رومانسيته أبرز ما في شخصيته، أناقته في عقله قبل أن تكون في ملابسه، وضوحه قانون تعامله مع الغير والتزامه يسكن تصرفاته. يحب الوحدة ويكره الفشل ويسابق عمره الذي سرق جزءاً من أحلامه, علَّمته الأيام كيف يتمرد على الألم وكيف يمتلك الحصانة ضد الانكسار.
«الجريدة» التقت الفنان المتميِّز محمود قابيل في هذه الدردشة.حدِّثنا عن طفولتك؟عشت طفولة سعيدة في بيت مليء بالحب قوامه والدي رحمه الله ووالدتي وشقيقاي حسن واسماعيل، وما زالت ذاكرتي تحمل بعض الصور عن المدرسة والبيت والحديقة التي كنت ألعب فيها. هل كنت شقياً؟ لا أتصوَّر, كنت أختلي بنفسي ولا أشارك زملائي وأصدقائي اللعب، وأذكر أنني كنت أحكي لنفسي قصصاً وأتعامل مع أعواد الكبريت باعتبارها أشخاصاً أحكي لهم هذه الحكايات، وكان والدي يمنع أي شخص من الاقتراب مني في هذه اللحظات، وفي المساء أجمع شقيقيّ وأصدقائي وأروي لهم هذه القصص وكان عمري حينها اربعة أو خمسة أعوام.من كان الأقرب الى وجدانك، والدتك أم والدك؟ والدي, لأني كنت أقضي معه وقتاً طويلاً وأتكلم معه كثيراً, خصوصا خلال تدليكي يديه بسبب الآلام الحادة التي كان يعاني منها فيهما. بماذا تميّزت شخصيته؟آمن بالديموقراطية والحرية ومنحته دراسته في فرنسا أفقاً مفتوحاً في أي حوار يجريه. هل كان يمنحك وأخوتك مساحة من الحرية؟ كان يمسك العصا من نصفها, حازماً وحنوناً في الوقت نفسه وكنا نخاف جداً من غضبه. هل ضربك يوما؟ مرات قليلة، أذكر أنه كان مدعواً الى العشاء مع الملك في حفلة رسمية, فأمسكت طربوشه وخلعت منه الزر، عندها تلقيت «علقة ساخنة» لا أنساها حتى الآن. كيف أثّر فيك رحيله؟زلزلني, كان يحمينا ويمنحنا الرعاية والاهتمام وكان كل شيء بالنسبة إلينا وعندما مات شعرت أن الدنيا انتهت وأن الزمن توقف، بالإضافة إلى أن وفاته جعلتني أكتشف قوة والدتي ومدى صلابتها على الرغم من صغر سنّها, لم تتعد حينها الثانية والثلاثين. ماذا تذكر عن والدتك؟ خلاصة الحنان في العالم كله، مع أنها كانت تعنفني كثيراً, إلا أنها طيبة الى أقصى درجة. هل تزوَّجت بعد وفاة والدك؟ تزوَّجت من ابن عمتها بعدما تخرجنا جميعاً في الجامعات. ما أبرز قيمة تعلَّمتها منها؟ عاشت دائماً عظيمة وشامخة حتى في اللحظات القاسية، وهذا كلَّفها كثيراً لأنها باعت كل ما تملك كي توفر لي ولأخوتي المستوى اللائق الذي كنا نعيش فيه قبل رحيل والدي. ماذا تتذكر عن فترة المراهقة؟ لم أعش مراهقتي كما ينبغي, لأني كنت أشعر بمسؤوليتي مع والدتي عن البيت وكنت أحس بالضيق المادي الذي نعيش فيه والصراع المستمر الذي يدور في أعماق والدتي لإرضائنا، لذلك كنت أحاول تخفيف المسؤولية عنها. هل لاقت رغبتك في دخول الكلية الحربية ترحيباً من والدك؟ لا, على رغم أنه كان يشجعني على قراءة كتب التاريخ وسير العظماء مثل خالد بن الوليد ونابليون والإسكندر الأكبر. كيف كنت تعبِّر عن حبك في مراهقتك؟بكتابة الشعر باللغة الفرنسية وترجمة مشاعري الى بعض الخواطر والقصص القصيرة. هل تذكر أول حب دقَّ له قلبك؟ كان عمري حينها 14 عاماً، غير أن حبيبتي لم ترض بالشعر، وفي إحدى المرات فوجئت بها تخرج من حقيبتها سكيناً وجرحت اصبعها وأصبعي ومجرد أن رأيت الدماء أغمي عليَّ فقالت لي: أنت لا تحبني فقد أغمي عليك وتركتني. فعلَت ذلك بعدما شاهدت فيلما أجنبياً من بطولة إيفا غاردنر وروبرت تايلور يتضمن مشهداً تودع فيه البطلة البطل بأن تمزج دمها بدمه.هل صدمت في قصة حب؟ نعم وكانت حبيبة القلب زميلتي في الفصل، وعندما علمت أنني سألتحق بالكلية الحربية إنسحبت من حياتي تماماً.ما الذي يجذبك عادة الى المرأة؟ الجمال الداخلي الذي يضفي ملامح جميلة على الشكل الخارجي, بالإضافة الى التفاعل الكيماوي الذي لا يخضع لأي مقاييس أو قاعدة. هل هذا التفاعل هو ما حدث بينك وبين السيدة ليلى محرم زوجتك السابقة؟بالضبط، حدث انجذاب شديد من النظرة الأولى, كنت في النادي عندما رأيت صديقتي المخرجة إيناس الدغيدي فتوجهت إليها لإلقاء التحية ووجدت ليلى إلى جوارها وبدأنا نتحدث في أمور كثيرة. علمت أنها فنانة تجيد الرسم وأنها ورثت هذه الموهبة عن والدتها، فطلبت منها أن ترسمني وطبعاً كانت جلسات الرسم فرصة للحوار والتعارف، ثم جاء الحب وبعدما انتهت من رسم اللوحة قابلت والدها وطلبت يدها. هل كان زواج عقل أم قلب؟ الاثنان. كم استمرَّ زواجك منها؟ 13 عاماً.لماذا حدث الطلاق؟ لأسباب ليس لها علاقة بالحب أو العاطفة، منها عودتي الى الفن واستمرار الأولاد في العيش في أميركا وعمل زوجتي. هل كان قرار الانفصال سهلاً؟ بالعكس، كان أصعب قرار في حياتي, لأن معناه أنني فشلت. من الذي طلب الطلاق؟ زوجتي، بعدما أدركت أنه الحل الوحيد وقالت لي «مش عايزة أكرهك عايزة حافظ على حبنا»، فانفصلنا. هل كنت زوجاً مثالياً؟ بدرجة معقولة لأني حرصت على مشاركتها في كل الأمور. الى أي درجة أنت رومانسي؟150%. هل أثَّرت رومانسيتك في قراراتك؟ كلا, لأن خدمتي في القوات المسلحة علَّمتني فصل عواطفي ومشاعري عن أي قرار أتخذه، مثلاً بعد قرار الطلاق شعرت بالوجع والنزيف الداخلي، لكن كان أمامي هدف محدد هو حب الأولاد لوالديهم.ماذا عن أولادك؟ إبراهيم وأحمد تربطني بهما صداقة وأشتاق اليهما كثيراً, لأنهما يعيشان في أميركا مع والدتهما. ماذا ورثوا عنك؟ ورث أحمد القراءة وحب التاريخ والرسم، وورث ابراهيم الجزء التنظيمي في الحياة والترتيب, وهو يكتب قصصاً قصيرة مثلما كنت أفعل. ما هي الغلطة التي ترتكبها في حق نفسك؟ حين أصدِّق أي كلمة تقال لي من دون فحصها أو مناقشتها. هل صحيح أنك نشرت قصة قصيرة عن ضابطين من جيشين متحاربين، وبعدها قيل إنها واقعة حقيقية واتهمت بأنك على علاقة مع جندي إسرائيلي التقيت به أثناء الحرب؟للأسف هذا صحيح، واتهموني أنني أطالب بالتطبيع مع إسرائيل وقالوا إني لم أذهب الى أميركا بل إلى إسرائيل وتزوجت إسرائيلية وافتتحت شركة سياحة هناك. ماذا فعلت أمام هذه الاتهامات الخطيرة ولماذا لم تدافع عن نفسك؟ حاولت كثيراً، لكن الموضوع تعدى ذلك بكثير ونشرت أكاذيب ملفقة, فمثلاً كتبت إحدى المجلات الأسبوعية أنني طردت من الخدمة بعد حرب 67 وهذا غير حقيقي, لأن الطرد من الخدمة مسألة مشينة جداً وتكون لسببين: الأول خيانة عظمى والثاني جريمة أخلاقية، وهذا لم يحدث معي، على العكس حاربت في حرب الاستنزاف وأصبت 3 مرات في العمليات الحربية وخرجت متقاعداً وحتى الآن أتقاضى معاشاً من القوات المسلحة، هكذا وجدت نفسي على القائمة السوداء، لذا سافرت الى أميركا حيث شاركت أخي مشروعه الزراعي.
توابل - مزاج
محمود قابيل: طلاقي أصعب قرار اتَّخذته!
09-04-2008