باتت الكتابات اللبنانية حاضرة بقوة في الادب العالمي، ليس عند امين معلوف وجورج شحاده فحسب، هناك عشرات العالميين من أصل لبناني من من ديفيد معلوف وميلتون حاطوم ورضوان نصار واندره شديد وربيع علم الدين وايتل عدنان وياسمينا طرابلسي والماظ ابي نادر وخايمي سابينس، والكثير الكثير من الكتاب. لا نريد الاطلاع على جل أعمالهم، لكن التأمل في نماذج من أعمالهم يبين واقع الشخصية اللبنانية وأصلها وفصلها.
حين كتب الروائي اللبناني الاصل ميلتون حاطوم المولود لأب من أصل لبناني وأم برازيلية روايته «الشقيقان» ترجمت الى العربية وصدرت لدى دار الفارابي، كان يدرك التناقض اللبناني، او الثنائية بين الالتحاق بالغرب والتعلق بالشرق. تدور أحداث الرواية في مدينة مانوس البرازيلية داخل مجتمع المهاجرين اللبنانيين والعرب الذين يشكلون اليوم أقلية ولكنها مؤثرة جداً في البرازيل. ويطلق على المواطنين في أميركا اللاتينية ذوي الأصول العربية إلى اليوم اسم الأتراك نظرا لقدوم أوائل المهاجرين إلى هذه الدول خلال فترة الحكم العثماني وكانوا لذلك يحملون وثائق سفر صادرة من الدولة العثمانية. بطلا رواية حاطوم في «الشقيقان» هما عمر ويعقوب، ابنا مهاجرين لبنانيين، تعرض الرواية لحياتهما وتطورها كجزء أصيل من تاريخ البرازيل، واحد منهما يبقى في البرازيل والآخر يعود الى لبنان حرصاً على الجذور هنا تبرز مشهدية الواقع اللبناني. تعود جذور حاطوم الى منطقة برج البراجنة في الضاحية الجنوبية قبل مجيء حزب الله الخميني، لكن حاطوم ولد في البرازيل عام 1952. غادر جدّه بيروت الى الامازون في بداية القرن العشرين خلال حقبة اكتشاف المطّاط. بقي لبضع سنوات في ريو برانكو (عاصمة ولاية آكر في الامازون الغربية)، ثم عاد الى بيروت. أخبر أولاده عن مغامرته البرازيلية، فراودت والد الروائي رغبة في أن يكتشف البرازيل بدوره. هكذا سافر اليها مع نسيبه سعيد فرحات عام 1939. وفي مانوس، تزوّج من امرأة مولودة من أب مسلم من جنوب لبنان وأمّ لبنانية كاثوليكية من البترون تدعى اميلي حوّاط. خلال السبعينات من القرن الماضي، عاش في ساو باولو حيث درس الهندسة. عام 1980 حصل على منحة للدراسة في مدريد، وبين عامي 1981 و1983، عاش في باريس حيث درّس الادب الاميركي اللاتيني في جامعة «سوربون نوفيل» (باريس 3). كتابه الأول، «قصص من الشرق»، حاز جائزة «جابوتي» لافضل عمل تخييلي لعام 1990، بالاضافة الى أهم جائزة برازيلية للأدب القصصي، نشرت هذه الرواية في الولايات المتحدة وانكلترا واسبانيا والبرتغال وايطاليا والمانيا. رواياته الثلاث، نوع من الدراما العائلية في اطار تاريخي، وللمكان، ولمدينة مانوس تحديدا، و»رماد الامازون» هو كتابه الوحيد الذي لا وجود لشخصيات من اصل لبناني فيه. شخصية حاطوم هي نفسها مرآة للواقع اللبناني الغريب الاطوار. بيروتسبق ان زار ميلتون بيروت عام 1992. كانت العاصمة مدمّرة يومذاك. زار أيضا الشمال والجنوب وتأثر كثيرا. تعرّف الى عشرات الأقارب من برج البراجنة، زاد وزنه اربعة كيلوغرامات لانه أكل بنهم شديد. وكانت الحرب لا تزال حاضرة في كل الاحاديث. الى ذلك في البرازيل هناك حضور ضخم وغنيّ ومتعدّد من البرازيليين من أصل عربي (لبناني وسوري) يراوح بين 8 او 10 ملايين، وهم منتشرون في كل المناطق، في العواصم كما في الضواحي. لكن معظمهم تزوّج من برازيليات من أصول مختلفة. في رأي ميلتون حاطوم ورأي الكثير من النقاد، أهمّ كاتب لا يزال على قيد الحياة من بينهم هو رضوان نصّار. صاحب ثلاثة كتب صغيرة فقط صدرت في السبعينات. أهم كتاب له هو «منزل الذاكرة» وقد ترجم الى الفرنسية وصدر لدى دار «غاليمار». كتابته من نوع الشعر النثري. الأسلوب مركّز، دراميّ وغنائيّ في الوقت عينه. أظن أنه ينبغي أن يُترجم الى العربية. ترجمت صفاء جبران فصلا منه. ومن الكتّاب من أصل لبناني ايضا البرتو موسى وسليم ميغال. هناك ايضا فلاسفة ونقاد ورجال سياسة وأطباء مشهورون، كأديب جاتيني ودافي ويب وميغال سروجي وغيرهم.اتاتورك اما الروائية الشابة ياسمين غاتا فتكتب في «ليلة الخطاطين» قصة شغف جدتها العثمانية بالخط العربي وتكريسها حياتها له بينما كانت تركيا من خلال جمهورية كمال اتاتورك قد تخلت عنه. وهي في الوقت نفسه تسجل بحسرة وألم رومانسي زوال ذلك المناخ الفني وروحيته وهالته التي مثلها الخط العربي ومتفرعاته الفنية العديدة وتلتقي دون قصد كما يبدو، رجال النهضة العربية الذين وقفوا في وجه التتريك من خلال تمسكهم بلغتهم التي انزل بها القرآن. فالجمهورية التركية استبدلت عام 1928 الكتابة العربية بصيغة معدلة للابجدية اللاتينية. وقدمت الأبجدية الى مصطفى كمال على لوح من ذهب. الخط العربي كان يتسم بالقدسية كما يحلو للجدة ان تعبر، فالله لا يهتم» للابجدية اللاتينية: نفسه الكثيف لا ينزلق فوق هذه الحروف المفصلة والقصيرة القامة». ليل الخطاطينياسمين غاتا هي ابنة الشاعرة والروائية اللبنانية فينوس غاتا الخوري. وقد ولدت في فرنسا عام 1975 ودرست فيها تاريخ الفن الاسلامي. ترصد جذورها المتعددة من الأبوين والأجداد. عاشت حياتها في فرنسا ولم تتقن اللغة العربية. لكن منذ طفولتها «بدأ الشرق مفعوله السحري، بوجهيه اللبناني السهل المنال من خلال عائلة لا تزال على قيد الحياة من خالات وابناء خالات، وتركيا الغامضة بأشخاصها الذين رحلوا». وضعت ياسمين سيرة العائلة من خلال مهنة الخطاطين. تقول غاتا «انطفأت في 26 نيسان 1986 عن ثلاثة وثمانين عاماً. كانت اسطنبول تحتفل بعيد الزنبق في امير جان. صبيحة اليوم نفسه ابلغ ابني نديم وفاتي الى الدوائر البلدية في بكلربكي القرية الساحلية المتربعة على الضفة الاسيوية للبوسفور. كان رحيلي بلا مشاكل كما كانت عليه حياتي. لم اخف الموت مرة فهو لا يقسو الا على من يخشونه. لا صراخ ولا دموع. جاء موتي لطيفاً لطف القصب عندما تغط اليافة في المحبرة. وجاء أسرع من الحبر يشربه الورق. حرصت على أن لا أخلف ورائي أي فوضى. رتبت حياتي وأدوات الخطاطة التي كنتها».ريش العصافير.في القسم الاخير من الكتاب نقرأ ما يشبه نعيا مفصلا يتلوه جو قصصي شعري حزين. نقرأ بلسان الابنة اي ان الكاتبة عن والدتها الفنانة المعروفة: توفيت امي ودفنت في مقبرة ابواب السرداب العائلي. امليت على عامل الرخام الكتابة التي حفرها على الشاهد. رشيد كونت/ اسكدار 10 حزيران 1882 بكلربكي 7 اذار 1960». تضيف «عند عودتنا الى البيت رأيتها في المنام طوال الليل وكانت تحدثني بوضوح وتشتكي من نحافة أحرف قبرها. نصحتني بالباسها معاطف حارة تحسباً للشتاء القادم» وبعد أحداث من الأسى المتتابع نصل الى الخاتمة حيث الكلام باسم الحفيدة اي الكاتبة وهي في ناح ريشلو في متحف اللوفر في 30 اذار 2000 حيث تعرض اعمال فنية للجدة. تتحدث عن بعض هذه المعروضات. تختم بالقول انها»لم تحفظ من جدتها سوى علبة من العاج مزينة بزخارف نباتية مذهبة. كانت تقول لها انها كانت رسامة وريشتها بزغبرين او الاكثر بثلاثة من اجل تلوين ريش العصافير. لا تملك سوى صورة فوتوغرافية واحدة تظهر فيها المرأة العجوز جالسة على طاولة تبتسم للعدسة. ليس لها من جدتها سوى علبة لكن زقزقة العصافير الواقفة على الاغصان الصغيرة توقظها ليلا. اغلاق الغطاء يكفي لاسكاتها». تقول ياسمين غاتا هكذا «اختفت الى الابد سلالة الخطاطين الطويلة وأساطيرهم المتنقلة وألقابهم غير اللطيفة كـ»الفقير» و»الاحدب» او ايضا «الخاطئ». اختفت الى الابد كما امحت الاشارات الدالة الى قبورهم فباتت مغفلة... وعفى الزمن على روحانية الخط الجميل». واللافت ان مهنة الخطاطين ماتت ليكون الخط العربي من الامور التي يستعملها مصممو الأزياء في عروضهم.رحلة عائلة من لبنانولدت إلماظ أبي نادر وترعرعت في بلدة صغيرة في جنوب غرب ولاية بنسلفانيا تدعى كارمايكل، تشتهر بمناجم الفحم، قد روت قصة عائلتها في مذكراتها التي شكلت معلماً أدبياً وظهرت بعنوان «رحلة عائلة من لبنان». يدور الكتاب حول المجاعة التي حلت في لبنان إبان الحرب العالمية الأولى. كما يتحدث عن رحلات عائلتها ذهاباً وإياباً بين لبنان والعالم الجديد، بما في ذلك عمل والدها كبائع متجول على نهر الأمازون في العشرينات من القرن الماضي. تقول إلماظ في حديثها عن حياتها وتجربتها الإبداعية. «لم ينقض وقت طويل قبل أن أدرك أن إظهار عروبتي قد عمل على جعلي أبدو دخيلة، ففي منهاج الدراسة لم يكن هناك أي شيء عن الكتابة العربية وفي التلفزيون لم يكن هناك شخص له علاقة بلبنان سوى داني توماس، وأصبح لورانس العرب الإشارة المميزة لثقافتي. في الوقت نفسه كشفت الأحداث في الشرق الأوسط عن مشاعر مناوئة للعرب، وازدادت هذه المشاعر سلبية بمرور الزمن ووصلت حد الريبة وعدم الثقة حتى من جانب زملائي. واصلت الكتابة. قصيدة عن هجرة أمي من لبنان وتوطنها في الولايات المتحدة، وقصة عن حياة جدي كلاجئ خلال الحرب العالمية الأولى، ومغامرات والدي كتاجر مطاط في البرازيل أيام شبابه أصبحت مواضيعي المفضلة وانطلقت مني تلقائياً هذه القصص والأشعار كما لو أن التاريخ برمته كان محتبساً في داخلي. على أن كتابتي كانت لا تزال داخل الباب. في الخارج، في قاعة المحاضرات، في برنامج البكالوريوس والماجستير، بعد عدة سنوات، كان الأدب الذي نقرأه غريباً عن إحساسي الطبيعي غربة باربي في سنوات طفولتي، كانت نماذج الكتاب تشمل عدداً لا بأس به من المؤلفين المنتمين لهوية أوروبية والذين كتبوا بإجادة حول مواضيع تتصل بالثقافة الأميركية السائدة. أما أنا فقد انصرفت في كتابتي إلى رواية قصص الأطفال الذين ماتوا خلال الحصار العثماني لقريتنا في لبنان. كنت أحس في شِعري بموسيقى غريبة عن السمع الأميركي، وجاءت الصور التي نسجتها في كتابتي موشاة بالتفاصيل اللامعة وأكثر ثراء من الكتابات الأخرى في السبعينات. على أني لم أشعر بالترحيب خارج الباب»، ما تقوله الماظ جزء من صورة اولية للشخصية اللبنانية.
توابل - ثقافات
ديفيد معلوف، ميلتون حاطوم، رضوان نصار، اندره شديد... كتابات لبنانية تُطعِّم الأدب العالمي
31-12-2007