظم الناس وتؤدي إلى هيمنة المأساة على السعادة في حياة الإنسان الذي تستهويه السهولة ويشدّه الإهمال، فيغرق في متطلبات الحياة اليومية ويستسلم إلى الخضوع والتشاؤم علماً أن هذا الإهمال سينقلب عليه لا محالة. لا شك في أن بلوغ السعادة يتطلب عناء كبيراً ونفساً طويلاً. يلوح بصيص النور في الأفق دائماً ولا يتطلب سوى بذل الجهود سعياً وراء تحقيقها.

نظرة إيجابية

إن العالم هو واد عميق تترجّع فيه الأصداء. الحياة صورة تتخذ اللون الذي يعطيه إياها كل إنسان فلا تكون سوى الرؤية التي تعكسها حالتنا النفسية . بالتالي لا يبدو العالم قاتماً إلا للمتشائم الذي ينظر إلى الحياة بمنظار أسود، لا عجب إذاً أن يرى العالم سوداوياً. تنطبق هذه الحالة على المصابين بالإضطرابات العقلية، هؤلاء يعيشون في وهم بصري صنعوه لأنفسهم وهم تعساء لأنهم لم يحسنوا إختيار الطريق الصحيح للسعادة فاستحوذت عليهم التعاسة.

لا بدّ من التمييز هنا بين الشعور بالتعاسة ومجرّد الظن بأنها قائمة فعلاً، إذ يتعذّر الشفاء من الحالة الأولى بينما لا تعدو الحالة الثانية كونها فكرة وهمية يمكن التحكّم فيها وتبديلها في أي وقت كان فتكون النهاية سعيدة بما أن من الممكن السيطرة على المأساة.

موجودة في داخلنا

ماذا لو تبيّن أن المعنى الذي نحاول أن نكلل حياتنا به ليس سوى وهم؟ ماذا لو كانت الحياة مجرّدة من أي معنى وسخيفة إلى أقصى حدّ ممكن؟ هل يجب التخلي عندئذ عن فكرة السعادة؟

على الإطلاق، بما أن مفتاح السعادة هو الأمل. لا تكون الحياة عقيمة أو تافهة أبداً إذا ما نظرنا بإيجابية إلى محيطنا وكافحنا من أجل بلوغ الذروة. يكفل مجرّد السعي نحو تحقيق الأفضل ملء قلب الإنسان سعادة وفرحاً.

عزة النفس

يقول الاختصاصيون في علم النفس أن للسفر دوراً كبيراً في بناء السعادة إذ يرضي ذوقنا بالتجديد ويحسّن مزاجنا ويمنحنا شباباً فكرياً دائم التوق إلى الاكتشاف ويحررنا من القيود اليومية ويبعد عنا ولو بشكل موقت شبح المشاكل التي يتعذّر علينا حلها ويسمح لنا باكتشاف مزايا لا ندركها في حياتنا العادية. كما أنه يسمح لنا بإعادة النظر بوضعنا ومقارنته بوضع الأشخاص الذين نصادفهم أثناء رحلتنا من أجل البلوغ إلى نتيجة تبين لنا أن أحوالنا هي أفضل من أحوالهم بكثير. كما أن السفر يفسح المجال أمام تخطي العقبات والوصول إلى الأهداف التي نصبو إليها فيمنحنا لذة الاكتشاف ونعمة النسيان ويسمح لنا بالغوص في أعماق ذاتنا. هذه هي السعادة الحقيقية.

يقول المحللون في علم النفس أيضاً إن عزة النفس تمنح صاحبها قوة شخصية تساعده على مجابهة الصعاب فيرى أن السعادة من حقّه مما يعزز فرص بلوغها.

غير أن الاعتداد المفرط بالنفس يمكن أن يؤدي إلى التخطيط لمشاريع طموحة جداً سرعان ما تبوء بالفشل الذي يتعارض مع مبدأ السعادة. مهما كان الإنسان يستخف بنفسه فهو يستطيع أن يختبر السعادة في محيط يليق به ووسط أشخاص يكنون له المحبة والاحترام. إنطلاقاً مما تقدم يمكن مقارنة السعادة بالجمال الذي يضاعف فرص السعادة لكنه ينطوي على أخطار جمة تهدد صاحبها.

النصيحة الأهم في نهاية المطاف هي أن يتجنب الإنسان قدر المستطاع مقارنة نفسه بالآخرين لأن المقارنة تفسد السعادة وتقف عائقاً أمام تحقيقها.

لتكن السعادة درساً نتعلمه

إن السعادة هي ايمان يتعلّمه الإنسان منذ نعومة أظافره. بما أن الولد ميّال بالفطرة إلى تكرار ما يرى ويسمع يجب إذاً مساعدته على عيش تجارب متعددة وغنية في آن.

من هنا تكون الحاجة ملحّة إلى منح الولد تربية يقظة تحول دون تأثره بانفعالاتنا ومشاعرنا السلبية، فالولد بطبيعته قابل لتلقّي العلم و لا يستطيع لفظ كلماته الأولى إلا بفضل الأصوات التي تتناهى إلى مسمعه ويرددها. لذلك علينا توخي الحذر الشديد في هذا المجال، لا سيما أن الاضطرابات النفسية يمكن أن تنمو في داخله منذ الصغر من الفوبيا أو الهلع المرضي، إلى الأمراض النفسية الأخرى.