العنوان الوحيد الذي حكم حياة اللبنانيين طوال العام الماضي كان الشلل التام في كل المستويات. ووجد اللبنانيون أنفسهم في مواجهة بعضهم بعضا. وبات هدف كل طرف من الطرفين المستقويين في الخارج أن يحقق انتصاراً لا شبهة فيه على الطرف المحلي الآخر، بينما لم تفلح المفاوضات الداخلية ولا حتى الضغوط الدولية في تأمين إنجاز الاستحقاق الرئاسي.
في الأول من ديسمبر من عام 2006 بدأت «المعارضة» اللبنانية اعتصاماً مفتوحاً في وسط بيروت التجاري، داعية إلى إسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة المدعومة من الولايات المتحدة الاميركية والمجتمع الدولي، والتي اتهمتها «المعارضة» اللبنانية بالتواطؤ مع اسرائيل في الحرب التي خاضتها اسرائيل ضد لبنان في صيف عام 2006. كان هذا الاعتصام، الذي لايزال مستمراً حتى اليوم، إيذاناً ببدء هجوم «المعارضة» المعاكس على «الموالاة». وفي تلك اللحظة بدا أن كفتي ميزان الصراع تتعادلان في القدرة على محاصرة بعضهما بعضا، فـ «الموالاة» كانت منذ التمديد لرئيس الجمهورية السابق اميل لحود، بقرار سوري واضح، قد نحجت في عزل الرئيس لحود وفرض حصار حكومي ونيابي وشبه شعبي عليه. فضلاً عن حصار دولي لم ينته حتى تاريخ مغادرته قصر بعبدا من دون انتخاب خلف له. ردت «المعارضة» باحتضان الرئيس لحود، من دون ان تنجح في فك عزلته، لكن هجومها المعاكس لم ينجح في اكساب الرئيس لحود شرعية كان يفقتدها، مما ألجأها إلى ترتيب حصار شعبي للحكومة المدعومة من المجتمع الدولي. وتضافر الحصار الشعبي للحكومة ومن تمثل مع هجوم امني على قيادات 14 آذار (مارس)، تمثل في سلسلة الاغتيالات التي طاولت اركان هذا الفريق، والتي استفاد منها بعض «المعارضة» حرية حركة وقدرة على المساومة. الأمر الذي فرض امراً واقعاً محلياً جعل هذه الحكومة تفتقر إلى شرعيتها الكاملة. وبهذا الحصار تساوى موقعا السلطة التنفيذية اللبنانية، رئاسة الجمهورية والحكومة مجتمعة، في اللافاعلية. الحياة المعلقةكان حزب الله بعد حرب يوليو التي شنتها اسرائيل عليه قد نجح في تثبيت اركان سلطته وتوطيدها على المناطق التي كان يسيطر عليها اصلاً. واستطاع بصمود مقاتليه والدعم الذي تحقق له من ايران وسورية ان يؤجل إلى امد غير منظور، النقاش في موضوع نزع سلاحه داخلياً وخارجياً على حد سواء. الأمر الذي ادى إلى تأكيد امر واقع يجعل سيادة الدولة اللبنانية على المناطق التي تخضع لهذه السيطرة غير ممكنة من دون موافقة حزب الله. وهذا ما عبر عنه بوضوح الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، في احتفال «النصر الإلهي»، حين اعلن ان حزب الله يسلم سلاحه إلى الدولة القوية القادرة والعادلة، وكان مفهوماً ان هذه الدولة التي يتحدث عنها السيد حسن نصرالله ليست إلا الدولة التي يكون له فيها اليد الطولى.أتى اعتصام «المعارضة» في وسط بيروت ليعلن داخلياً، ومن دون لبس، ان «حزب الله» الذي حسم موضوع سيطرته على مناطقه يتطلع إلى مشاركة الفريق الموالي في مناطق سيطرته، فوسط بيروت الذي اختارته «المعارضة» اللبنانية مكانا للاعتصام هو درة تاج مشروع الطائفة السنية السياسي، وبتهديده وتعطيله يتم تعطيل السلاح الاشد مضاء لهذه الطائفة والذي شكل طوال عهد الحريري الأب عقدة مستعصية امام كل القوى السياسية، إلى حد بدا الاعتداء عليه محرماً لبنانياً وعربياً ودولياً. ذلك ان هذا الوسط المعاد إعماره بكلفة لبنانية باهظة، كان بالنسبة إلى اللبنانيين محجة يحجون إليها بوصفها تكفيراً عما اقترفوه في حروب اهلية دامية، مما جعل الحرص عليه مرادفاً طوال التسعينيات من القرن الماضي والنصف الأول من العقد الحالي معادلاً للحرص على عدم تكرار تجربة الحرب الأهلية مرة اخرى. غني عن القول ان وسط بيروت المعاد إعماره تعرض لهزة كبرى يوم اغتيال الرئيس الحريري نفسه، وبدا هذا الاغتيال في الرابع عشر من فبراير عام 2005 بمنزلة انقلاب على كل ما تواضع اللبنانيون واتفقوا عليه. هكذا دخل الوسط منذ حادثة الاغتيال في سبات طويل وعاش طقس حداد عام، لم تلبث «الموالاة» نفسها ان ثبتته بالاعتصامات والتظاهرات المليونية، في محاولة منها لتثبيت رمزية وسط بيروت. ذلك ان ازدهار الحياة اليومية في هذا الوسط كانت تعني بالنسبة إلى اللبنانيين ان الحياة تسير سيرها الطبيعي، وان تعطيله تالياً، بالتظاهرات والاعتصامات، يعني ان الحياة معلقة في انتظار تحقيق المطالب السياسية. ضمن هذا السياق الذي افتتحته «الموالاة» بعد زلزال اغتيال الرئيس الحريري، جاء اعتصام «المعارضة» ليثبت تعطيل هذا الوسط التجاري، بما يجعل اسلحة «الموالاة» كليلة ومواردها شحيحة. وعلى نحو ما عطل القرار الدولي الذي حمل الرقم 1701 فاعلية سلاح حزب الله في المعركة من اجل تحرير الأسرى ومزارع شبعا، جاء قرار الاعتصام ليعطل الحياة اليومية للبنان، ويضع البلد في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الخارجية والأمن على مفترق طرقات خطيرة. الأسلحة كفيفة من الجانبينلا شك ان تعطيل الوسط التجاري باعتصام مفتوح وما تلاه وسبقه من توترات بين السنة والشيعة في بيروت عطل سلاحاً محلياً كانت «الموالاة» تستخدمه في مواجهة النظام السوري على نحو فاعل، ففي هذا الوسط كانت تقوم التظاهرات المنددة بالتدخل السوري في لبنان، ومنه كانت تنطلق مواكب تشييع الشهداء من النواب اللبنانيين الذين قضوا اغتيالاً. وما ان تم احتلاله على النحو الذي تم فيه، حتى بدا ان هذا السلاح بات كفيفاً وغير قابل للاستعمال، تماماً مثلما خضع سلاح حزب الله في مواجهة اسرائيل بعد حرب يوليو إلى احكام هدنة مغايرة كلياً لما كانت عليها احكام الهدنة بين الجانبين ما بين عام 2000 وعام 2006، ففي الفترة التي تلت الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان والحرب الإسرائيلية الاخيرة عليه، كان حزب الله يتمتع بحق خرق الهدنة المتوترة على الحدود، فيقوم بعمليات تذكيرية في مزارع شبعا ويرد على الخروق الإسرائيلية براً وبحراً وجواً. لكن نتائج الحرب جعلت احكام الهدنة هذه مقلوبة، فباتت اسرائيل هي المبادرة وحزب الله متردداً في الرد. وبصرف النظر عن قناعة حزب الله بتحقق «نصر إلهي» في تلك الحرب، إلا ان ما تم تثبيته من نتائج يتصل اتصالاً مباشراً بتغيير في وجهة سلاح حزب الله، فبات الحزب بعد هذه الحرب جزءاً من الحلف الإيراني- السوري الذي يمانع اميركا ويشاغب تحقيقاً لمكاسب سياسية محددة وغير خافية إلا على من لا يريد ان يمعن النظر جيداً في ما جرى.لقد استنفد اللبنانيون منذ عام 2005 حتى مطلع عام 2007 كل اسلحتهم في مواجهة الجهات الخارجية المتدخلة في الشأن اللبناني. وأصبح السياسيون اللبنانيون على اختلاف مشاربهم ومواقعهم من دون حصانة ضد الاغتيال من اي نوع سوى اختفائهم عن الأنظار وحكم البلد من الملاجئ والمخابئ. وما ان هل عام 2007 حتى دخلت القوى السياسية اللبنانية في تمرين قواها الذاتية والمدعومة خارجياً في جسم الداخل اللبناني الهش والسريع العطب. فلم يعد الخصم سورياً أو اسرائيلياً أو اميركياً، بل اصبح الخصم محلياً على نحو واضح، وباتت السجالات السياسية والاتهامات المتبادلة بالتخوين والعمالة على كل شفة ولسان. لا شك ان تقليم الاظافر الخارجية للبنانيين جعل مسألة توافقهم في ما بينهم ملحة اكثر من اي وقت مضى، لكن اللبنانيين العاجزين منذ أغسطس عام 2006 عن تهديد الخارج الذي يهددهم من جهة اولى، والعاجزين من جهة ثانية، عن تأمين توافق خارجي على تحييد البلد عن الصراعات الحادة التي تضرب المنطقة طولاً وعرضاً، وجدوا أنفسهم في مواجهة بعضهم مع بعض، وبات هدف كل طرف من الطرفين المستقويين بالخارج ان يحقق انتصاراً لا شبهة فيه على الطرف المحلي الآخر. في الأثناء، وفي حمأة هذا الصراع المرعي خارجياً، كانت القوى والمؤسسات المحلية والمشتركة بين اللبنانيين تتعرض لأقسى محنها التي عرفتها طوال تاريخ البلد، فالجيش اللبناني الذي اتخذ لنفسه موقعاً وسطاً بين المتخاصمين، تعرض لامتحانات خطيرة شككت في دوره الذي يتوسط بين اللبنانيين، وعرضته لاتهامات شتى بالتقصير في حفظ الأمن السياسي والاجتماعي، لكن ثبات الجيش على مواقفه والدقة التي اتسم بها اداؤه طوال الفترة الماضية جعلته يستمر مؤسسة جامعة لكل اللبنانيين رغم هشاشة تركيبته الموروثة والمؤثرات الخارجية والداخلية التي استهدفته على نحو مباشر.حصار الفئة الثالثةفي معمعة هذه الحرب الأهلية الباردة بين اللبنانيين، دخل الجيش في امتحان نهر البارد من دون اسلحة من اي نوع. ففضلاً عن افتقاره إلى العدة والعتاد، كان الجيش منزوع السلاح على المستوى السياسي، فمنذ بداية تلك المحنة انبرى سياسيون وقادة لبنانيون إلى تحذير الجيش من مغبة التورط في حرب استنزاف في نهر البارد، وبعضهم وضع للجيش خطوطاً حمر تحذره من تجاوزها، لكن الجيش دخل معركته في البارد مصمماً على الانتصار وحقق انتصاره بعد تضحيات هائلة لم يشهد لها مثيلاً طوال تاريخه. وبتحقيق هذا الانتصار، استطاع الجيش ان يتحول، على وجه من الوجوه، قوة سياسية يحسب لها حساب في الداخل اللبناني. فجعلت القوى السياسية تتبارى في مديحه قادة وجنوداً وتنسب إليه انضواءه في صفوفها او دعم مشاريعها على الأقل، فـ «المعارضة» مدحت الجيش اللبناني الذي قاتل ضد اسرائيل وتكامل مع المقاومة، و«الموالاة» نسبت إليه انحيازه إلى صفها على نحو مماثل. وما لبث ان اندلع سجال في البلد بين القوى السياسية حول الجهات التي دعمت الجيش في حربه تلك، فـ«المعارضة» ادعت ان الولايات المتحدة الاميركية لم تدعم الجيش في تلك الحرب و«الموالاة» ادعت ان سورية لم تدعمه كذلك. وكان السجال الذي سبق هذا السجال بين «المعارضة» و«الموالاة» يتلخص في اتهام «المعارضة» قوى الاكثرية وعلى رأسها سعد الحريري وتيار المستقبل بتسليح «فتح الإسلام» كتنظيم سني في مواجهة حزب الله الشيعي، في حين اتهمت «الموالاة» سورية بتسليح التنظيم وتسهيل دخوله إلى الأرض اللبنانية. وفي غمرة هذا السجال اصدرت قيادة الجيش بياناً سياسياً، لم يرض جميع الأطراف، اعلنت فيه ان الجيش لم يتلق دعماً ذي معنى من اي جهة، وان «فتح الإسلام» ليست فرعاً للمخابرات السورية كما انها ليست تنظيماً سنياً يموله سعد الحريري. وغني عن القول ان هذا البيان لم يحز اعجاب «المعارضة» و«الموالاة» على حد سواء. الجدران الصماءلم يكد ينتصف عام 2007 على هذا التأزم في المشهد السياسي اللبناني حتى بدا واضحاً ان قطبي «المعارضة» و«الموالاة» قد وصلا إلى ما يشبه المأزق المشترك. كانت نتيجة الاعتصاب الاهلي على الضفتين قد اوصلت الجميع إلى الحائط المسدود، فلا «الموالاة» كانت قادرة على استخدام مواردها في السلطة الإجرائية والاشتراعية على حد سواء، وتالياً لم تنجح في تحقيق هيمنة محلية مقبولة من الاطراف جميعاً، ولا «المعارضة» من جهة أخرى استطاعت ان تفك قيد العزلة الدولية والمحلية عن قواها الأساسية. وكان ميزان القوى السياسي اللبناني يميل عموماً وبسبب من توازن القوتين الأساسيتين محلياً إلى تأبيد نوع من الشلل السياسي والاجتماعي والأمني والاقتصادي شمل كل المستويات. العنوان الوحيد الذي حكم حياة اللبنانيين طوال العام الماضي كان الشلل التام في كل المستويات. وما ان نجح الجيش اللبناني في القضاء المبرم على تنظيم «فتح الإسلام» رغم الكلفة الباهظة التي دفعها الجيش ضباطاً وجنوداً ورتبا، حتى فتح في افق الانسداد السياسي والاقتصادي والامني كوة كان اللبنانيون احوج ما يكونون إليها. انتصر الجيش وبانتصاره باتت وحدته اقوى من ذي قبل، وبات قوة سياسية محلية مؤهلة لاختراق المعسكرين السياسيين المتناحرين، لكن هذا الاختراق لم يكن يتجاوز الحدود اللبنانية نحو الخارج على اي وجه من الوجوه، فالجيش اللبناني بعد انتصاره في نهر البارد، تشكل كقوة سياسية وامنية مؤثرة ومهمة في الداخل اللبناني، لكنه طبعاً لم يكن يستطيع ان يدعي لنفسه دوراً خارجياً من اي نوع، فعلى مستوى الصراع اللبناني ضد اسرائيل لم ينسب الجيش لنفسه دوراً اكبر من دعم المقاومة، وكذلك فإن قيادة الجيش لم تجد نفسها معنية بنزع سلاح هذه المقاومة عملاً بمقتضى القرارات الدولية. وبكلام آخر، كان الانسداد السياسي امام القوى المتصارعة محلياً يتيح للجيش ان يؤدي دور قوة الفصل بين الجانبين داخلياً وخارجياً، لكن الإشادة بدور الجيش من كل القوى الخارجية لم تتم ترجمتها دعماً واضحاً للجيش، قيادة وتوجهات، وهو دعم لم يكن الجيش راغباً في الحصول عليه. وخلاصة القول ان انتصار الجيش في نهر البارد وتجاوزه محنة ولادة «اتفاق قاهرة» جديد يبيح لفئة مسلحة حرية الحركة عسكرياً وسياسياً في شمال لبنان، وعلى الحدود السورية - اللبنانية، جعل من الجيش لاعباً محلياً يحسب له ألف حساب. لكن تأثيره وقوة تقريره في المعادلة الداخلية كانا على الدوام مرهونين بمدى سماح اللاعبين المحليين والدوليين لهذا الجيش في اداء هذا الدور. ولم يقرر اي منهم اعتماد سبل المواجهة العارية في مواجهة خصمه. وبكلام آخر كان الجيش قوياً ومؤثراً ما دام الطرفان يعانيان مأزق انسداد الآفاق امام انتصار مشاريعهما المستحيلة.في هذا الزمن السياسي بالضبط، أطلق الرئيس نبيه بري مبادرته لحل ازمة الاستحقاق الرئاسي الذي كانت رياحه الخطيرة تصفر على باب لبنان. اطلق بري مبادرته في احتفال شعبي حاشد في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، وجاء فيها ان «المعارضة» اللبنانية لم تعد في وارد اسقاط الحكومة التي لطالما وصفها الرئيس بري واركان «المعارضة» بالحكومة اللاشرعية واللاميثاقية، على ان تقلع «الموالاة» عن تهديدها بانتخاب رئيس للجمهورية بنصف النواب زائداً واحداً. وعلى الأثر افتتح الطرفان المتناحران جولة جديدة من المفاوضات المتعلقة بالشأن الرئاسي تمهيداً لانتخاب رئيس يخلف الرئيس اميل لحود في منصبه. ومثّل «الموالاة» رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري في هذه المفاوضات في حين مثل الرئيس نبيه بري «المعارضة». وغني عن القول ان استبعاد رئيس الحكومة المطعون في شرعيتها من هذه المفاوضات فضلاً عن استبعاد القادة الموارنة عموماً، كان له ما بعده سياسياً ودستورياً. فلم تلبث المفاوضات ان وصلت إلى طريق ماروني مسدود، وبدا أن الخلاف الماروني على المرجعية السياسية المؤهلة للتوقيع على اي اتفاق بمنزلة «مسمار جحا»، الذي ينذر بأن يشق طاولة المفاوضات نصفين. وسرعان ما وجد المفاوضان نفسيهما محشورين في هذه الزاوية، فلم يجدا بداً، وتحت ضغط دولي عام وأوروبي بشكل خاص، ان يتركا امر تقرير هوية الرئيس إلى المرجعية المارونية الاولى التي لا يرقى إليها شك، والمتمثلة في بكركي، وسيدها الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير. تقييد العهد الجديدبعد تردد وأخذ ورد، وافق البطريرك الماروني على وضع لائحة من اسماء المرشحين المقبولين لديه لرئاسة الجمهورية، على ان يتم اختيار واحد من هؤلاء او اثنين ليعرضا على المجلس النيابي، لكن استبعاد المفاوضان سلفاً المرشحين المسيحيين من 8 و14 آذار (مارس)، جعل اللائحة محدودة العدد، وجعل امكان الاعتراض عليها مسيحياً وتعطيل فاعليتها ورفض نتائجها اكثر من ممكن. وقبل ان تنفض المفاوضات على خلاف واضح، بشأن الرئيس التوافقي، راجت في البلد شائعات تفيد بأن قطبي السياسة المارونيين الاكثر تمثيلاً، ميشال عون وسمير جعجع يستعدان للقاء تمهيداً لرفض نتائج المفاوضات بين بري والحريري. وسربت اخبار عن خلاف في الرأي بين سمير جعجع والزعيم الدرزي وليد جنبلاط بشأن هذا الأمر بالضبط، حيث كان السيد وليد جنبلاط، الذي بدأ يستشعر تغيراً في اتجاه الرياح الدولية حيال سورية وايران، قد أخذ يدعو علناً إلى الوصول إلى تسوية، داعياً فريق 14 آذار (مارس) إلى تسهيل حصول هذه التسوية وعدم وضع عراقيل امامها من اي نوع. في هذه الحمأة البالغة الخطورة أعلن السيد حسن نصرالله في خطاب متلفز ان التوافق على الرئيس لا ينهي المشكلة، وانه بصدد التفاوض على صلاحيات الرئيس نفسها، فأعلن ان له رأياً، و«المعارضة» من ورائه، في التعيينات الإدارية في العهد الجديد، وان له رأياً في من يخلف قائد الجيش وقادة الاجهزة الأمنية في مناصبهم.زادت شروط نصرالله من صعوبة انجاز الاستحقاق الرئاسي، ولم تفلح الضغوط الدولية في جعل تحقيقه ممكناً. وكان ان فشل الطرفان في انتخاب رئيس قبل انتهاء المهلة الدستورية، وغادر الرئيس اميل لحود قصر بعبدا من دون ان يخلفه فيه احد، وبات لبنان امام هاوية دستورية وسياسية يصعب اخراجه منها. امام هذه الهوة الفاغرة فمها، وجد فريق 14 آذار نفسه امام خيار وحيد لا سبيل لتجنبه، الا وهو ترشيح العماد ميشال سليمان لرئاسة الجمهورية، والقبول تالياً بتعديل المادة 49 من الدستور او تعليق العمل بالفقرة الثالثة منها التي تحول دون ترشيح موظفي الفئة الأولى إلى المناصب الرسمية. للوهلة الأولى بدا وصول العماد ميشال سليمان إلى قصر بعبدا معبداً ومن دون عوائق. ذلك ان طرفي الأزمة اللبنانية وصلا إلى حائط مســـــدود تمامـــــاً، فـ«المعارضة» عاجزة عن الحكم من دون دعم دولي عزيز المنال، و«الموالاة» عاجزة عن الحكم والهيمنة من دون قبول لبناني عام بهيمنتها وحكمها، لكن النتائج السريعة التي تمخض عنها مؤتمر انابوليس الذي فك طوق العزلة الدولية والعربية الخانق جزئياً عن سورية، والتقرير الذي نشرته وكالة الاستخبارات الأميركية بشأن تعليق ايران برنامجها النووي العسكري، والذي جعل الخيار العسكري الاميركي مستبعداً، أعطى «المعارضة» اللبنانية املاً جديداً في تفعيل دورها في الحكم بحد ادنى من العلاقات الدولية الضرورية، والتي كانت حتى الشهر الأخير من عام 2007 حكراً على «الموالاة» من دون اي منافس. هكذا لم تعد «المعارضة» اللبنانية مستعدة للقبول بترئيس رئيس من الوسط، وبات قائد الجيش الذي حصّل وزنه السياسي من حياد الجيش وتوسطه بين اللبنانيين خصماً للمعارضة التي وجدت ان فرصتها حانت لحكم البلد، وهي فرصة لن تتكرر مرة اخرى. لا شك ان «المعارضة» ورعاتها الاقليميين بالغوا كثيراً في تقدير انتصاراتهم على المشروع الاميركي في المنطقة، واستبشروا خيراً بزيارات قليلة قام بها دبلوماسيون سوريون إلى بعض العواصم. لكن الحصاد في ما يبدو اتى على ما يقارب الصفر، وإلى ان تعود «المعارضة» اللبنانية ورعاتها الإقليميون إلى ارض الوقائع فإن لبنان موعود ببراكين أمنية وسياسية قد تجعل الفراغ عاماً.
دوليات
لـبــنان 2007 عـام المــآزق المـتـوازنـة شلل تام في المستويات كافة ... وفراغ رئاسي حتى إشعار آخر
27-12-2007