ساهم تحليل الإدارة الأميركية القاصر لأحداث وتداعيات الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتركيزها فقط على حماية أمن إسرائيل عبر ضمان التفوق العسكري الإسرائيلي، في عدم استفادتها من دروس هذا الصراع. ولعل ذلك التحليل القاصر كان السبب الرئيسي للأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها في العراق، فقد تبنت الإدارة الأميركية منذ البداية استراتيجية الاحتلال الإسرائيلي وتكتيكاته المتغطرسة، مما أدخل العراق والمنطقة في حالة من عدم الاستقرار السياسي المزمن من المرجح أن تقودهما إلى مستقبل يصعب تكهنه. فطغيان منطق المدرسة الإسرائيلية على التفكير الاستراتيجي للمحافظين الجدد ساهم في تراجع قدرة الإدارة الأميركية على تأمين مصالحها في المنطقة ولطّخ سمعتها. ولم تنتبه الإدارة الأميركية إلى أن التفوق العسكري الإسرائيلي لم يستطع حسم الصراع، فلا حل عسكريا لمسألة الاحتلال،
وأن استمرار الصراع دون حل سياسي أدى إلى تعقيده ودخول عناصر جديدة لم تكن في الحسبان، وإلى ظهور ممارسات عنف بين الجانبين جعلت من الحياة في الأرض المقدسة لا تطاق، وأن العنف يولد العنف. وأن غياب الأفق والحلول السياسية يؤدي إلى ظهور جماعات وظواهر سياسية واجتماعية وثقافية متطرفة قد تسحب الصراع إلى أبعاد جديدة، مثل البعد الديني، مما قد يصيب الأمن والسلم في المنطقة والعالم بمقتل. وهناك درس آخر لا يمكن إغفاله، وهو تحول الصراع وتفاقمه حتى طاولت تداعياته أسلوب حياة ومصدر رزق بعض القطاعات المؤثرة على طرفي النزاع. ويبدو أن صانع القرار السياسي الأميركي شرع في استيعاب الدرس بصعوبة وبثمن غال، لكن ذلك الاستيعاب جاء بعد أن تقلصت الخيارات المتاحة أمامه على أرض الواقع.في المقابل، لقد أضحى من الضروري أن يتعلم الفلسطينيون والإسرائيليون من درس العراق قبل فوات الأوان. فالدرس الأهم الذي يجدر بهم استيعابه، هو أن الإخفاق في حل صراع متأجج في الوقت المناسب قد يعني خروج الأمور عن السيطرة وظهور لاعبين جدد أكثر دموية وأقل استعداداً للمساومة، وبروز ملامح «الدولة الفاشلة» وضعف القرار المركزي. كما أن دولة عظمى مثل الولايات المتحدة قد تعجز عن حماية نفسها أو استعادة الأمن والاستقرار لدى انفلات الفوضى من عقالها، وهو ما قد يجعلها أكثر ميلاً إلى التغاضي عن أفعال قوى أصولية، بل والتعامل معها. ولعل الكارثة، حال خروج الأمور عن السيطرة، تكمن في استمرار أطراف الصراع بممارسة حالة الانتحار الجماعي رغم إدراكهم أنهم والبلاد في طريقهم إلى الجحيم، وكأنهم قد أصابهم حالة من الإدمان أو فقدان للوعي أو نكران للحقائق.ويبدو الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، ومنذ فشل مفاوضات «كامب ديفيد» الثانية، في طريقه نحو «الخروج عن السيطرة». فأدوات العنف أصبحت أكثر تعقيداً وأكثر دموية. فالجيش الإسرائيلي تجرأ وقصف مناطق السلطة الفلسطينية بالطائرات بما فيها قاذفات F16، واجتاحها بأسلحة ثقيلة تستخدم فقط في الحروب بين الجيوش مثل الدبابات، ولم يتردد في تدمير أحياء بأكملها في المدن والمخيمات مثل مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس أو بتدمير البنية الأساسية السياسية والأمنية والمعيشية، وقطع أوصال الأراضي الفلسطينية بالحواجز وبالجدار السيئ السمعة، ومارس الاغتيال والحصار ضد القيادات السياسية، ومارس إهاناته للمدنيين وأهالي المناطق الفلسطينية وحول حياتهم جحيماً. بينما الفصائل الفلسطينية المسلحة نفذت عمليات انتحارية داخل المدن الإسرائيلية، وقصفت السكان الإسرائيليين عشوائياً بصواريخ محلية الصنع. وبالطبع من السذاجة مساواة تكتيكات العنف عند الجيش الإسرائيلي بتكتيكات الفصائل الفلسطينية. الأهم أن الطرفين أصبحا أكثر ميلاً إلى إيذاء الطرف الآخر وإيلامه والانتقام منه بكل ما هو متاح وبما تسمح به الظروف بسبب غياب الأفق السياسي وعدم القدرة على تحقيق انتصار لأي منهما.
مقالات
الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي... والخروج عن السيطرة (1/2)
10-07-2007