«الجزيرة»، «هي فوضى؟»، «حين ميسرة» و»خارج على القانون»، 4 افلام ظهرت في الوقت نفسه منتقدة جميعها أجهزة الشرطة المصرية. فهل المصادفة وحدها وراء هذه السلسلة من الأفلام؟ وهل ظهرت بناءًعلى توجيهات رسمية للتنفيس عن الجماهير الغاضبة من ممارسات هذه الأجهزة؟ أم أن صنّاع السينما قرروا ممارسة دورهم الحقيقي فى التعبير عن قضايا المجتمع وهمومه وفى مقدمها حالة القهر والكبت ومشاعر الغضب التى سيطرت طويلا على الشارع المصري.
الرقابة جهاز من مؤسسات الدولة، فكيف سمحت بعرض هذه الأفلام، خصوصًا ان من واجبها حماية النظام أو على أقل تقدير الحيلولة دون تشويه صورته بمثل هذه الأفلام التي تكشف وتعرى وتنتقد بجرأة كل آليات الفساد ومؤسسات السلطة؟مسكوت عنهتؤكد أفلام سينمائية كثيرة ظهرت هذا الموسم بما لا يدع مجالا للشك حالة التوتر بين الجماهير ورجال الأمن، راصدة هذه الحالة بشفافية تامة من خلال كشف الخلافات بين فصائل أجهزة الشرطة المختلفة، إضافة للخلاف بينهم وبين القضاء كما في»هي فوضى؟» للمخرج القدير يوسف شاهين وتلميذه خالد يوسف، وكذلك تحفيز الشرطة للفساد كحماية نشاطات بعض الخارجين عن القانون الإجرامية شرط أن يظلوا تحت السيطرة الأمنية والتعاون معهم للقضاء على الإرهابين تمامًا كما جاء فى فيلمي «الجزيرة» للمخرج شريف عرفة و{حين ميسرة» للمخرج خالد يوسف.من ناحية أخرى رصدت هذه الأفلام كيف تنقلب الشرطة على المجرمين اذا ما تجاوزوا حدودهم أو توحّشت سطوتهم وقوتهم، كما فى «جزيرة» السقا ما يؤكد أنّ السينما دخلت «عش الدبابير» بهذه الأفلام التي على ما يبدو تواءمت مع الجماهير لأنها عبّرت بصدق عنهم، ورصدت بجرأة وشفافية كيف سيطر «قانون السحل» على الحياة في مصر، وهو ما يمكن تلمّسه بوضوح عبر كثير من المنتديات والمدوّنات على الشبكة الإلكترونية، والتي إحتوت على آلاف التعليقات حول جرأة هذه الأفلام، وكيف استغل صناعها سقف الحريات عنوة للتعبير عن هموم الشارع، ما يعيدنا مجددًا الى أهمية الدور الذى تؤديه السينما في الرصد والتحليل وأنها فى النهاية مرآة صادقة لكل ما يدور حولها.ظاهرة صحيةفي هذا السياق يؤكد المخرج خالد يوسف أنّ ما قدّمه في الفيلم هو إنعكاس للشارع المصري، مؤكدًا انّ سياسة الحزب الحاكم هي سبب كل الكوارث والمصائب التي شهدتها مصر. ويقول في هذا المجال: «فساد وزارة الداخلية يأتي نتيجة مناخ الفساد الذي اشاعته الحكومة، لذلك كنت حريصًا على رصد كل هذا من خلال فيلمي «هي فوضى؟»، و»حين ميسرة»، فى محاولة مني لتجسيد الواقع وتفسير أسباب كلّ ما وصلنا له». أمّا عن مدى تدخّل الرقابة في الأعمال السينمائية ومحاولة عرقلتها لأنها تسيء للجهات الأمنية فيشير يوسف: «تناقشنا كثيرًا مع الرقابة، وفي النهاية خرجنا بصيغة مقبولة من الطرفين ما يدّل على تفهّم الرقيب رغم أني أرفض وجود رقابة على الإبداع كي لا يتم تحجيمه».أما السيناريست ناصر عبد الرحمن مؤلف فيلمي»هي فوضى؟» و»حين ميسرة» فيرى أن وجود أكثر من فيلم يناقش طبيعة العلاقة بين رجل الشرطة مع الجمهور وحجم التجاوزات فيها، ظاهرة صحية، خصوصًا وأن هذه الأحداث متداولة على صفحات الجرائد وبمنتهى الجرأة: «فما المانع من طرحها سينمائيًا، فالسينما وصناعها جزء من هذا المجتمع يتأثرون بما يدور حولهم من أحداث ومن الطبيعي أن يسعى الابداع لطرحها فهذا هو دوره الحقيقي».ونفى ناصر تعرّض أفلامه لأى ضغوط سواء من قبل وزارة الداخلية أو أى جهة أخرى، رغم أن أعماله ترصد قمع الحريات وتعذيب المعتقلين السياسيين في السجون، لكنه وصنّاع الفيلم وفي مقدمهم المخرج يوسف شاهين وخالد يوسف حرصوا على تفادي الصدام مع تلك المؤسسات ليس فى إطار التنازل، لكن لتمرير الأفلام بحسب قول ناصر. ومن الأمور التي رضخوا لها على سبيل المثال أن يكون حاتم رجل الشرطة الفاسد فى فيلم «هي فوضى؟» ليس ضابط ولكن صف ضابط، وهو الدور الذى أدّاه باقتدار الفنان خالد صالح، كذلك التخفيف من حدة بعض المشاهد. عن هذه التنازلات يشرح ناصر: «في النهاية لم يحدث صدام وخرجت التجارب بأقل الخسائر الممكنة، ونجحنا عبرها في التعبير عن حالة الفوضى التى نعيشها بمفهومها الأعم والأشمل، فالفوضى ليست فى اقسام الشرطة فحسب، لكنها من حولنا دائمًا».
توابل - سيما
أفلامُ ضدّ الحكومة... موضة أم صرخة غضب؟
04-01-2008