مكتبات بيروت حالها حال العاصمة اللبنانية التي تعيد ترتيب شوارعها ومقاهيها ومطاعمها ومتاجرها بما يتلاءم مع الازمة السياسية الراهنة التي تعصف بها، وناسها ومثقفوها كما مكتباتها أعادوا تنظيم حركتهم بما يتناسب مع المدينة الحزينة التي ستغلق بعد أسابيع قليلة واحدة من أقدم مكتباتها.

Ad

مكتبة « رأس بيروت» الكائنة في «بلس» حيث تقع الجامعة الاميركية في بيروت، ستغلق أبوابها أمام روادها من الطلاب والمثقفين قريباً ولكن لا شيء في المكتبة يدل على ذلك. الكتب لا زالت جميعها على الرفوف الخشبية والواجهة لا زالت تتصدرها الانتاجات الفكرية الجديدة. وربما تعلّق صاحبة المكتبة فاديا جحا بهذا المكان، دفعها للمحافظة على تفاصيل المكان حتى اللحظات الاخيرة التي تسبق إقفالها. وفضّلت أن تختفي المكتبة فجأة بدلاً من أن تنسحب رويداً رويداً من الشارع الذي تتوزع فيه مكتبات كثيرة لا احد يعلم مصيرها . جحا تفضّل أن تغادر المكان من دون أن يتغير شيء في صورة المكتبة، التي شهدت العصر الذهبي في بيروت في خمسينات القرن الماضي، حيث أسسها أستاذ الادب العربي في الجامعة الاميركية أنطوان كرم عام 1949، وبعد أربعة أعوام إشتراها منه والد فاديا، شفيق جحا بالشراكة مع عبد الاحد بركات، اذ إنسحب الاخير عام 1980 من هذه الشراكة بسبب الحرب الاهلية اللبنانية. بدأت فاديا العمل في المكتبة منذ العام 1973 تتذكر أمجاد مكتبتها، التي كانت منبراً حراً لكثير من الكتاب والأدباء اللبنانيين وأبرزهم أدونيس، خليل حاوي، يوسف الخال، الياس خوري، سمير قصير، وحنان الشيخ.

مكتبة رأس بيروت لم تكن لبيع الكتب فحسب، بل كانت منتدى ثقافياً يجمع طلاب الجامعة الاميركية بهؤلاء الكتاب لمناقشة إصداراتهم وانتماءاتهم ومواقفهم السياسية لأن المكتبة برأي فاديا للجميع ليست لمالكها أو لأحد معين.

فاديا حاضرة دوماً للاعتناء بزبائنها الذين أصبحوا أصدقاء لها وللمكتبة، وجاهزة أيضاً للدفاع عن القراء اللبنانيين. فبرأيها أن القارئ لا يتردد بشراء أيّ كتاب «جيد»، وتعيد فاديا تراجع نسبة القراء الى الوضع الفكري المتردي وليس الى الوضع الاقتصادي، إذ ترى أن مستوى الاصدارات الفكرية الضعيف في العالم العربي ولبنان سبب في تراجع نسبة القراء، لأن معظم الانتاجات تكتب في ظل غياب حرية التعبير وتعدد الآراء وهذا ما يفسر برأيها، إقبال القراء على الكتب الاجنبية بالاضافة الى توجه عدد كبير نحو قراء ة الرواية، لأن اللبنانيين بحاجة الى «شي يفش الخلق» وأفضل هذه الروايات والاكثر إقبالاً عليها تلك التي تتحدث عن وجع الناس وآلامهم.

أما أزمة المكتبة الحقيقية كما تراها فاديا فتتمثل بدور النشر التي أصبحت تبيع كتبها إما عبر مكتباتها الخاصة أو عبر معارض الكتب، وبالتالي غيّبت دور المكتبة كوسيط وأصبحت دور النشر تنافسها في الأسعار التي تستطيع الأخيرة تخفيضها الى النصف من دون التعرض لأي خسارة مادية عكس المكتبة التي تضطر الى البيع بأسعار أعلى نسبياً لتحقيق نسبة من الأرباح.

مكتبة رأس بيروت ولسبب ما يتعلق بمالك المكان لن تطل بكتبها وبابتسامة صاحبتها مجدداً على أصدقائها في شارع « بلس» ، وحتى لو استبدلت بمقهى أو مطعم أو متجر للأحذية أو الملابس الجاهزة سيبقى المكان هو «حيث كانت مكتبة رأس بيروت».

للفرجة

هرمة، أنيقة، وعلى وجهها ما يشبه الشيبة التي تزيدها هيبة. هكذا تتلاصق الكتب المعتقة في مكتبة Esquire منتظرة من يمسح عن وجنتها طبقة الغبار الرقيقة ويجبر بخاطر صاحب المكتبة. التنقل في أروقة هذه المكتبة القديمة، التي تأسست منذ أربعين عاما ليس سهلاً ، فهي تغص برفوف الكتب وتعجّ بأرشيف كبير جمعه صاحبها منذ تأسيسها وطبعاً لا علاقة للقراء بهذا الازدحام ، فلا « قراء ولا زبائن» يأتون الى هذه المكتبة التي تملأها المجلات والكتب القديمة، وبعض القرطاسية والتذكارات التراثية التي لم تنجح في استقطاب الزبائن سوى « لي بفوتو ليتفرجوا». الوضع الأمني أثر كثيراً على حركة البيع في هذه المكتبة إذ إن معظم زبائنها هم من السيّاح الأجانب الذين كانوا يزورون لبنان أو يترددون إليه، وطبعاً منذ أكثر من عامين وبسبب الأحداث الأمنية التي ضربت لبنان لم يعد هناك» لا سيّاح ولا زبائن» يترددون الى المكتبات. صاحب مكتبة Esquire لم يعد يجني شيئاً منها ولكنه يصر كل يوم على فتح أبوابها في الصباح الباكر كالمعتاد، وهو لا يفكر مطلقاً في إقفالها نهائياً مع أن أوضاعه الاقتصادية تزداد سوءاً لأنه يقدس الكتاب وليس القرش.

أبراج وهدايا

وضع مكتبة سعيد ليس أفضل بكثير من وضع مكتبة Esquire، فالمكتبات البيروتية خصوصاً الموجودة في شارع الحمرا تراجعت مبيعاتها بشكل كبير وحركة الزبائن مشلولة تقريباً ، ومعظم أصحاب المكتبات باتوا يكرهون ما قيل سابقاً عن بيروت ومطابعها الاولى في المنطقة، فصحيح أن « الكتاب يكتب في القاهرة ويطبع في بيروت ويقرأ في بغداد»، ولكن أصحاب المكتبات بات جزء كبير منهم على عداوة مخفية مع أصحاب المطابع ودور النشر الذين ينافسونهم حتى على مخارج المآزق التي يلجأون إليها. ربيع غازي الذي يعمل في مكتبة سعيد التي تأسست منذ عشرين عاماً يشرح كيف ينتظر أصحاب المكتبة بداية العام الدراسي ليعملوا في بيع الكتب المدرسية التي تحقق لهم ربحاً موسمياً بسيطاً، ولكن باب الفرج هذا ما لبث أن أغلقته دور النشر على هذه المكتبة ومثيلاتها، بعدما اتجهت لبيع الكتب للمدرسة مباشرة وبسعر خاص يتضمن تنزيلات لا تقوى المكتبة على منافسة أسعارها. وباقي أيام السنة، وكما باقي المكتبات الحركة شبه معدومة، ولكنها لا تخلو من بعض القراء الذين يترددون دوماً لسؤال ربيع عن إصدارات جديدة لكاتب معين، وحالياً الطلب هو على كتب عيد الميلاد وبعض قصص الاطفال التي تتعلق بشخصيات هذا العيد المجيد. ولكن بشكل عام، كما يؤكد ربيع، الطلب هو على الروايات والسير الذاتية وترجمات الكتب الاجنبية وطبعاً الاقبال كثيف دوماً على كتب الابراج والكتب التي يثار حولها ضجة إعلامية وتسبقها حملة تسويقية، وربما تسليع الكتاب هو سبب أساسي في تراجع نسبة القراء وبالتالي نسبة البيع في هذه المكتبات.

تبصير

معظم مكتبات بيروت أجرت استعدادها للمشاركة في معرض الكتاب الدولي الذي يقام فيها. صاحب مؤسسة المعرّي خليل المغربي كان مشغولاً بالتحضيرات لهذا المعرض رغم تحفظاته الكثيرة عليه واعتباره مجرد ملتقى « لإرتشاف القهوة وللدردشة»، ولأن حركة الزبائن « خفيفة» قرر الاعتماد على بيع القرطاسية والصحف وعلى بعض الكتب المطلوبة كالرواية والكتب السياسية والتوثيقية التي كثرت مع ازدياد الأحداث والتطورات الأمنية منذ أكثر من سنتين بدءاً باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مروراً بتوثيق كامل ليوميات حرب تموز 2006 ووصولاً الى أحداث مخيم نهر البارد، والاقبال على كتب الابراج كبير جداً لأن «الكل بدو يبصّر» وبرأي المغربي أن الأوضاع الأمنية أثرت على حركة الزبائن من الخليجيين الذين كانوا يترددون الى مكتبته وعلى العكس لم تؤثر هذه الاوضاع على حركة الزبائن اللبنانيين الذين ورغم الاوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة يشترون أي كتاب جيد وغني ويأسف المغربي لوجود القليل من الكتب القيمة التي تستحق أن يقتنيها القارىء.

المكتبات البيروتية ترزح تحت خطر»الاقفال» شأنها شأن الكثير من مصالح اللبنانيين، ولكن تجربة الحرب الأهلية أثبت أن هذه المدينة لا تتنازل بسهولة عن معالمها الثقافية، لذا لن تؤثر الأحداث الأمنية والازمات السياسية كثيراً على عاصمة الثقافة بيروت.

كتب بالتقسيط

معظم مكتبات شارع الحمرا تعتمد على الوافد الأجنبي الذي يشتري الكتاب مهما بلغ سعره ولكنها الان وبسبب عدم مجيء هؤلاء السيّاح الى لبنان ساءت أوضاعها. المكتبة الشرقية ،واحدة من أحدث هذه المكتبات، إفتتحت فرعها في شارع الحمرا منذ خمس سنوات فحسب ، ومع أنها حديثة العهد بالنسبة للمكتبات الأخرى، الا أنها ليست كذلك بالنسبة لوضع المكتبات البيروتية.

تفتح هذه المكتبة أبوابها باكراً كل صباح كي يبيع العامل فيها بضع جرائد، ويجلس بعدها قرب خزائن الكتب واضعاً رأسه بين يديه منتظراً زبائنه، ولكن مهما طال انتظاره يعرف أن عددهم لن يتجاوز أصابع يده، لذا يمضي باقي يومه غاضباً من الحركة «الخفيفة» ومن أذواق القراء الذين تحولوا لشراء كتب « الأكل» وللسؤال عن «الشيف» عوضاً عن طلب إصدار لأي كاتب أو شاعر أو راوٍ. وما يثير غضبه حقاً هو طلب بعض الزبائن شراء كتاب بالتقسيط. حالياً ورغم هذه الاوضاع ، لا يفكر مالكو المكتبة الشرقية بإقفالها ولكن إن استمر الوضع على ما هو عليه، سيكون هذا الحل مطروحاً بلا شك.