رؤية نقدية جديدة يقدمها الباحث والناقد الأدبي صلاح عيد أستاذ الأدب العربي القديم في جامعة قناة السويس في دراسة بحثية له بعنوان «الحركة التوافقية في القصيدة العربية». تعتمد هذه الرؤية على عدد الإيقاعات في الأبيات الشعرية وعلى شروق وغروب الشمس والحركة الدائرية للأرض.

Ad

كيف ترتبط حركة الكون بتحليل النص الأدبي؟

تتعامل رؤيتي مع أبيات القصيدة على أساس عدد المقاطع الطوال والقصار وليس على أساس الحركة والسكون واعتبار أن البيت الواحد حركة دائرية كاملة منقسمة بطبيعتها إلى شطرين متساويين وإذا كنا نعبر عن محيط أية دائرة بالتعبير الرياضي البسيط (2 ط نق) فإن (نق) هنا هي شطر البيت ونحن نستبدلها بالرمز (ش) ليكون لدينا وصف لبيت الشعر محيط دائرة مقداره (2 ط ش) وهذا التعبير هو ما ينطبق على كل حركة في الكون من الذرة إلى المجرة إلى حركة الدم والدائرية في جسم الإنسان.

بل هناك ما هو أكثر في عروض الشعر العربي في مجال التعبير العددي وهو أن كل تفعيلة كبيرة هى ثلاثة مقاطع طويلة أو حرف ممدود أو منتهٍ بالسكون ومع هذه المقاطع الطويلة مقطع قصير واحد بحيث يمكننا أن نقول إن هناك محاولة واحدة تصف كل تفعيلات الشعر العربي هى أن التفعيلة = 3 ط + ق/ن، ومعناها ثلاثة مقاطع طويلة + مقطع تعبير واحد، والنون تحت ق تعنى وضع المقطع القصير فإذا كان هذا المقطع القصير في أول التفعيلة أخذت من رقم 1 وإذا كان في ثانيها أخذت من رقم 2 وهكذا هذه هى التفعيلة الكبرى، أما التفعيلة الصغرى فهي نفس التفعيلة الكبرى محذوفاً منها مقطع قصير واحد مثال التفعيلة الكبرى مُسْ تَفْ عـِ لُن، فلو قمنا بعدّ الإيقاعات أو النبضات أو الحركات القصيرة والطويلة في بيت الأعشى مثلاً لوجدناها متساوية تماماً أي 14 نبضة في الشطر الأول في مقابل 14 نبضة في الشطر الثاني:

ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعاً أيها الرجلُ

والنبضة الطويلة هي مثل وَدْ وكذلك دِعْ والقصيرة هي هـُ تليها نبضة طويلة هى رَىْ والقصيرة رَ وأيضاً ةَ وهكذا.

والحركة الدائرة لا تقتصر فقط على الإيقاع، دائماً تترجم من نفسها في المعنى أو الدلالة أيضاً حيث نرى الشاعر يكتب الشطر الثاني وعينه على الشطر الأول فيذكر الوداع في الشطر الثاني مقابلاً لذكر الوداع في الشطر الأول وترى أجود أبيات الشعر العربي تنطبق عليها هذه العودة الدلالية من الشطر الثاني إلى الشطر الأولى باعتبارها متمشية مع الحركة الإيقاعية فيه.

المقطع القصير وهو العين يقع ثالث التفعيلة ولذلك تأخذ هذه التفعيلة الوصف التالي: 3 ط + ق/3 والتفعيلة القصيرة مثل فا عـِ لن أي 2 ط + ق/2.

فن الشعر ينسجم مع قانون الله في الكون لأن الله بنى كل شيء في الكون على أساس عددي محدد مثلاً درجة حرارة الجسم الصحيح 37 درجة. الشمس تشرق في وقت محدد بالدقيقة والثانية وتغرب في وقت محدد بالدقيقة والثانية، حركة القمر حول الأرض محسوبة بالمتر والثانية وكل شيء عنده بمقدار.

كيف يمكن تطبيق ذلك على أبيات معينة من الشعر ومنذ متى امتلكت هذه الرؤية؟

لو أخذنا قصيدة لأحمد شوقي في أبي الهول كمثال سنجد أنه يقول في مطلعها:

أبا الهول طال عليك القصرْ

وبلّغت في الأرض أقصى العمرْ

وأثناء ترديدي لهذا البيت فيما كنت أسير في أحد الشوارع كنت أحسب خطواتي فوجدتها متوائمة مع القصيدة وعلى وزن بحر المتقارب وكانت هذه البداية، ثم كانت دهشتي الكبرى حين اكتشفت في معلقة الشاعر الجاهلي الأعشى والتي يقول مطلعها:

ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعاً أيها الرجل

أن عدد الإيقاعات في كل شطر هي أربعة عشر إيقاعاً وتبين لي أن هذا العدد ينطبق على كل أبيات المعلقة، وحين جلست وقت الغروب على البحر وجدت أن منظر الأفق دائري والشكل الدائري ينقسم إلى شطرين متساويين فتساءلت إذا كانت الحركة الدائرية التي تقع في عمق هندسة الكون تتكون من شطرين متساويين متقابلين كما هو معروف علمياً فلماذا لا يكون شطر البيت الشعري المكوّن من شطرين متساويين هو أيضاً حركة دائرية من الناحية النغمية وكان مثالي على ذلك قول أبي نواس واصفاً حديقة كثيفة الأغصان:

قد لحفتك الغصون أردية فيومك الفضي النعيم ندى

فالشاعر يشبه اليوم في الشطر الثاني بفضي ندى بنعيم الحياة لأنه كان يتحدث في الشطر الأول عن الغصون التي تكاد تغطي الإنسان وهو يدخل هذه الحديقة أو البستان ويأتي هذا البيت من هذا الانسجام أو التوافق في الصورة بين الشطر الثاني والشطر الأول وهو ما ينطبق على كل بيت جيد من أبيات الشعر يؤثر في الإنسان ويشعره بالطرب والسرور لأن هذا هو نفس تركيب الكون كله بمجراته، ذلك التركيب الدائري الذي يتجه فيه الشطر الثاني نحو الشطر الأول في الحركة الدائرة سواء كانت هذه الحركة هى حركة الدم بين الشقين المتساويين في الجسم الحي أو كانت حركة الإلكترون حول النواة الذرية أو حركة الكواكب حول الشمس.

النماذج التي ذكرتها تنتمي الى الشعر الكلاسيكي. ألا توجد نماذج للشعر الحديث؟

انحاز الى الشعر الكلاسيكي وهذا النمط تنطبق عليه دراساتي كما أؤكد أن الشعر الحقيقي هو حركة الكون في كلمات الإنسان وأرى أن هذا النمط كوني وليس تراثياً ورثناه عن امرئ القيس أو عن مكتشف أنغام الشعر العربي الخليل بن أحمد الفراهيدي، فالشعر الشطري هو الشعر الحقيقي وتوصلي للحقيقة العددية للشعر وضعت في يدي البرهان الذي جعلني أتمسك بهذا الفن، ولهذا أرى أنه خلال الخمسين عاماً الماضية قد خسر العالم العربي التخلي عن أنغام الشعر الذي يعيد إلى النفس البشرية انسجامها مع الكون.

لماذا اختفى الشعر الكلاسيكي؟

لأن الشعر الكلاسيكي قد انتقد انتقاداً شديداً واتهم بأنه شعر الطبقات البرجوازية في زمن كانت الأنظار تتجه إلى تغليب القطاعات الشعبية على ما يسمى بالرأسمالية فكانت كراهية الشعر الكلاسيكي.

وما رأيك في القصيدة الحديثة؟

يرزخ هذا النوع من الشعر تحت مسميات كثيرة: الشعر الحر وشعر التفعيلة وقصيدة النثر التي قضت على البقية الباقية من أنغام الشعر حين محت الإيقاع النغمي محواً كاملاً من فن الشعر. ففقد الشعر جمهوره كما تكادالحركة النقدية أن تكون راكدة واختفت المذاهب الأدبية والنظريات التي على أساسها تزدهر الحركة النقدية.