تحتفل الأوساط الثقافية والأدبية في لبنان بالذكرى الخامسة والعشرين بعد المئة لولادة جبران خليل جبران. وعلى الرغم مما تستعيده هذه الاحتفالات من «خطاب» جبران في عددٍ من القضايا والأزمات التي تهدّد المجتمع اللبناني منذ شهور، فإن الهاجس الجبراني لا يزالُ بعد ما يقارب الثمانين عاماً على وفاته غائباً عن معظم الدراسات التي تناولت أعماله الأدبية والفنية. ونقول «الهاجس الجبراني» لأن جبران لم يكن يأخذ بالتقاليد الأدبية. حتى وإن اتخذ بعض هذه التقاليد طابع الحداثة الشائعة في عصره!

Ad

لقد حاول جبران أن يرسم تجربته خارج الأطر البلاغية (الكلاسيكية) التي عرفناها لدى كتاب وشعراء النهضة. من هنا فإن ما يبدو من «ركاكة» التعبير الانشائي سوف يمّهد (للمحاولات الأولى ربَّما!) لصياغة النص باعتبارها نسيجاً «فريداً» وخاصاً.

يكتب جبران لماري هاسكل: «اعرف أنه لن يكون بوسعي أن استشير أولئك الذين يعبدون آلهة قديمة ويعيشون برغباتٍ قديمة». ويكتب في مكان آخر: «أعرف أن في نتاجي شيئاً غريباً عن الفن، أقصد أنه جديد ولو أني لم أعرف ذلك لكنت قدمت بعيداً بفرشاتي والواني». ولقد كان جبران يكرس هذا «الإحتلاف» في أدبه على الصعيد الفني بارتباطٍ وثيق برؤيته ونظرته «الكليّة» إلى العالم. فـ«الكتابة الشعرية»، كما نريد أن نسمّي كتابات جبران، هي الشكل الذي يستطيع من خلاله أن يجمع بين الحكمة والجنون. وبغض النظر عن القيمة الفنية لعدد من مؤلفات جبران، فإنه تنبّأ بانحلال الأنواع الأدبية والاتجاه الى «وحدة الفن»، التي ستكون التعبير المثالي عن وحدة الوجود التي آمن بها: «افتح عينيك جيداً تجد صورتك في كل الصور وافتح اذنيك واصغ تسمع صوتك في كل الأصوات» وهذا الحنين الجبراني إلى التوحّد لكي يردم الفراغ الوهمي بين الأشياء والكائنات ولكي يتجاوز الحدود والقوانين التي تحول دون «تحقّقِه» الإنساني والوجودي.

ومن هنا فإن الجنون هو أحد التعبيرات التي تُفصح عن رغبته القصوى في التحرّر. «المجنون هو البطل الجبراني بامتياز. وكان جبران يحب هذا البطل ويجده الأكثر قرباً الى ذاته. فالجنون هو لحظة حاسمة، أو لحظة قرار كما يقول كيركيغارد».

المجنون عند جبران هو الشخصية التي يريدُ بواسطتها أن يقوّض الخلل الجماعي، و«الملجأ الذي يتسلّح به» كما يقول في رسالة إلى ماري هاسكل. الجنون نوعٌ من الرؤيا، والرمز الذي يمنح الشاعر حريته. وهو يشير الى مغامرته الروحية والجسدية وإلى توتّره التراجيدي في البحث عن المطلق بدءاً بالثورة على المجتمع والتقاليد والشرائع. ويشير الى الهدم من أجل التغيير الجذري وليس «الإصلاحي» كما يُطلقُ عليه نقدُ الأجهزة. إن عملية الصراع التي يشهدها المجنون الجبراني تقتلع جميع المعالم القديمة وتبشّر بضوءٍ كلّي. ولا يمكن بالتالي أن تكون حالة من «التوسّط» أو القبول. يقول في رسالة ثانية إلى مارى هاسكل (1913). «لا استطيع في هذه الآونة أن أشتغل، لكنّني استطيع أن أفكّر. إني أغمضُ عيني وأفكّر. أفكّر بمجنوني... أنه سلاحي الوحيد في هذا العالم المسلّح تسليحاً غريباً». وهكذا فإن جبران يستهدي بالمجنون. إنه حاسته التي لا تخطئ في التقاط العالم والتعبير عن مواجهته لجميع الأحكام التي تقيّد روح الشعر.

العواصف

لقد أصبح البطل الجبراني (المجنون) المخلوق الأسمى الذي حاول الشاعر أن يكونه دائماً: «إنه ينتشلُني وأود أن أرتفع بحياتي إلى مستواه. إنه يجعلني أفضل لأنّه أفضلُ منّي. وهو كائن حيٌّ. لقد صنعته أنا أول الأمر لكنه الآن أصبح أكبر منّي. وإني اكتشفه الآن أكثر وأكثر». والاختلاف، الذي يجده جبران في شخصية المجنون حالةٌ من الصراع التي كان يعاني منها في جميع تطلعاته. وكان لا بد أن يقترن هاجس التغيير عنده بقوّة الإرادة والاختيار. القوّة التي أعطت إيمانه المسيحي طابعاً خاصاً. ففي كتاب «العواصف» تظهر نقمته على المجتمع دون أن تمسّ هذه النقطة تطلّعه النبوي. غير أنه يعطي ليسوع، مظهر القوّة كما يفعل «بلايك» تماماً ويحاول من خلال هذا المظهر أن يقتلع المفاهيم التي يروّج لها القيّمون على أوجاع الناس في تلك الفترة. إنه يعطي للمسيح صورة مغايرة لتلك المفاهيم: «ما عاش مسكيناً خائفاً ولم يمت شاكياً متوجعاً. بل عاشى وصلب متمرداً ومات جبّاراً. ولم يكن يسوع طائراً مكسور الجناحين بل كان عاصفة هوجاء تكسر بهبوبها جميع الأجنحة المعوجة».

نيتشيه

كان تأثير نيتشيه واضحاً في أسلوب جبران. إلا أنّ هذا التأثير «الذي اقتلعه من جذوره» كما يقول ميخائيل نعيمه لم يحدّ من إيمانه بيسوع.

المسيحية عند جبران تقترنُ بالثورة على جميع أشكال السلطة. بل لعلّه يجد أن سلطة رجال الدين، التي يستمدونها من الخوف الذي يتحكّم بالمجتمع، أشدّ وطأة من جميع أشكال السلطة التي كان يتصدّى لها جبران (الأجنحة المتكسرة، وردة الهاني، خليل الكافر، يوحنا المجنون...). إن جبران يعطي المسيحية للفقراء وينزعها عن رجال الدين. ففي يوحنا المجنون يخاطب يوحنا رهبان الدير: «افعلوا بي ما شئتم. فالذئاب تفترس النعجة في ظلمة الليل، ولكن آثار دمائها تبقى على حصباء الوادي حتى يجيء الفجر وتطلعُ الشمس» وهو رأى يوحنا يستنجدُ يسوع ضد حالة الشقاء التي يعاني منها بسبب رجال الدين أنفسهم. في «خليل الكافر» لا يلبث الاحتجاج الفردي أن يتحوّل الى نقمة شاسعة حين يقف هذا في قصر الشيخ عباس متدافعاً بالتحريض. ولقد مهد جبران لثورة خليل الكافر برؤيا يوحنا الخاصة والذاتية، والتي أتاحت له أن يبني ايمانه الحقيقي. هذهِ المواجهة، إذن، مع رجال الدين، قائمة في الجوهر المسيحي: «أنظر أيها الحارس الأمين. فقد خنقت أشواك الوعر اعناق الزهور التي انعشت بذورها بعرق جبينك».

الثورةُ والحب. هكذا تظهر المسيحية دون أن تكون هناك حالة من التوسط الطقوسي. «ما هذا الحب ومن أين يأتي، هل هو حلمٌ سعى في سكينة الليل أم هو حقيقة كانت منذ الأزل وستبقى الى آخر الدهر؟» هذا الصوت الأكثر بروزاً في كتابات جبران هو الصوت الباعثُ الأخير. والحب الذي «أعلى من السماء»، كما يردُ على لسان سلمى كرامة، حالة من التحقق الحسِّي والروحي، وهو يعكس «الحقيقة» التي في داخلنا: «كل شيء عظيم وجميل في هذا العالم يتولّد من فكرٍ واحد وحاسةٍ واحدةٍ في داخل الإنسان». من هذهِ التجربة تنبع صوفية جبران: «الأحلام والعواطف تبقى ببقاء الروح الكلّي الخالد» ونحن حين ندرك حقيقتنا في الحب فإننا ندرك «الحقيقة» الواحدة والكليّة: «إن هذهِ الحياة ليست كقبضِ الريح، وليس تحت الشمس شيءٌ باطل. بل كل شيء كان وسيبقى سائراً الى الحقيقة.

لقد جعل أفلوطين المعرفة القصوى إشراقاً واتصالاً. ومن خلال هذه المعرفة يمكن أن يقوم هذا الاتصالُ (التوحّد) بين «المطابقات» في أدب جبران، المعرفة الكلية، وحدة الحياة والموت، وحدة الروح والجسد، وحدة الزمان والمكان، ألوهة الإنسان الخ...

الحبُّ في أدب جبران حنين دائمٌ لا ينقطع بعد الموت. بل أن النفس «تمرُّ كغيمةٍ فوق جبال الأحزان، فتلتقي بنسمات الموت، فترجع الى بحر المحبة والجمال... إلى الله». الحب المتجسّد في «المجنون» والحب المتجسد في «النبي» مظهران لحالةٍ واحدة: حالة الذوبان والرؤيا: «المجنون» يعرفُ الحقيقة ولكنه يعبّر عنها بالهدم والتصدّي للأمور العادية الواقعة أمامه. أما «النبي» فهو يُعطي التعاليم التي تؤدي الى حالة من التوحّد مع الحقيقة. وتعاليم «النبي» كانت خلاصة لنتاج جبران حول موضوعات عدّة تصبُّ في فضاءٍ واحد. يقول جبران في رسالة لمي زيادة: «لقد ولدتُ وعشتُ لأصنع كتاباً واحداً وقد ولدتُ وعشتُ وتأملت لأقول كلمةٌ حيّةً مُجنّحة. ولكني لم أصبر. لم أبق صامتاً حتى تلفظ الحياة تلك الكلمة بشفتي. لم أفعل ذلك، بل كنت ثرثاراً...». ويضيف جبران: «لا، لم أقل كلمتي بعد ولم يظهر من هذهِ الشعلة غير الدخان».

التمرد

اللهجة النبوية ظاهرة في جميع أعمال جبران السابقة لكتاب النبي. فالكلمة هي السر الذي تُطلقهُ الحياة على شفتي جبران. وهي الحقيقة التي تصدر عن الوجود. لقد كان جبران موكلاً بالرسالة التي يُعلنها. «جئت لأقول كلمة وسأقولها». وُجد جبران لكي يقول هذهِ الكلمة، الكلمة ـ الرؤيا. الهدم والتمرد مظهران للجنون الجبراني. العطاء والحب مظهران من مظاهر النبوة الجبرانية: «نفسي مثقلة بأثمارها فهل من جائع يجني ويأكل ويشبع أليس بين الناس من صائم يفطر على نتاجي ويريحني من أعباء خصبي وغزارتي». هاجس النبوّة يبدأ من هذا «الحِمل» المعذِّب ويستمر حتى كتاب «النبي» حيث يلحّ على نفس الرغبة في العطاء: «يتحول قلبي إلى شجرة كثيرة الأثمار، فأقطف منها وأعطيهم. أم تفيض رغباتي كالينبوع فأملأ كؤوسهم».

لقد كان جبران يفكّر بكتاب النبي ويحاول أن يقوله في معظم كتاباته السابقة: المجنون، التائه، السابق، الأرواح المتمردة. النبي هو الاتجاه التصعيدي لحركةِ هؤلاء الأبطال. إنه «العين الثالثة» التي أراد أن يكشف بواسطتها حقيقة هذا العالم. أن يقول هذهِ الحقيقة، يكتب عنه في رسالة لماري هاسكل: «لقد كان فيَّ على الدوام. لكنني لم أستطع أن استعجل به. لم يكن بوسعي أن اكتبه قبل الآن» ثم يقوله أنه كان ينشد «النبي» منذ كان في الرابعة عشرة أو السادسة عشرة من عمره. وأنه الآن يراه ويعي ما فيه من حقائق.

الرؤيا

لقد جاءت الرؤيا الجبرانية في كتاب النبي في إطارٍ فنّي متميّز يمكن أن يطلق عليه «الكتابة الشعرية». ولقد لجأ جبران الى الأسلوب الشعري في معظم نتاجه. ولعلّ جبران أراد أن يطبع جميع أفكاره بالرؤيا والأسلوب الشعريين لكي يضفي عليها طابعاً نبوياً. وسوف يمكّن هذا جبران من أن يقيم علاقاته اللغوية الخاصة.

تأثر جبران بالرومنطيقية التي أتاحت له معارضته «للإلمام بالقواعد والتقاليد. فلقد أمّحى في تلك المرحلة الذوق الذي كانوا يحكمون به سابقاً أمام أساسٍ جديد للحكم» وأننا نستطيع أن نتبيّن في أدبه ثورة الرومنطيقي على الواقع: الشرائع والقوانين، الحب والزواج، اللغة والفن.

لم يستعمل جبران اللغة كما تتعيّن ملامحها (التقليدية والحديثة) في أعمال كتاب وشعراء «النهضة». ولم تنحصر الكتابة الجبرانية في نوع أدبي واحد بل هي تتسعُ إلى «نوع أدبي» خاص. لقد كان جبران على الصعيدين (اللغة و«النوع» الأدبيين) موجة عكس التيار السائد في ذلك الوقت. ورأى أن لا قيمة لأي عملٍ لا يحمل طابعاً مميّزاً وخاصاً: «إن في كل شاعرٍ شيئاً خاصاً به، شيئاً يجعله فريداً». ولقد اعطى «التفرّد» الجبراني بعداً خاصاً لتطوّر الكتابة العربية «لم تكن قيمته فيما قاله بقدر ما هي في صوته، في نبرته ومداها».