عندما يعرض في المتاحف مزيج من الفن الأفريقي والفن الحديث يكون الهدف بشكل عام إظهار التأثير الذي كان للأقنعة الأفريقية الأخاذة والأشكال الخيالية على بيكاسو وسائر فناني العصر الحديث الذين استطاعوا بفضلها التخلص من قيود الواقعية والانتقال إلى الكوبية والسريالية والدادائية.
ولكن الفنّ الأفريقي يظهر في صالة العرض الجديدة في متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون متّفقاً مع مواصفات الفن المعاصر بقدرته الشخصية وليس مجرد ملحق جمالي لقرن من الفن الحديث، فالمجموعة الأفريقية «Tradition as Innovation in African Art» (التقليد كابتكار في الفن الأفريقي)، التي تشرف عليها السيدة بولي نوتر روبرتس خبيرة الفن الأفريقي في متحف فاولر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، تشكل الخطوة الأولى في الشراكة المتوقع قيامها بين المتاحف التي ستكرس مساحة واسعة لعرض الأعمال الفنية الأفريقية في مدخل الساحة العامة المؤدية الى مبنى اهمانسون Ahmanson الذي تعرض فيه مجموعة من الأعمال الفنية المعاصرة.وقالت مساعدة مدير متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون السيدة نانسي توماس إن أعمالاً فنية أفريقية ستعرض سنوياً بشكل دوري في الصالة التي تطغى عليها منحوتة طوني سميث الضخمة والسوداء في عملية إعادة تأهيل واسعة ستنقل معظم القطع الفنية الأفريقية للقرنين التاسع عشر والعشرين إلى الوسط. وتقول توماس في هذا المجال: «إن هذه الخطوة تشكل الحجر الأساس في برنامج للفن الأفريقي سيستمر لفترة طويلة في متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون ويتمثل هدفنا جزئياً بإعادة تحديد موضع الفن الأفريقي في متحف للفن العام علماً أنه تم في السابق عرض مجموعة أفريقية صغيرة في متحف لوس انجليس وإنما في صالة اهمانسون الأقل أهمية بالقرب من مجموعة التحف الفنية القديمة الخاصة بالأميركيتين».العهد القديموصرح مدير متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون السيد مايكل غوفان في هذا المجال: «يسري اعتقاد بين الناس بأن الفنانين الأفارقة يستوحون أعمالهم من العهد القديم فيما هم في الواقع معاصرون ولا تشكل أعمالهم مصدر وحي لعمل سبّاق فحسب بل هي تنبض بالحياة لدرجة أنك تنظر إلى هذه القطع وتقول: أيمكن أن يتمثل الفن الحديث بطريقة أفضل؟»وتسعى روبرتس وهي مساعدة مدير متحف «فاولر» والقيّمة عليه إلى إبراز الفن الأفريقي في الإطار الذي يتميّز به علماً أنها اختارت بنفسها المجموعة المعروضة هناك ويشرح القيّمون على المعرض أن تمثال حارس الغابة من ولاية دلتا النيجر الذي يتخذ وجه إله جانوس يعلو مدخل صالة العرض مسلّطاً سيفه وفوق رأسه قرد وقد صمم خصيصاً لحماية القرويين من المخاطر المتوارية في الغابة. وتجدر الإشارة الى أن التمثال الخشبي Ijo ينتمي إلى المجموعات الخاصة بمنطقة جنوبي كاليفورنيا، علماً أن بعض القطع المعروضة هي من المجموعة الصغيرة التي تعود ملكيتها إلى متحف لوس انجليس وتم استلاف ما يقارب نصف القطع الصغيرة من المجموعة الأفريقية الواسعة في متحف «فاولر» فضلاً عن أن القيمين على هذا المتحف أقرضوا السيدة روبرتس بعض القطع وهي اختبرت أفريقيا للمرة الأولى كابنة ديبلوماسي عاش في ليبيريا وتانزانيا وعمل في بلدان مثل السنغال وساحل العاج والكونغو. وقد تجلى مفهوم المعرض بشكل واضح من خلال العقيدة الفنية لأبناء شعب اليوروبا الذين دخلوا العالم الجديد وافدين من غربي أفريقيا بعد بيعهم كرقيق فحملوا معهم وسائل عيشهم الخاصة وثقافتهم المحتفى بها من كوبا إلى البرازيل. وتقول الفيلسوفة الناطقة باسم اليوروبا «اولابيي ياي» إن التقاليد تنطوي بداهة على الابتكار مما يعني أن التحف الأفريقية التي تبدو «تقليدية» يمكن في الواقع أن تشكل جزءاً لا يتجزأ من ابتكاراتها الثقافية كما أن اللغة اليوروبية تتضمن مصطلحاً خاصاً لمفهوم «الفنان المبدع» وهو «الفنان الجوال الذي لا يمل البحث الروحي والسعي الى اكتساب حس عقلي، فشعب اليوروبا يرى أن أفضل فنان هو الذي يستطيع تجاوز حدود العالم المرئي والغوص في الأعماق».ومن بين الأمثلة الحية على هذا الابداع قناع الـYoruba Epa الفخم الذي يغطي وجه فارس مكللاً ببقع بيضاء تنبض بالحركة وترمز إلى Ashe أي القدرة على سحر الجماهير أو قوة الحياة.وأتت محاولة اعتناق الفن الأفريقي بدون شروط بعد قصة حب دامت قرناً من الزمن مع أشكاله الفنية، فالفنانون الحديثون ساهموا في نشر الفن الأفريقي باستيلائهم على هذه الأشكال غير أن الافتتان بالأنواع الدخيلة خلال الفترة الاستعمارية الجديدة أدى إلى إساءة فهم هذا الفن فتم اعتبار مظاهر العراء مثيرة للشهوة، أما القطع الفنية المخصصة لتمثيل الوضع الاجتماعي أوالخصوبة أو الموت فصوّرت على أنها تشكل وسيلة غير مقيّدة بحدود للتعبير عن الذات.ومن بين القطع المليئة بالألغاز في متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون منحوتة Kota التي تمثل وجهاً بشرياً صغيراً مكلل الرأس بتاج الهي كان في الماضي ملكاً لأحد مؤسسي السوريالية أندري بروتون، وشكلت منحوتات Kota مصدر وحي لفنانين مثل بيكاسو وارنست نظراً للتأثير البصري الكبير الذي تمارسه بفضل الخيالات القوية والخطوط الواضحة التي باتت مرتبطة بالحداثة.بساطةغير أن تماثيل Kota بعيدة كلّ البعد عن البساطة في أفريقيا ويقتصر دورها على حراسة مستودعات من العظام العائدة للدخلاء الذين لاقوا حتفهم في هذا المكان، كذلك تشكل جسراً منيعاً يؤدي إلى عالم الروحانيات.وتقول روبرتس: «إن هذه المنحوتات مميزة ببساطتها فالاتصال بالموتى لدى شعب الـKota مختلف كل الاختلاف». وتم شراء منحوتة الكوتا مباشرة من مدينة بريتون واشتراها الشاعر والمشارك في تأسيس المذهب السوريالي مباشرة من العالم الصيدلي الأميركي البريطاني البارع هنري والكام، علماً أن مجموعة ولكام شكلت أساساً للموجودات الأفريقية في متحف فاولر وتشكل مصدراً غنياً للشراكة الجديدة المبرمة مع متحف لوس انجليس للفنون والتي تتضمن خططاً للتعاون في مجال الفن قبل وصول كولومبوس وفي مجالات أخرى أيضاً.وعندما أصبح السيد غوفان مديراً في العام 2006 أعرب عن دهشته لافتقار متحف لوس انجليس إلى قسم للفن الأفريقي وعلّق على الموضوع قائلاً: «أمر جنوني أليس كذلك؟ كيف يعقل ذلك في متحف شامل كهذا؟». ثم قال: «إنها لأولوية قصوى» فيما أخذ يراقب الحرفيين أثناء قيامهم بتغطية القواعد المثبتة للتحفة الفنية برفقة توماس وروبرتس مضيفاً: «لا يتعلق الأمر بالفن الحديث فحسب بل بالنظرة الحديثة إلى هذا الفن أيضاً، فعلامة الاستفهام الكبيرة التي تلوح فوق هذا العمل العظيم هي: «ما هو الابتكار؟».وتوقف غوفان أمام تمثال ظبي وحيوان آخر متشابكين بشكل لولبي ومتناسقين على غرار معادلة حسابية. فما كان من غوفان إلا أن علّق على الأمر قائلاً: «قل لي ما الذي يفوق هذا العمل حداثة؟ إنه لتحفة فنية حقيقية». ثم قام العمّال ببسط نسيج عائد الى Kuba غطته أشكال هندسية افتقرت إلى التناسق عن قصد فبدت كمنحوتة في وسط الصالة. وفيما بدأت تتجلى الأشكال على النسيج علّق غوفان على المشهد قائلاً: «إنها تسحر الألباب» مقارناً إياها برسومات فنان معروضة في صالة مجاورة وقال «إنها مثال حي لاستعمال نماذج متنوعة وتدفع الناظر اليها إلى التفكير بطبيعة الفن وطبيعة الابتكار».وبامكان زوار المتحف ايجاد ما يشبه هذه القطع ضمن المجموعة الألمانية التي تمثل الفن التعبيري قرب متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون حيث يتجلى تأثير الصور الأفريقية الابتكارية في القطع الخشبية العائدة الى أوائل القرن العشرين وهي صور أعتقت الفنانين الأفارقة من القيود التي كانت تكبلهم.يأمل بعض الناس في أن يتمكن زوار هذا المعرض من التخلي عن الطريقة التي يصنفون فيها الفن. وعبرت مديرة متحف فاولر مارلا بيرنز عن دهشتها حيال اصرار منتقدي عرض الفن الأفريقي على وصف الأعمال بـ «فن اثنوغرافي أو نتاج اصطناعي».وقالت: «لم يجد الناس صعوبة في تقبله كفن؟ فابراز الفن الأفريقي في المكان المكرّس له في متحف مقاطعة لوس انجليس للفنون يعزز وجهة النظر القائلة بأنه فن بكل ما للكلمة من معنى وهو يستحق التأمل والتقدير كأي فن آخر».
توابل - ثقافات
أميركا تحتفي به في معارضها طوال هذه السنة الفن الافريقي... تقليديّةٌ تنبض حداثةً
12-02-2008