لم يكن الإضراب ظاهرة دخيلة على المجتمع الكويتي، بداية بإضراب الغواصين عام 1928، ومرورا بإضراب سائقي الأجرة عام 1937، وإضراب عمال شركة نفط الكويت عام 1948، وإن كانت بعض الإضرابات في الفترة الأخيرة افتقدت مبدأ النظام، وتسببت في إثارة الفوضى، لكن ذلك ليس مبررا للحكومة لإصدار قرارها 1113 الذي حرم العامل من أبسط وأهم وسائل الدفاع عن حقوقه، بالرغم من أن المادة 36 من الدستور تكفل حق الإضراب.
الاضراب كما عرفه الخبير الدستوري الدكتور محمد المقاطع «التعبير عن الرأي لبيان الموقف في شأن موضوع من الموضوعات، وهو حق أقره الدستور الكويتي في مادته 36 من التشريع، شرط ألا يسبب أي ضرر في الممتلكات العامة، ودون أي تعطيل للمرافق العامة»، وهذا يعني أن الاضراب كإطار عام في نظام القانون الكويتي حق مشروع، الا أن الحكومة اعتبرت الاضراب «وسيلة غير مشروعة، وعادة غريبة على المجتمع الكويتي، خصوصا بعد أن شهد المجتمع الكويتي في الآونة الأخيرة مجموعة من الاعتصامات والاضرابات التي قام بها عدد من موظفي الدولة لاستنكار قرارات أو أحداث معينة أو للمطالبة باقرار الكوادر الوظيفية».يبدو ان الحكومة وجدت نفسها أمام منعطف خطير، فبادرت باصدار القرار 1113 الذي يحظر قيام الاضرابات، ويعاقب المضربين والقائمين على الاضرابات بعقوبات تصل إلى الفصل النهائي عن العمل، وأوصى القرار وزارة الداخلية بالتحفز استعدادا لإلقاء القبض على رؤساء النقابات عند الطلب، ما أثار العديد من التساؤلات في أذهان السياسيين، ومن بين هذه التساؤلات «الى أين نحن ذاهبون؟»، خاصة في بلد ديموقراطي يحكمه الدستور والقانون.ولما كان اضراب العمال حقا مشروعا في النظام الديموقراطي، فان القرار يقول اننا نعيش تحت نظام شمولي أو استبدادي، واذا كان الجميع رافضين للفوضى وتعطيل مصالح المواطنين، فهذا لا يعني موافقتهم على منع الاضرابات السلمية، ولا يعطي الحكومة مبررا لحظرها، طالما أن الاضراب لا يخل بنظام الأمن العام للدولة، ولايمثل تعديا على أملاك الدولة. ففي رأي الجميع أن هذا القرار «أعاد الكويت 1113 خطوة الى الخلف في مسيرتها الديموقراطية».عمل مخالف للقانونواعتبرت وزارة الشؤون الاجتماعية في دراسة قامت بها لمواجهة الاضرابات أن الاضرابات والاعتصامات، التي يقوم بها موظفو الدولة في مختلف الدوائر والاجهزة الحكومية «عمل مخالف للقانون، وعلى القيادات في تلك الاجهزة معاقبة المضربين وفق القانون، إن لم يكن هناك اذن مسبق يتقدم به المضربون عن العمل الى وزاراتهم يسمح لهم بالقيام بالاضراب»، معتبرة الاضرابات من «المحظورات التي فرضها القانون على الموظفين العموميين في مختلف قطاعات الدولة الحكومية، ووسيلة يستخدمها الموظفون للضغط على الحكومة بهدف تحقيق مصالح فئوية معينة، والاستجابة لمطالبهم بأي شكل أو آخر، ما يؤدي الى شل حركة العمل وعرقلة سير المرافق العامة والاضرار بالمصالح العليا للدولة».واستندت وزارة الشؤون في تقريرها الى أن المادة 26 من دستور دولة الكويت نصت على أن «الوظائف العامة خدمة وطنية تناط بالقائمين بها، وتستهدف موظفي الدولة في اداء وظائفهم للمصلحة العامة»، بينما تنص المادة 23 من قانون الخدمة المدنية رقم 1979/15 على انه «لا يجوز للموظف ان ينقطع عن عمله الا في حدود الاجازات التي يصرح له بها»، في حين نصت المادة 24 على أنه «يجب على الموظف ان يخصص وقت العمل الرسمي لاداء واجبات وظيفته»، وتنص المادة 81 من القانون ذاته على انه «اذا انقطع الموظف عن عمله بغير اذن، ولو كان ذلك عقب اجازة مرخص له بها يحرم من راتبه عن مدة انقطاعه مع عدم الاخلال بالمساءلة التأديبية».مصلحة المواطنواعتبر رئيس الاتحاد الوطني لعمال وموظفي الكويت خالد الطاحوس القرار الحكومي الخاص بحظر الاضرابات «قرارا خاطئا وتدخلا سافرا في اختصاصات الحركة النقابية، والمواد التي استند اليها القرار لم تحظر حق الاضراب، وبالرغم من أن الكويت قد صادقت على العديد من الاتفاقيات الدولية التي تكفل حق الاضراب، فإنها جاءت لتصادر هذا الحق الان»، لافتا إلى أن «جميع الاضرابات التي قامت بها النقابات العمالية لم تتسبب في حدوث أي فوضى، كما ادعت الحكومة، فهناك لجان تنظم هذه الاضرابات، وتضع في اعتبارها مصلحة المواطن والأمن العام، ناهيك عن أن معظم الاضرابات لم تتجاوز الساعة الواحدة، ولم يتسبب أي اضراب في اعاقة العمل».وأوضح الطاحوس ان «اتفاقية 1987، التي وقعتها الكويت بشأن حرية التنظيم النقابي، تمنع السلطة من التدخل في عمل النقابات، وكذلك اتفاقية 1998، التي كفلت للنقابات حق الاضرابات، وحظرها مصادرة وتكبيل للحريات وقمع للحركة النقابية، ومخالفة صارخة للقانون»، وفسر ما يحدث بانه «توجه حكومي بتحويل نظامنا الديموقراطي الى نظام ظلام»، مؤكدا أن النقابات العمالية «مستمرة في اضراباتها السلمية من أجل الحصول على حقوقها».قرار تعسفيمن جانبه، رأى الناشط السياسي الكاتب أحمد الديين ان القرار 1113 هو «قرار تعسفي يحرم العامل من حق الاضراب دون أي سند دستوري، وهو قرار مخالف للقرارات الدولية التي كفلت حق الاضراب السلمي لاقرار الحقوق التي انضمت الكويت اليها اخيرا»، مؤكدا أن الاضراب «وسيلة مشروعة يتبعها العاملون في جميع أنحاء العالم، وليست بدعة ابتكرها الكويتيون، كما أن حظر الاضرابات مخالف لحقوق الانسان وللحقوق الديموقراطية، ويتم حظر هذا الحق فقط في الأنظمة المستبدة والشمولية»، مستغربا من التعميم الذي تم توجيهه الى الوزارات المختلفة، والذي يشير الى أن الاضرابات «وسيلة غريبة لم يعرفها مجتمعنا الكويتي من قبل، غافلا عن أذهانهم أنه في هذا العام بالتحديد يكون مضى سبعون عاما على أول اضراب في الكويت، عندما أضرب عدد من سائقي سيارات الأجرة عام 1937، ناهيك عن اضرابات عمال القطاع النفطي عام 1948، وغير ذلك من الاضرابات التي شهدتها الكويت على مر تاريخها».وُلد ميتاًوقال الديين ان الاضراب «أمر معتاد في جميع أنحاء العالم»، واعتبر أن القرار 1113ولد ميتا لتعارضه مع الحقوق الديموقراطية، داعيا وزارة الداخلية الى «ملاحقة المجرمين وسراق المال العام، وأن تضع حدا للاغتصابات والاعتداءات والتحرشات الجنسية، وأن تلاحق تجار الاقامات، وعدم القاء القبض على المضربين طالما الاضراب تم بشكل سلمي، كما ان ذلك ليس من اختصاص وزارة الداخلية».وأضاف ان «الاضراب يلجأ إليه العاملون في أي قطاع أو مؤسسة عندما يجدون أن حقوقهم مقتص منها، أو أن الأجور التي يحصلون عليها لا تتناسب مع طبيعة العمل الذي يقومون به، فينظمون اضرابا او اعتصاما لاقرار تلك الحقوق، ولم تثر الاضرابات الفوضى كما يزعم البعض»، متمنيا على الحكومة أن «تعي أن النقابات العمالية من المكونات الأساسية في المجتمع المدني، وهي مؤسسات مشروعة وليست منظمات فوضوية».فاقد للشرعيةمن جانبها، أكدت الناشطة السياسية سعاد المعجل ان قرار 1113 «خاطئ سياسيا وفاقد للشرعية دستوريا وقانونيا، وسيشكل هذا القرار ضررا بسمعة الكويت لدى المنظمات العمالية والدولية، لتعارضه مع اتفاقات منظمة العمل الدولية التي وقعت عليها الكويت»، وأضافت انه قرار سيئ «ليس من حيث كونه أخل باتفاقيات دولية وحسب، انما لكونه القرار الأكثر تعسفا بحق المواطن العامل الذي سيواجه اجراءات تبدأ بالانذار وتنتهي بالفصل».وقالت «الاضراب بلا شك أداة ضغط مهمة تعتمد على التعبير السلمي عن مطالبات العمال والموظفين، وله تأثير قوي على القرار الحكومي، خصوصا اذا كان اضرابا منظما من قبل نقابة معترف بها، ولعل الاضراب الذي قامت به شركة نفط الكويت في عام 1995 خير دليل، عندما استطاعت النقابة أن تضغط على شركة نفط الكويت لتحقيق مطالب العمال، المتمثلة في حل مسألة الجمود الوظيفي، كما استخدم الاتحاد الوطني لعمال وموظفي الكويت أداة الاضراب السلمي عدة مرات في سبيل المطالبة بحقوقهم، ولم يحدث أن تحركت الحكومة بهذا الشكل التعسفي ضد اتحاد العمال ولا ضد المضربين»، محذرة من أن «حظر الاضرابات لن يلغي مشاكل العمال، بل سيؤدي الى تراكمها بصورة قد تشكل خطرا حقيقيا في المستقبل، كما سيؤثر حتما في عمل النقابات، والتي لن يكون بيدها أي سلاح ضغط في المستقبل اذا ما تمت مصادرة هذا الحق».تناقض مع الديموقراطيةوأكدت أن «التهديد بالقاء القبض على رؤساء النقابات في الكويت سيكون له أثر سلبي من حيث مضاعفة الاضرابات التي قد يوظف بعضها للتنديد بالقمع، وبمصادرة الحقوق، ناهيك عما قد يشكله سلوك كهذا من تناقض صارخ مع مسيرة الديموقراطية الكويتية»، مشيرة الى أن الكويت «شهدت عبر تاريخها العديد من الاضرابات المنظمة، من أشهرها اضراب الغواصين عام 1928، واضراب سائقي الأجرة عام 1937، بالاضافة الى الاضرابات التي نظمها اتحاد العمال الكويتي، إلا أن غياب التنظيم في بعض النقابات العمالية، وغياب الرؤية الناضجة لدى بعضها أدى الى شيوع الفوضى التي لمسناها اخيرا في اضرابات الكوادر، لكن ما حدث لا يبرر اجراءات الحكومة القمعية ضد حق الاضراب والاعتصام بشكل عام».وأرجعت أسباب زيادة الاضرابات اخيرا في الكويت الى «زيادة ضغوط الحياة المعيشية، وارتفاع الأسعار، وأيضا إلى غياب مبدأ العدالة في السلم الوظيفي وفي التعيينات بشكل عام، وكان للضعف الحكومي دور مهم في إغراء المضربين على القيام بإضراباتهم، كما أدى تضاعف دخل الحكومة مع تنامي الفساد بشكل كبير الى موجة من الاستياء لدى المواطنين، ما ساعد في زيادة الاقبال على الاضرابات». علقوا في الجلسةهناك لجان تنظم الإضرابات وتضع في اعتبارها مصلحة المواطن والأمن العام خالد الطاحوس التهديد بإلقاء القبض على رؤساء النقابات سيكون له أثر سلبي وسيضاعف من الإضرابات سعاد المعجلالقرار 1113 ولد ميتاً لتعارضه مع الحقوق الديموقراطية والكويت عرفت الإضرابات منذ 70 عاماً أحمد الديينحدث في مصراستشهدت الصحافية سعاد المعجل في تعليقها بشأن التوجه الحكومي لالقاء القبض على عدد من رؤساء النقابات بحادث مشابه في مصر، حينما نظمت قيادات يونانية مستوطنة في مصر «اضراب عمال السجائر» في عام 1988، الذي انتهى بتشكيل اول نقابة عمالية في الشرق العربي، وفي العام التالي بدأت الحكومة المصرية آنذاك في اتهام أي تحرك عمالي بأنه «تحرك خاضع لهيمنة أجنبية، وبالتالي فإنه يرقى الى الخيانة العظمى، لكن ماحدث لم يحد من تطور العمل النقابي وخوض النقابات العديد من الاضرابات والاعتصامات، ففي عام 2007 فقط شهد الشارع المصري ما يقارب 700 اضراب واعتصام عمالي.
ألبومات
الإضرابات... بين الحق الدستوري وفوضى الكوادر والتعسف الحكومي بدأت قبل 70 عاماً بإضراب الغواصين وسائقي الأجرة وعمال النفط
25-12-2007