لا شك في أننا نعيش صراعاً سياسياً متأصلاً منذ عقود بين المجلس والحكومة أدى إلى تأخر التنمية والازدهار الاقتصادي في بلدنا، وفي خضم هذا الصراع ضاع المواطن البسيط الذي بات يتساءل عن المتسبب في هذا الصراع: هل هو المجلس أم الحكومة أم كلاهما؟ ومع أن المجلس يتحمل جزءاً من مسؤولية هذا الصراع بسبب إفرازات الدوائر الـ25 التعيسة، فإن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق الحكومة التي لم تتطور منذ زمن بعيد.

Ad

فمنذ تشكيل أول حكومة دستورية قبل أكثر من أربعين عاماً و إلى الآن، تغيرت أمور الحياة وتعقيداتها بشكل كبير، فمن تلفزيون أبيض وأسود و(بشتخته) إلى مئات، بل آلاف الفضائيات وعالم من الاتصالات والهواتف النقالة والإنترنت، وصاحَب ذلك إزالة قيود الرقابة بحيث لم تعد هناك خطوط حمراء كما في السابق، وقد تجلى ذلك بأوضح صوره من خلال المدونات التي باتت مصدراً مهماً للأخبار لمختلف فئات المجتمع، وخصوصا فئة الشباب الذين استطاعوا أن يسقطوا مجلساً بأكمله ليأتوا ببديل له، حتى يقر مطلبهم بإقرار الدوائر الخمس، وحتى مجلس الأمة الذي عانى كثيراً بسبب توزيع الدوائر (الذي أتت به الحكومة أصلاً في ظل تعطيل الدستور) تطور عمله عن طريق تشكيل تيارات سياسية وكتل نيابية.

كل شيء في الدنيا تطور إلا الحكومة ظلت على طريقتها (القرقيعانية) في تشكيلها والقائمة على أسلوب «القص واللزق» حتى يظل قرار الحكومة بيد وزراء من أبناء الأسرة الحاكمة، ولذلك كنا ومازلنا نرى كثيراً من الوزراء قد يكون بعضهم أكفاء في تخصصاتهم، لكن ينقصهم الانسجام المطلوب لحل المشاكل التي تواجهنا، بل إن بعضهم لا يملك رأياً سياسياً على الإطلاق مما تسبب بعقم الحكومات المتعاقبة، وحتى تمثيل بعض التيارات السياسية في الحكومة بوزير واحد أثبت من خلال التجارب فشله في تأمين غطاء لها، لأن هذه التيارات قد لا ترضى بتوجهات أو تجاوزات وزراء آخرين مستقلين، لذلك أصبح معظم الوزراء صيداً سهلاً للكتل والتيارات بحيث تنشغل الحكومة مع كل استجواب بمحاولة النجاة والحفاظ على تماسكها.

إذن فالحل هو تغيير قاعدة تشكيل الحكومات، بحيث تمثل التكتلات النيابية أغلب مقاعد مجلس الوزراء، وتتفق هذه الكتل على برنامج عمل واضح وأولويات محددة قابلة للتطبيق(وليس 165 أولوية!)، وبهذه الطريقة تستطيع الحكومة أن تؤمن لها غطاء حقيقيا في مجلس الأمة وتنجز برنامجها بانسيابية أفضل من الآن ومن دون أن تغرق «في شبر ماء» مع أي استجواب، ما دام لديها من يساندها في المجلس.

يقول رئيس شركة موتورولا- عندما سئل عن الوقت المناسب للتغيير- «عندما تشعر بأن الأمور تسير بأحسن أحسن ما يمكن... ذلك هو الوقت المناسب للتغيير!»، ومع أني لا أعتقد أن هذا الكلام قرآن منزل، لكني أؤمن بأن رجلاً بهذا المستوى يعرف جيداً ماذا يقول، فإذا كان التغيير مطلوباً في ظل أوضاع ممتازة فإنه يعد واجبا في ظل جمود طال عقودا من الزمن، فالتغيير الجذري في تشكيل الحكومة الآن أفضل من تضييع مزيد من الوقت مع هذه الحكومة العرجاء التي ستنتهي صلاحيتها عاجلا أم آجلا.