احتل الممثل المسرحي رفيق علي أحمد موقعا متميّزاً في الحركة المسرحية المعاصرة في لبنان والعالم العربي. فبعد ظهوره في مسرحية «من حكايات 1936» لفرقة مسرح الحكواتي برز اسم رفيق علي أحمد الى جانب عدد من رواد الحركة المسرحية الناشطة في لبنان منذ اواخر الستينات، ثم أخذ حضوره المسرحي يترسخ من خلال عدد من الأعمال التي شكلت علاماتٍ في الحركة المسرحية. بعد عدد من المسرحيات التي شارك فيها تمثيلاً والمسرحيات التي كتبها ومثّلها في إطار ما يعرف بـ»مسرحية الشخص الواحد»، قدم رفيق علي أحمد مسرحيته الجديدة «جرصة» التي لا تزال تُعرض في احدى صالاتِ بيروت. هنا لقاء مع الفنان:

ــ هذه هي المسرحية الرابعة التي يقدّمها رفيق علي أحمد في إطار ما يعرف بـ»المونودراما» أو «مسرحية الشخص الواحد» ــ لماذا الإصرار على هذا الشكل المسرحي؟

Ad

 ــ لماذا الاصرار على هذا السؤال؟

هذا الأسلوب المسرحي قائمٌ حتى في العالم العربي. في العالم يفاخرون في كل مكان بالتنوع في الأساليب المسرحية والفنية بشكل عام. وإذا قدم «فيليب كوبير»، على سبيل المثال، مسرحاً منفرداً فإن وزارة الثقافة تدعمه وتفاخر به لأنه قدم اضافة نوعية الى الثقافة الفرنسية...

ما صادفت صحافياً أو صحافية إلا وكان السؤال الأول: «لماذا تمثل منفرداً؟».

حين كنت صغيراً، وأنا في الرابعة عشرة من عمري تقريباً، شاركتُ في عرس من أعراس القرية ولم أغنّ العتابا، بل غنيت أغنية لفيلمون وهبي وطلبتُ من الجمهور أن يشاركني الغناء. وبالإضافة الى ذلك رويت بعض النكات والطرائف وقمت بتقليد بعض الشخصيات. وعلى الرغم من أن ما قمت به كان يخالف تقاليد الأعراس في قريتي فلقد لاقى استحساناً كبيراً وأصبحت نجماً على مستوى القرية ــ أُطلب الى الأعراس...!

وفي الجامعة، لكسلي، ولمشاركتي في بعض الأعمال خارج الجامعة، كنت أتغيب كثيراً عن الصف وكنت مجبراً يوم تقديم الامتحان أن أقدّم تمريناً مسرحياً لوحدي لأنني لم أتمرّن مع المجموعة، وكنت أحصل على علامة متميزة. اكتشفت أن هذا هو أسلوبي التعبيري في المسرح. وقال زملائي واساتذتي في الجامعة أن رفيق يقدم لوحده عملاً مسرحياً متكاملاً... باختصار، بعد تجربتي، ومشاركاتي في أعمال مسرحية جماعية وجدت نفسي في هذا الأسلوب المسرحي. وكان معيار استمراري في هذا الأسلوب هو تقبل الجمهور والنقاد لي. فأنا أعتقد أننا بحاجة الى نظرة نقدية مختلفة الى المسرح والى عملي بالتحديد.

 يحتاج هذا العمل ــ المونودراما أو مسرحية الشخصي الواحد كما تحب أن تسميه، على الرغم من البساطة الظاهرية في التركيب الى عناصر ومؤثرات يستعيض بها الممثل، والمخرج طبعاً، عن الشخصيات والاتجاهات المتعارضة في النص المسرحي.

مثل هذه المؤثرات نجدها في أعمالك اللاحقة. كيف تفسر ذلك؟

 ــ لكل عمل مسرحي متطلباته. الاختزال في الفن هو كالبلاغة في اللغة. في مسرحية الجرس كنا، روجيه عساف (المخرج) وأنا متأثرين بالأسلوب المسرحي للمخرج. ومسرحية «الجرس» هي من ناحية الاخراج امتداد الى تجربة الحَكواتي وأنا أهديتها كتجربة لمسرح الحكواتي. في مسرحية «زواريب» كان الأسلوب نفسه ولكن بشيء من الاختزال للأدوات المسرحية المستخدمة. في «قطع وصل» تعاونتُ مع مخرج شاب هو ناجي صوراتي الذي أعطى النص ذهنية شابة وجديدة وبعث في عملي المسرحي دماً جديداً وأفكاراً جديدة، فكان الديكور الثابت. والفكرة الأساسية هي فكرة ا لمرايا التي تتشظّى كتشطّي الحالات النفسية للشخصية التي ألعبها. في «جرصة» وجدت أن النص المسرحي ومهارة الممثل كافيان للتواصل ولإيصال الحالة الدرامية فكان هذا الاختزال في الديكور مع الحفاظ على قيمة وغني السينيوغرافيا حسياً وبصرياً وسمعياً. هذه السينيوغرافيا هي خيار لتقديم العمل المسرحي بهذه الصيغة.

 ــ تحولت «جرصة» الى خطاب نقدي يفتقد العناصر الضرورية في بناء المسرح (الحوادث، الحوارات المباشرة» الديكور... الخ) وأجرؤ على القول أن البناء المسرحي في «جرصة» يكاد يتداعى لولا موهبة رفيق علي أحمد وأداؤه المميزان. كيف تعلّق على ذلك؟

 ــ تراثنا الأدبي والفني خالٍ من العملِ المسرحي الاّ في بعض التجارب الحديثة. من أسهل الأمور أن استلّ من المكتبة مسرحية عالمية وأعيد صوغها واقتباسها وأقدمها على المسرح بلغة عربية فصحى وبرعاية وزير الثقافة وحضور نخبة من المثقفين، «ويصفّق لي الجمهور تصفيقاً حاداً... وبعد ثلاثة عروض أعود الى بيتي مسرحياً مثقفاً يوزّع نظريات الابداع الفني والثقافي. وهذا ما يحصل في أغلب المسارح القومية العربية. تتملكني الرغبة أحياناً في أن أجسد دور روميو وجولييت أو هاملت أو الملك لير أو أي شخصية مسرحية معروفة. ولكن أثناء قراءتي لهذه الشخصية يقتحمني موضوعي. أحببتُ أن أشتغل على هاملت مثلاً. ولكنني أثناء دراستي لهذه المسرحية دخلت عليَّ فكرة أميرة التي قتلها والدها لأنها تزوجت من طائفة أخرى. وحين دعاها أخوها لمصالحتها في المنزل أقيم الاحتفال بالفرح ولكنها حين دخلت الى غرفة النوم دخل والدها الى الغرفة وذبحها بالسكين. فأصيب أخوها اثر الحادثة بالعمى. هذه قصة حقيقية. وقد دخل الأخ الى مستشفى المجانين وجاءت له أخته في الحلم لتخبره أنها لم تمت بالنوبة القلبية كما أشيع بعد قتلها. وباحت له بالسر... وهكذا بدل أن يخرج طيف والد هاملت ليخبره أن أمه وعمه دسا له السم ومات كتبتُ عن طيف أميرة وأدخلت مونولوج هاملت في هذه المسرحية «قطع وصل» حرفياً على لسان أميرة. كممثل لعبت جزءاً من هاملت وكسبت تعاطف الجمهور المسرحي. الجمهور المثقف عرف أنه حوار هاملت والمشاهد أعتقد أنه نصّ.

لو لم يكن هناك بناء درامي في كل أعمالي المسرحية لما كان هذا الاقبال الجماهيري على مسرحياتي. ولما كان مالي من النقاد. في كل صحيفة نصف صفحة من الصور والمقالات النقدية التي تحتوي على الـ{مع» والضد. اعتقد أن العمل يبدو مقبولاً حين يتعرّض للنقد.

ــ تعكس أعمال رفيق علي أحمد المسرحية رؤيته الى الواقع وهي ترتبط الى حد ما بتجربته الخاصة. الا تفكر بالعودة الى نص ادبي (رواية، قصة قصيرة، أو قصيدة لمؤلف آخر؟) الا تجد في تجارب آخرين من كتاب وشعراء قرأت لهم ما يستحق المعالجة؟

 بلى إذا تغيرت الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. حين لا يكون ثمة ما يثير قلقنا وأسئلتنا حول ما يجري من حولنا.

أنا استوحي نصوصاً كثيرة من أزمنة وبيئات مختلفة كما قلت ولكنني أكتب في النهاية نصيّ المسرحي. الثقافة والفن يرتبطان باللحظة التي نعيشها.

أنا كممثل لدىّ فضول لتقديم أعمال تحقق «امتاعاً ثقافياً» إذا جاز التعبير. ولكنني مقيد بهذا الواقع.

إن قراءة النصوص من تراثنا الأدبي والفني ينبغي أن تكون جزءاً من قراءتنا للواقع.

 ــ رفيق علي أحمد، ماذا بعد «جرصة» بماذا تفكر الآن؟

 حين ينتهي عملي المسرحي ويصبح جاهزاً للعرض أشعر بقدر من «الامتلاء»، وبأن ما قمت به يستحق الاهتمام. ولكنني بعد العرضين الأول والثاني، أو الأسبوع الذي يلي، أشعر بأنني لم أقل ما أريد قوله حقاً، وأطرح هذا السؤال: ماذا بعد؟ فيأتيني احساس بأنني فاشل وأن كل ما أقوم به يحدث بالصدفة ويحزنني شعوري بأنني نصف موهوب... ولكنني بعد سنة أو ما يقرب ذلك أجدُ نفسي أمام عمل مسرحي آخر بالصدفة (!).